في الخامس من حزيران من كل عام يحتفل العالم بيوم البيئة العالمي،  وفي الخامس من كل حزيران تحل علينا ذكرى مأساة عدوان حزيران ، والذي يعتبر بكافة المقاييس أبشع أنواع التلوث.  لقد شنت إسرائيل عدوانها على العرب في صبيحة الخامس من حزيران عام / 1967/  فاحتلت الجولان العربي السوري،  بخيراته وثرواته وغلال أرضه وثمار بساتينه ومياهه ووديانه  وينابيعه. وقد دمرت إسرائيل خلال عدوان حزيران  /1967 /، وما تبعه من سنوات احتلال طويلة كافة مدن الجولان وقراه،  و قتلت خلال عدوان حزيران /340 / مدنيا و اعتقلت /287 / آخرين،  وبدأت رحلة طويلة من الألم والقمع والقهر والاحتلال،  حيث شرعت سلطات الاحتلال بانتهاج سياسة الأرض المحروقة، في محاولة لطمس معالم وتاريخ وهوية المنطقة.  و بدأت إسرائيل بتدمير متعمد للقرى والمزارع والمدن  المحتلة والبالغ عددها أكثر من / 164/ قرية  و/ 146/ مزرعة،  ومدينتي  القنيطره وفيق،  باستثناء خمس قرى وهي مجدل شمس و بقعاثا و عين قنية  و مسعدة والغجر، والتي بقي أهلها بصمودهم خنجرا مز ورعا في صدور الاحتلال،  ليسطروا  صفحة من صفحات المجد و النضال و مقاومة الاحتلال، وليسطروا أسطورة في التشبث بالأرض والهوية و القومية العربية  والتراث العربي السوري. لقد هدمت إسرائيل القرى العربية  عن بكرة أبيها،  باستثناء ما تبقى من أكوام الحجارة البازلتية السوداء وبقايا أشجار السنديان والليمون و الكرمى الباكية، راثية همسات وصوت و أنفاس الأحبة الذين اقتلعتهم إسرائيل وطردتهم، وقد حدثني جدي الراحل و بعض الأهل عن الظروف المأساوية لطردهم من ارض الأباء والأجداد سالبة خيراتهم وحارقة الزرع والضرع والأخضر واليابس من حولهم. وقد أقامت إسرائيل مكان ما هدمته المستعمرات، المستوطنات التي  بلغ عددها حتى الآن /43/ قنبلة موقوتة مزروعة في أحشاء الروح والجسد،  يحيط بها حوالي / 60/ معسكرا لجيش الاحتلال ويدنسها ما يزيد عن / 40/ ألف مستوطن و محتل إسرائيلي يعيثون في الجولان فسادا وتخريبا وتلويثا. وقد  حولت إسرائيل القرى السورية  الأخرى إلى أراضى زراعية يستثمرها سكان المستوطنات،  وأطلقت عليها أسماء عبرية في استنفاذ وتلويث لمصادرها و خيراتها،  وقد حرقت الغابات  واقتلعت الأشجار وزرعت الألغام،  فضلا عن إلقائها مخلفات مصانعها السامة والكيميائية والمشعة،  و نقلها التربة الخصبة إلى المستوطنات الإسرائيلية وتسريبها المخلفات والنفايات الكيماوية من المصانع الإسرائيلية والمشاريع الزراعية والإنتاجية والسياحية, و غير ذلك من الممارسات الإسرائيلية التعسفية و الغاشمة.

و إذا كانت البيئة، وفقا لتعريف مؤتمر استكهولم للبيئة، هي النظام الفيزيائي والبيولوجي الخارجي الذي يحيا فيه الإنسان والكائنات الحية الأخرى، فإنها تمثل أيضا الحيز الجغرافي والطبيعي والاجتماعي والنفسي المحيط بالإنسان،  من هواء وتربة وماء وبشر وكائنات وأشكال أخرى للحياة، وللبيئة السليمة والصحية  التأثير الأكبر في نمو وصحة الأفراد والجماعات، و كذلك في سلوكها و عاداتها وطبائعها،  الأمر الذي يبدو جليا وواضحا من خلال انتماء الأفراد إلى بيئات حياتية مختلفة،  كالصحراء والبادية والبحر وما إلى ذلك، و تأثرهم الواضح بنوع البيئة التي يعيشون فيها. وعلى أية حال، يبقى الاحتلال بكل أشكاله العامل الأكثر تدميرا لبيئة الإنسان واستنفاذا وتخريبا لمصادر الطبيعة وكينونة الإنسان وصيرورة الحياة والوجود برمتها. وهكذا نحن أبناء الجولان العربي السوري المحتل، نعيش خارج رحم الأرض ومسقط الرأس، نستمع بحنين وشوق كبير لذكريات ارض الجولان الحبلى بالخيرات والثروات، حيث كان متوسط عمر الأباء والأجداد هناك سبعون عاما، وسط الهواء العليل والماء النقي الوفير والغذاء الصحي السليم. حديث ما بقي حيا منهم عن الجولان بطبيعتها وسحرها و خيراتها يحملنا معهم إلى شواطئ طبريا لنصطاد السمك الطازج، إلى عناقيد الكرمى وحقول القمح و مناحل العسل ، إلى ينابيع وشلالات وانهار وعيون الجولان، والى أشجار الموز والتفاح و بيارات الليمون و البرتقال، و إلى أشجار الزيتون والسنديان والبلوط، إلى الأرض التي تتعانق فيها في أي فترة زمنية كل فصول السنة، من حرمون الشيخ والشموخ، حيث الارتفاع عن سطح البحر /2814 / متر إلى طبريا الحياة والتصميم، التي تنخفض عن سطح البحر مقدار/ 210/ م، حنينا إليك يا جولان و أرواحنا الساكنة فيك،  مع الأهل الصامدين والمتشبثين بأرضك،  تتألم وترحل إليك مع شروق الشمس ونسيم الهواء وكل قطرة مطر، تمر سنون الاحتلال ثلاثة عقود ونصف والجولان أنين وحنين، يزداد بحجم روايات أبناء الجولان لنا عن أرضنا وقرانا وخيراتنا، و ما أقسى الأنين تحت وطأة المحتلين، الذين استبدلوا كل الأشياء المقدسة الجميلة،  فقهروا الإنسان والطير  والحجر،  ودنسوا الأرض والماء والهواء!

Read more...

 

 

  

يمتد الجولان العربي السوري المحتل على مساحة / 1860 /كيلومترا مربعا، وهو يقع عند الزاوية الجنوبية الغربية من سورية، و يحده من الغرب فلسطين المحتلة،  ومن الشرق وادي الرقاد الذي يصله بمحافظة درعا،  ومن الشمال لبنان،  ومن الجنوب الأردن.  ويقع الجولان  في منطقة الاستقرار الأولى في سورية، و ارتفاع أعلى نقطة في الجولان عن سطح البحر تبلغ /2814/متر في جبل الشيخ،  واخفض نقطة تصل إلى / 116 / م تحت سطح البحر في منطقة الحمة عند بحيرة طبريا. وقد احتلت إسرائيل نحو /1250/  كيلو مترا مربعا منه في عدوان حزيران /1967/ ، ونتيجة حرب تشرين التحريرية عام /1973/ واتفاقية فصل القوات  في العام  /1974/ استعادت سورية نحو /100/ كيلومترا مربعا. و يعتبر الجولان من الناحية الطبيعية امتداد لسفوح جبل الشيخ، الذي سمي كذلك لكثرة الثلوج فيه، حيث يبدو مثل شيخ كبير اشتعل منه الرأس و اللحية شيبا. ويتألف الجولان من هضبة بركانية، تميل نحو الغرب ميلاً واضحاً، وتشرف على وادي الأردن بحافات شديدة الانحدار، يصل ارتفاعها إلى /300 / متر في بعض الأحيان، لاسيما عند سهل الحولة وأطراف بحيرة طبريا، وتنتهي حدوده جنوباً بوادي اليرموك، الذي يفصله عن  الأردن. و يشكل  وادي اليرموك  الحد الفاصل بين الجولان وشرقي الأردن ، ويبلغ عمقه /300 / متر،  عند مصب نهر العلان في نهر اليرموك، ثم يعمق مجراه متجها إلى الغرب.  والاشتقاق اللغوي لكلمة الجولان جاء، وفقا لمصادر متعددة ، من جولان القطعان والماشية في أراضيه نظرا لكثرة المراعي، أو  نسبة إلى أراضيه المرتفعة وفقا لمصادر أخرى. 

و يكتسب الجولان جودة مناخية متميزة، جعلت من تربته الخصبة صالحة لانتاج ثلاثة محاصيل سنويا. ومتوسط الحرارة يزيد في الأجزاء الجنوبية والشرقية عنه في الأجزاء الشمالية والغربية، إذ يبلغ متوسط الحرارة السنوي، مثلاً، في القنيطرة /14.2/  درجة مئوية، ويرتفع في فيق  إلى / 15 / درجة مئوية. و يتأثر الجولان مناخيا بالبحر الأبيض المتوسط، والذي يبعد عنه حوالي / 45 / كيلومترا، و ذلك من خلال وصول التيارات البحرية عبر وادي الأردن وسهول فلسطين الشمالية، وتتوغل فيه حتى تصطدم بمرتفعات الجولان الشرقية، وتسود هذه المنطقة الرياح الغريبة والجنوبية الغربية في الأجزاء الشمالية والوسطى من الجولان، بينما تظهر الرياح الشرقية في الأجزاء الجنوبية،  بسبب انعدام المرتفعات التي تفصلها عن أرض حوران المجاورة. و توجد في الجولان سلسلتان جبليتان،  تمتد الأولى من الشمال الغربي لمدينة القنيطرة إلى الجنوب الشرقي،  وتشتمل عددا من التلال المتقاربة أهمها: / تل الاحمر/  /1187/ مترا عن سطح البحر و / تل الشيخة/1211/م عن سطح البحر،  وتبدأ السلسلة الثانية من جنوب/ القنيطرة/ وتمتد حتى قرية/ الرفيد باتجاه الشمال الغربي إلى الجنوب فالجنوب الشرقي، واهم تلالها / تل بير عجم/1158/ م عن سطح البحر و / تل خنزير/1977/م عن سطح البحر و / تل الفرس/ و / تل علي/ . واهم مرتفعات الجولان جبل الشيخ،  ويسمى أيضا جبل حرمون، و هو يشرف في شماله على وادي القرن،  الذي تمر عبره طريق بيروت دمشق، وفى جنوبه على وادي التيم،  ويبلغ طول الجبل/45/ كيلومتر، وفيه ثلاث قمم الأولى في الشرق /2145/ متر،  والثانية غرب الأولى /2294/متر،  والثالثة هي الأعلى /2814/ متر.

Read more...

 

 

  

 

 اعتبر المؤتمر الدولي لأثار الشرق الأوسط، الذي انعقد في روما بتاريخ 18-23/ 5/1998 /، التنقيبات والمسوحات الأثرية في الجولان،  أعمالا غير شرعية ومخالفة للقوانين، بما فيها أنظمة اليونسكو، التي تمنع التنقيب في المناطق المحتلة واتفاقية / لاهاي/ 1945/ حول حماية  الآثار والأوابد التاريخية والمباني،  فضلا عن عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تؤكد "حق الشعوب والدول بالسيطرة على موارد ثرواتها الباطنية". ولكن سلطات الاحتلال مضت ،غير عابئة كعادتها بالشرعية الدولية، في التنقيب عن الآثار والثروات في الجولان المحتل: ومن جملة الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية نذكر:

التنقيب عن النفط في /زافيتان/ في الجولان ، وفقا لتصريحات /عامي بن باسكال/  سكرتير شركة /حائلي/ الإسرائيلية  للتنقيب عن النفط، والتي قامت بحفر  بئر زافيتان للحصول على فلزات المعادن كالرصاص والحديد  واستغلال الحجارة البازلتية، المتوافرة بكثرة في الجولان، و إنشاء مشروع ضخم لسحق الصخور البازلتية بالقرب من مستعمرة /ميروم جولان/ و استخراج وسرقة اليورانيوم من ينابيع الحمة السورية, و سرقة مئات الجرار الذهبية والكنوز،  وخاصة من كنوز قرية " الصرمال" و أثارها، فضلا عن سرقة ومصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة للسكان السوريين الأصليين الذين طردتهم بعد الاحتلال، و قيام وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك / موشي دايان/ بنهب و سرقة العديد من المعروضات و المكتشفات الأثرية من الجولان المحتل، و التي تباهى في وقت لاحق و تبجح بأنه يقتني أغلى الكنوز و الآثار في العالم، و لا غرابة في ذلك و هو الذي قاد احتلال الأرض و سرقة مواطنيها قبل أثارها.  و قد قامت سلطات الاحتلال بحفر ما يزيد على /310/ موقعا اثريا منها /15/ من العصر الحجري و /12/ من البرونز القديم و /24/ من البرونز الوسيط و /6/ من البرونز القديم و /4/ مواقع من الهللنستي و /98/ من عهد الرومان والبيزنطيين و /92/ من العصور الإسلامية. و لابد هنا من الإشارة إلى التدمير الصهيوني المتعمد و الوحشي لمدينة القنيطرة، والتي باتت تعرف باسم / هيروشيما الشرق الأوسط/، حيث  نسفت البيوت والمساجد والكنائس والأسواق و دمرتها بالديناميت والقاذفات وسرقت الآثار والمراكز الثقافية والمقابر فيها, وتعتبر /القنيطرة / المدينة الرابعة في العالم التي تم تدميرها كليا. و يرافق كل هذه الممارسات الإسرائيلية العدوانية، عمليات  التهديم البيئي المنظم  للمواقع الأثرية في الجولان  والتغييرات و محاولات تزييف التاريخ و الوقائع  في محيط  هذه الآثار و إلحاق الضرر بها. و على أية حال، فقد أكدت الاستكشافات والمسوحات و أعمال التنقيب الأثري غير الشرعية غياب أثار عصر الحديد /1200-400/ قبل الميلاد، و هو العصر الذي تم فيه خروج بني إسرائيل من مصر و انتشارهم في فلسطين أيام النبي موسى،  والعصر الذي أسس فيه داو ود مملكته، /1000/ قبل الميلاد، و هكذا فشلت محاولات الاحتلال الخبيثة لربط تاريخ الجولان بما أسموه ارض /باشان/ و / معكا/ و / جيشور/ المذكورة في العهد القديم، و فشلت فشلا ذريعا بتزوير و تهويد الجولان. ومن الآثار الكثيرة التي نهبتها إسرائيل من أرض الجولان، نذكر نقشا يمثل فهدا، سرقته إسرائيل من موقع قلعة عربية تم بناؤها في عهد المماليك في القرن الثاني عشر، وطول النقش /1و5/ متر وعرضه /70/ سنتمترا، والفهد هو شعار السلطان الظاهر بيبرس الذي حكم من /1260/ ولغاية /1277/ ميلادية.

وكان / بنيامين مازار/  رئيس ما يسمى مجلس الآثار الإسرائيلي صرح في عام /1968/: إن " خريطة مملكة إسرائيل،  الوارد ذكرها في التوراة،  يجري رسمها من جديد على أساس النتائج الحاصلة من عملية رسم الآثار في مناطق جبال يهودا و السامرة و مرتفعات الجولان" ،علما بان الخرائط المنشورة في أطلس إسرائيل، الذي أصدرته وزارة العمل الإسرائيلية عام  /1970 /،  بالاشتراك مع شركة السفيير للنشر في أمستردام، أشارت إلى  انه "لا  توجد في مرتفعات الجولان أو أي مكان أخر من حوران الغربية أو الشرقية أي موقع اثري خلف فيه إسرائيليو الماضي شيئا يدل عليهم".

 

 

 

 

 

 

  

 

 

لقد سكن الإنسان في الجولان منذ عصور قديمة، حيث وجدت أثار تثبت قدم الإنسان في الجولان تعود إلى العصر الحجري منها مثلاً: الآثار البشرية العمرانية التي تعود إلى الفترة الانتقالية بين العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي ( أي إلى ما قبل 7000 سنة ).  وقد وجدت تلك الآثار، وفقا لمصادر الأهل تحت الاحتلال، في مواقع عدة منها: صير الخرفان، شبّه ، الشعبانية ، منطقة الحفاير شرقي بلدة مسعدة وغيرها من المواقع . و شهد الجولان تعاقب العديد من الحضارات عبر فترات مختلفة، ومنها الحضارة العربية الكنعانية، الحضارة العربية الآرامية، والرومانية والحضارة العربية الإسلامية. و يستدل من  أسماء قرى الجولان على الامتداد الحضاري العربي لمنطقة الجولان، و نذكر منها، وفقا لموقع المجدل نت على شبكة الإنترنت، " المجدل"  وكلمة مجدل ، وتعني بالكنعانية أصلا ( البرج ،أو القلعة ) وكذلك كلمة " الحمة " وتعني النبع ، و" فيق " وتعني بالكنعانية القوة والقلعة ، أما اسم جبل الشيخ فقد كان يعرف باسم " الحرمون " أي المقدس بالآرامية لان هذا الجبل كان مقدسا لدى الآراميين ، وما زالت أثارهم قائمة حتى اليوم في منطقة " بير نصوبة " غربي مجدل شمس ، ومن التسميات الآرامية الأخرى : عين قنيا وتعني عين القصب ، وبقعاثا وتعني البقعة المنبسطة من الأرض التي تغمرها المياه الضحلة ، والدلهمية وهي قرية تقع في وسط الجولان وتعني بالآرامية نشل الماء بالدلو ، وقرية زعورة جنوبي عين قنية ، وتعني بالسريانية " الصغير ". وبلدة عين فيت وتقع في الشمال الغربي من عين قنيا وتعني " العين البهية أو الجميلة ". و هناك الكثير من الأماكن التاريخية المتعددة و المنتشرة في  فيق  والعال  و القراعنة  وكفر حارب و مومسية والصرمان وقلعة الُصبيبة ، ومنطقة بانياس وقلعة الحصن المطلة على بحيرة طبريا ، التي بناها الأنباط ، وكانت في الأصل حصنا أراميا واسمه " سوسيتا "  و تعني الحصان.

 وكانت طبرية أهم مدن أطراف الجولان. ولقد ارتبط تاريخ طبرية دائماً بتاريخ منطقة الجولان، في فترة ما قبل الإسلام. وفي العصور الإسلامية صارت طبرية، كسائر منطقة الجولان، إحدى مناطق جند دمشق، وهكذا يتضح أن تاريخ طبرية مرتبط بتاريخ دمشق. وكان هناك طريق خاص يربط دمشق بطبرية يمر بالكسوة فبلدة جاسم فبلدة فيق ثم طبرية، وكانت طبرية من مراكز النشاط الثقافي في بلاد الشام، و قد شهدت ولادة كبار العلماء، و خاصة في مجال الحديث النبوي الشريف. و يشير كتاب الأنساب و غيره إلى العديد من هؤلاء العلماء و خاصة الطبراني، راوي الحديث النبوي الشريف.

و قد أشارت رسائل تل العمارنة إلى الجولان، حيث يذكر المستشرق / ايل/ ان الجيشين المصري و الحثي توصلا، بعد معارك طاحنة إلى معاهدة مصالحة و اتفاق، وردت فيه كحُماة للمعاهدات ،أسماء الآلهة كنسا ، وجبل لبنان ،وسريانا أو حرمون. و قد تم توقيع المعاهدة وفقا للوثائق التاريخية، بين كاتوسيليس الثالث ملك الحثيين، ورمسيس الثاني فرعون مصر، و بموجب المعاهدة أصبح الجولان خاضعاً للحكم الفرعوني حيث أنهت المعاهدة حكم الحثيين للجولان، الأمر الذي مهد لظهور الآشوريين على مسرح الأحداث في القرن التاسع والثامن ق.م  بعد معارك طاحنة  ضد الفراعنة. و كانت منطقة الجولان من المناطق الني سيطر عليها الآراميون في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وكان فيها ممالك آرامية، منها مملكة "آرام صوبة" في البقاع التي امتد نفوذها إلى الجولان. وكانت مملكة بيت رحوب تمتد على مجرى الليطاني الأوسط و معكة تسيطر على منطقة بانياس والجولان وإلى شرقها مملكة جثور الآرامية التي كانت تمتد بين اليرموك وبين دمشق. و أبناء الجولان, وفقا للوثائق التاريخية, قاتلوا ببسالة القبائل اليهودية إبان حكم الملك الارامى/ حزائيل/ وابنه/هدد/ جاعلين من مناطقهم خط المواجهة الأول. وعندما سقطت مملكة دمشق الآرامية بيد الآشوريين (733 ق.م)، أضحت منطقة الجولان  تحت سيطرة الإمبراطورية الكلدانية، من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن السادس ق.م.

وتوالت الصراعات على سوريا ومنطقة الجولان في القرن الخامس ق.م حيث سيطر ملوك الفرس، في عهد الولاية الفارسية الخامسة تحت حكم / كورش/، على كل المنطقة، حتى تم طردهم على يد الاسكندر المقدوني /333 ق م/، الذي حول المنطقة إلى ولاية أطلق عليها ولاية حوران وعوج باتانيا،  وقد حكم السلوقيون سورية من /312/ حتى /64 ق م/،  وقد كان للسلوقيين مراكز كثيرة في الجولان، إلا أن المركز الوحيد الذي بقي محتفظا باسمهم هو قرية سلوقية. واستمر الوضع على حاله حتى قدوم الرومان في القرن الأول ق م. حيث استطاع القائد الروماني  بومبيوس،  وفي عام /64 ق م/ ، أن ينهي المملكة السورية السلوقية وان يجعل سورية كلها تحت الحكم الروماني، وقد قسمت البلاد آنذاك إلى أربع وحدات إدارية: ايتوريا - تراخونيتيد - حوران - وباثانيا. وفي عام /36 ق م/  ألحقت فلسطين ولبنان وإقليم الجولان بعرش ملكة مصر كليوباترا، ولكن هذا العهد لم يطل إلا بضع سنوات، بعد انتصار اوكتافيوس في معركة أكتيوم عام /31 ق م/. وفي عام /23 ق م/ انتزع اوكتافيوس من عبادة الثالث ملك الأنباط،  إقليم حوران وباثانيا وتراخونيتيد.

Read more...

 

 

  

 

تعود الأطماع الصهيونية في الجولان إلى فترة ما قبل مؤتمر بال بسويسرا عام /1897/، حين كشف زعماء الحركة الصهيونية عن أطماعهم بالجولان، و منهم /هوراس كالين/ الصهيوني الأمريكي و لورانس اوليفانت وغيرهم. و كان اوليفانت أعد  كتابا، في عام / 1771/ ،  دعا فيه اليهود إلى استعمار سورية الجنوبية وارفق به خريطة تشمل المنطقة من غزة إلى جبيل ومن بعلبك مرورا بدمشق والجولان وحوران حتى طريق الحج. وقد بدأت الحركة الصهيونية محاولة اغتصاب موطأ قدم لها/ الجولان/ منذ عام/1887/ حين أنجزت إعداد خرائط للجولان و حوران حددت عليها اكثر من مئة موقع من بينها اثنا عشر موقعا اثريا ادعت أنها تضم رموزا يهودية. والحدود التي رسمها ديفيد بن غوريون للدولة اليهودية /1918 / يقول أن هذه الدولة "تضم النقب برمته، ويهودا والسامرة، والجليل، وسنجق حوران، وسنجق الكرك (معان والعقبة)، وجزءاً من سنجق دمشق (أقضية القنيطرة ووادي عنجر وحاصبيا). و كان/ بن غوريون/ قد وجه مذكرة إلى حزب العمال البريطاني عام /1918/ للمطالبة بالسيطرة على هضبة الجولان،  لبسط السيطرة على مياه اليرموك ومنابع نهر الأردن. و رسم هرتزل في روايته بعنوان "الأرض القديمة"،  الصادرة عام /1902 / صورة روائية لإسرائيل الكبرى ذات مساحة جغرافية، اكبر بكثير من مساحة فلسطين المحددة فيما بعد تحت الانتداب البريطاني،  إذ تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الفرات شرقا والى بيروت وجبال لبنان وجبل الشيخ في اتجاه الشمال.  

وجاء في رسالة بعث بها/ حاييم وايزمن/ إلى رئيس الوزراء البريطاني/ لويد جورج/  بتاريخ  /29/12/1919/ إن "المنظمة الصهيونية لن تقبل تحت أي ظروف خط سايكس بيكو، حتى كأساس للتفاوض، لان هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية،  ويقطع منها منابع المياه نهر الأردن والليطانى وحسب، بل يفعل اكثر من ذلك،  انه يحرم الوطن القومي أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها إلى حد كبير نجاح هذا المشروع".  وقد نشرت مجلة " جيوش اوبسيرفر و الشرق الأوسط" في عددها رقم / 64/ تاريخ 16/11/1973 ، نص هذه الرسالة، و ذكرت المجلة ان هذه الرسالة التي وجهها وايزمن نشرت آنذاك أول مرة نقلا عن محفوظات وايزمن في معهد رحوفوت بـ"إسرائيل"، و نظرا لأهمية الرسالة في الكشف عن الأطماع التوسعية و الخبيثة و مخططات التوسع الإسرائيلي، فيما يلي نورد نص هذه الرسالة، وفقا للمصدر المذكور:

" سيدي، في اللحظة التي توشك فيها ان تشترك مع زملائك في المفاوضات النهائية التي ستوقف عليها مصير فلسطين، تود المنظمة الصهيونية ان تتوجه اليك في موضوع يسبب لها اعمق القلق، وهو مسألة حدود فلسطين الشمالية. وضعت المنظمة الصهيونية، منذ البدء، الحد الأدنى من المطاليب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي. ولا داعي إلى القول ان الصهيونيين لن يقبلوا، في أية ظروف، خط سايكس ـ بيكو حتى كأساس للتفاوض. انه لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع منبع المياه الذي يزود الليطاني والأردن فحسب، بل يفعل أيضا اكثر من ذلك كثيرا. انه يحرم الوطن القومي اليهودي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وفي حوران التي يعتمد عليها، إلى حد بعيد، نجاح المشروع بأسره. ان خط سايكس ـ بيكو سيأخذ من الوطن القومي اليهودي عددا من المستوطنات الصهيونية المزدهرة التي سبق تأسيسها، ويسلب قسما كبيرا من قيمة الضمانات التي أعطتها الدول المتحالفة والمشاركة للوطن القومي اليهودي في فلسطين. ان قطع أي جزء حيوي لحياة فلسطين الاقتصادية، من الأرض في الشمال، يؤدي إلى شعور دائم بالمرارة العميقة في قلوب اليهود لا في فلسطين فقط، بل أيضا في أنحاء العالم كافة.

بينما كانت حدود فلسطين التاريخية عرضة للتغيير المستمر تبعا لمصائر "إسرائيل" المتغيرة، كانت حدود فلسطين الطبيعية التوراتية في الشمال تمتد من الصحراء شرقا، على طول سفوح حرمون موطن قبيلة دان الجبلي، إلى جانب الليطاني في الشرق حيث يبدأ الانفصال بين جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية، بسلسلة من الهضاب المرتفعة. وعلى كل حال، لا يمكن اليوم تعيين الحدود على أساس الخطوط التاريخية فقط، ويزيد في ضرورة عدم تقليص ما نطالب به شمالا، ان ما نطالب به شرقا يقف قبل الحد التاريخي تقديرا للشعور الإسلامي المرتبط بسكة حديد الحجاز. ان مقتضيات الحياة الاقتصادية العصرية تتطلب إلحاح ما ندعيه من حقوق في الشمال. ان مستقبل فلسطين الاقتصادي كله يعتمد على موارد مياهها للري والطاقة الكهربائية، وتستمد موارد المياه بصورة رئيسية من منحدرات جبل حرمون، ومن منابع الأردن ونهر الليطاني. ان المهندسين البارزين، السادة دوغلاس فوكس وشركاه، المفوضين من قبل المنظمة الصهيونية، قد أرسلوا مؤخرا إلى فلسطين سير تشارلز متكالف والسيد جون فريمان، فقاما بدراسة دقيقة لإمكاناتها الاقتصادية. ويعطي الكتاب التالي نتائج تقريرهما المتعلقة بهذا الأمر بالذات:

نوجز فيما يلي أسس توصياتنا فيما يتعلق بحد فلسطين الشمالي:

1- ليست فلسطين بلدة ثروة طبيعية كبيرة. وهي لن تصبح مزدهرة ومعمورة،  إلا بأحسن واحكم استعمال لمواردها الطبيعية.

2- يعوق فلسطين، بصورة خطرة، افتقارها إلى الوقود، فلا يوجد فيها فحم حجري، وليس فيها سوى القليل جدا من الحطب، ويحتمل فقط وجود النفط.

3-ستستمد ثروة فلسطين في المستقبل، في الدرجة الاولى، من تربتها ومناخها الملائمين لزراعة الفواكه والمحاصيل الأخرى الثمينة. لكن هذه المحاصيل تتطلب من الماء اكثر مما يوفره المطر الطبيعي. لذلك كان العائق الثاني فلسطين عدم كفاية ما يسقط من مطر.

4-للتعويض عن هذين العائقين، زودت الطبيعة منطقة فلسطين بما يلي:

أ ـ المياه من الأردن للري

ب ـ شلالات الأردن لتوليد الطاقة الكهربائية.

ج ـ مياه جوفية لا يمكن استغلالها كاملة إلا بواسطة (ب).

د ـ مياه الليطاني للري المباشر / أو لتحويلها إلى الأردن لتكملة (أ) و (ب).

هـ ـ وسائل للتخزين في وادي الليطاني.

5-ان (أ) و (ب) و (ج) مطلوبة فورا لأغراض الري والكهرباء.

6-بينما لا حاجة الان إلى (د) و(هـ)، إلا انه يجب ضمان استعمالها للري والكهرباء عند الحاجة، إذا كان لا يراد إلحاق الضرر بمستقبل فلسطين الاقتصادي.

7-لا قيمة لكل من (ج) و (د) و (هـ) للمنطقة التي تقع شمال الحدود المقترحة، ويمكن استغلالها بصورة مفيدة فقط في المنطقة التي تقع بعيدا إلى الجنوب.

8-لهذه الأسباب، نرى من الضروري ان يضم حد فلسطين الشمالي وادي الليطاني إلى مسافة نحو 25 ميلا فوق المنحنى، ومنحدرات جبل حرمون الجنوبية، لضمان السيطرة على منابع الأردن، وإتاحة إعادة تحريج هذه المنطقة.

Read more...

 

Google
Web Site

hafez al assad speech