أيتها الرفيقات،أيها الرفاق،

أحييكم بتحية العروبة في افتتاح أعمال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي ينعقد في ختام دورة حزبية غنية بالعمل والخبرة، بالتحديات والامال، في مرحلة حافلة بالاحداث والتطورات،طبعت الواقع السياسي بطابعها المضطرب، وأرخت بظلالها الثقيلة على الحياة الاجتماعية والثقافية في وطننا ومنطقتنا. الامر الذي وضع القوى السياسية والتنظيمات الشعبية، وفي مقدمتها حزبنا وجماهيرنا،أمام مسؤوليات جسيمة تتجلى في ضرورة مواجهة هذه الاحداث. مواجهة واعية جريئة من جهة، والعمل على استخلاص النتائج والدروس منها من جهة أخرى. ان انعقاد مؤتمر الحزب اليوم، بما يمثله /البعث/ من قوة سياسية واجتماعية لها مكانتها ودورها التاريخي في حياة الوطن، يشكل في هذا السياق محطة هامة في مسيرة عملنا السياسي، نقف فيها لاجراء تقييم موضوعي وواقعي لتطورات الاحداث واتجاهاتها وكيفية التعامل معها. لما حققناه من انجازات في السنوات الماضية، ولما لم نتمكن من تحقيقه خلالها، للصعوبات التي اعترضتنا، والخطوات التي قطعناها، وذلك كمقدمة لتحديد رؤيتنا وتوجهاتنا المستقبلية .

لقد تابعت الاعمال التحضيرية لهذا المؤتمر والحوارات الواسعة التي سبقت انعقاده. كما تابعت الحلقات النقاشية الغنية التي تمت في المرحلة الماضية، وشارك فيها البعثيون على امتداد القطر، والتي تناولت مختلف شؤوننا الفكرية والتنظيمية والسياسية. وكان دافعها الاساسي ايجاد تصور مشترك لدى مختلف كوادر الحزب حول طبيعة مهام الحزب ودوره في المرحلة الراهنة ولاساليبه في أداء هذا الدور، وكذلك لموقع الحزب في حياة الدولة والمجتمع ولاتجاهات التطوير السياسي الراهن، ولموقع نظرياتنا وأفكارنا ومناهجنا منها. كما تابعت العمليات الانتخابية في مؤسسات الحزب المتسلسلة، والتي أفضت الى انتخابكم ممثلين عن مئات الالاف من البعثيين المنتشرين في كل زاوية في وطننا، في كل مدينة وقرية،في كل حي ومنشأة. وقد شعرت بمزيد من الاطمئنان للروح الحزبية المسؤولة التي سادت أجواء هذه الانتخابات، والاندفاع والحماسة في التنافس الانتخابي،والتقاليد التنظيمية العريقة التي تجلت فيها، وروح الانضباط والالتزام التي عبر عنها أعضاء الحزب. كل ذلك مما يؤكد من جديد أن البعث قوة طليعية في حياة الشعب والوطن، وأن بقاءه كذلك رهن بالتزامه بقيم هذا الشعب الاصيل، وبمدى استعداده لتمثلها في أدائه وسلوك أعضائه، وبقدرته على التكيف الخلاق مع التطورات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم في كل المجالات.

وكانت بعض الكتابات والاجتهادات التي سبقت انعقاد المؤتمر مثيرة للاهتمام. حيث تفاوتت في قراءاتها لجدول أعماله ومقرراته وتباينت في تقدير توصياته وفي مدى الامال المعقودة عليه. بل تجاوزت ذلك للحديث عن دور الحزب ومبادئه وأهدافه وموقعه الراهن والمستقبلي في المجتمع. وبغض النظر عن اتفاقنا مع بعض هذه الطروحات أو عدمه، وبغض النظر عن سلبية الطروحات أو ايجابياتها تجاه الحزب وتقديرها لدوره أو تجنيها عليه، فانها جميعا تبرهن سواء صدرت من داخل /سورية/ أو من خارجها،على ان /البعث/ قوة جماهيرية محورية في حياة /سورية/. وأن تطويره اضافة الى كونه حاجة حزبية هو حاجة وطنية كبرى يرتبط بها تطوير مظاهر العمل السياسي المختلفة. وهو يحتاج كي يعطى ثماره  الى تضافر جهود الجميع،.مؤسسات وأفرادا، والى أن يأخذ كل واحد موقعه ودوره في عملية التطوير على قاعدة التلاحم الوطني، انطلاقا من أن تطوير المجتمع واصلاح شؤونه هو حق لكل مواطن وواجب يتحمل مسؤوليته .

لقد شهدت الفترة الفاصلة بين المؤتمر التاسع عام /2000/ وهذا المؤتمر العاشر أحداثا سياسية بالغة الاهمية والتأثير، خلقت مناخا سياسيا ضاغطا على المواطن العريي، دفعته الى أن يعيد امتحان قناعاته وأفكاره بصورة غير مسبوقة، بل يعيد اختبار مسلماته الاولى التي تعرضت للاهتزاز جراء التطورات الدرامية التي عصفت بعالمنا ومنطقتنا. وكان من شأن ذلك أن يؤدي الى خلق حالة من الغموض في الرؤية والاضطراب في المفاهيم وضياع الحدود بين المصطلحات، والى تنازع في القيم والمرجعيات وسط هذا التدفق الهائل للمعطيات والافكار التي هيأتها ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، التي جعلت الفضاء مفتوحا أمام نظريات ومشاريع، بل وأنماط سلوك تجتاح انساننا العربي وتهدده في كيانه وهويته الحضارية وتفسح المجال لمزيد من الشكوك والريبة في أذهان الشباب .

ان /البعث/،كما يفترض أن يكون واضحا في ذهن كل واحد منا،هو قضية قبل أن يكون تنظيما سياسيا، ورسالة حضارية قبل أن يكون حزبا في السلطة. ولابد له كي يدافع عن قضيته ويضطلع بأداء رسالته من أن يطور تعاليمه ومناهجه، وأن يتجاوز ما يظهر من قصور في أدائه. وأن يعمد الى الانفتاح على القوى الوطنية في مجتمعه. وأن يعيد الاعتبار لحركته الريادية في أوساط الجماهير. ان أفكار الحزب وتعاليمه، كما نرى ونعتقد، ما تزال راهنة معاصرة تلبي مصالح الشعب والامة، وتعبر عن توقها للوحدة والتحرر والعدالة والتنمية. وأي قصور في التطبيق، انما يتحمل مسؤوليته الفرد وليس الفكرة أو العقيدة. حيث تمتحن صحة الفكرة أو بطلانها بمدى ملامستها للواقع واستجابتها لمتطلباته. و/البعث/ لم يأت ليبتدع فكرة العروبة في المجتمع، بل انه أتى كنتيجة طبيعية لوجود هذا المجتمع المتشرب لكل عناصر القومية العربية. وهذه القومية التي يتهمها البعض بالشوفينية والعنصرية،هي ذات مضمون انساني حضاري يستوعب كل الثقافات والاعراق والانتماءات الروحية المختلفة،التي شكلت هذا المجتمع عبر الاف السنين. وهي تمثل بالتالي الاساس لاستقرار هذا المجتمع وتطوره. وطالما أن هذا الوجود القومي هو جزء من حقيقة المجتمع، فان دور /البعث/ سيبقى أساسيا  من خلال انطلاقه من هذا الواقع والاستناد اليه، والتعبير عن القوى الاكثر تقدما فيه، واستخلاص المفاهيم والافكار المعبرة عنه في حركيته المستمرة .

 أيتها الرفيقات، أيها الرفاق،

 لقد حققنا خلال السنوات الماضية انجازات هامة لامست مناحي حياتنا الاقتصادية والخدمية، وأدت في مجملها الى تحسين الوضع المعاشي للمواطنين، وان كانت لا تلبي طموحنا. كما قمنا بخطوات هامة في مجال الاصلاح المالي والنقدي وتحسين شروط الاستثمار، وأصدرنا التشريعات اللازمة لتحقيق خطوات متسارعة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، واجهتنا صعوبات عديدة نتيجة لضعف البنية الادارية وعدم كفاية الكوادر المؤهلة، وكثافة المشكلات التي نواجهها وتشابكها نتيجة تراكمها المزمن. يضاف الى ذلك التأثير السلبي للظروف الدولية والاحداث المتلاحقة التي تمر بها منطقتنا على فرص الاستثمار والتنمية التي كنا نأمل أن تتوفر بصورة أفضل. وما يدفعنا للتفاؤل في المرحلة المقبلة هو أن جزءا هاما وأساسيا من التشريعات الضرورية قد تم انجازه. وهذا يشكل قاعدة واسعة يبني عليها في حال تم تحسين الاجراءات وتجاوز المعوقات الذاتية، وذلك بالتوازي مع اختيار الاشخاص الذين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والايمان القوي بالمشروع الوطني. علينا أن نتناول خلال أعمال هذا المؤتمر كافة المحاور والافكار المطروحة بالنقاش والتحليل دون استثناء. وأن نركز خلاله على المقترحات والعناوين التي من شأنها أن تدفع عملية الاصلاح الى الامام، تلبية لحاجات الشرائح الاجتماعية الاوسع في مجتمعنا. كما أن علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا بحيث ننطلق من الملح الى الاقل الحاحا، والوضع الاقتصادي وتطوير الاداء فيه. وتحسين شروط حياة مواطنينا يمثل أولوية بالنسبة لنا جميعا مما يعني ضرورة ايلائه الاهمية التي يستحق من نقاشاتنا. وكذلك الفساد الذي يشكل مشكلة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية تحتاج لاليات مكافحة أكثر نجاعة وحزما. واذا لم يكن من مهام هذا المؤتمر وضع خطط تنفيذية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، أو ايجاد الحلول لمختلف الصعوبات، فان من مهامه تحديد التوجهات العامة للحزب، ووضع الملامح العامة لخياراتنا المستقبلية التي تفتح الابواب على مصراعيها أمام السلطات المعنية للقيام بعملية تطوير واسعة، بعيدا عن القوالب الجاهزة والاطر المسبقة. ان أمامنا لذلك في المرحلة القادمة مسؤوليات كبيرة تجاه مواطنينا الذين يطمحون الى المزيد في اطار تحسين واقعهم المعاشي والخدمي. وهذا لا يتم الا من خلال تحقيق معدلات أعلى من النمو. والطريق الى ذلك يكون بتجاوز حالات الخلل في أدائنا، ومعالجة الظواهر السلبية التي تعيق انطلاقتنا وتكبح مشروعنا الاصلاحي الذي ننهض به. انني أدعوكم، أيها الرفاق، الى ممارسة دوركم بجرأة ومسؤولية من خلال اشارتكم الى مواقع التقصير، اشارتكم الى مواقع الانجاز. وأن تقفوا عند الظواهر السلبية التي نعاني منها وقوفكم عند الظواهر الايجابية التي نتمتع بها. وأن تعبروا من خلال حواراتكم ومقترحاتكم أصدق تعبير عن هموم الناس وتطلعاتهم، اخذين بالاعتبار أن أي قرار أو توصية تؤخذ في هذا المؤتمر يجب أن تعبر عن حاجاتنا الداخلية فقط، بمعزل عن أي اعتبارات تهدف الى دفعنا باتجاهات تناقض مصالحنا الوطنية، أو تسيء الى استقرارنا .

انني على ثقة أن المؤتمر القطري العاشر للحزب، بما سيتضمنه من حوارات وبما سينتج عنه من توصيات، سيكون محطة هامة نحو المستقبل، ومعلما أساسيا في مسيرة الحزب، ضمن اطار تنمية الوطن وتكريس دور الحزب، وتطوير منطلقاته الفكرية وتحديث مشروعه الاجتماعي، وباتجاه تفعيل مؤسساتنا السياسية وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني والمزيد من الانفتاح على القوى الوطنية، بما يعزز مكانة الوطن، ويفسح المجال للجميع للاسهام في بناء مستقبل /سورية/ وتقدمها. أكرر تحياتي لكم أيتها الرفيقات والرفاق أعضاء المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي. تحياتي الى كل بعثي يؤدي واجبه بشرف واخلاص. تحياتي الى جميع الرفاق في أحزاب /الجبهة الوطنية التقدمية/ الذين كان لهم اسهامهم في اغناء الحوارات والنقاشات الفكرية التي سبقت انعقاد هذا المؤتمر. ولا يفوتني أن أرحب بالرفاق الامناء العامين لهذه الاحزاب الذين يسعدنا حضورهم معنا افتتاح مؤتمرنا. وكل التحية الى أبناء شعبنا الابي، مصدر الهامنا واعتزازنا. ومعا كي تبقى /سورية/ قلب العروبة عنوانا لكبرياء الامة.

 

Google
Web Site

hafez al assad speech