أبناء وبنات سورية الكرام، 

أرحب بكم اليوم فى بلدكم الذى يبادلكم الشعور بالسعادة والرضى لحرارة هذا اللقاء، والامل ان يكون فاتحة لقاءات وعلاقة وطيدة بينكم وبين الوطن، لما فيه خيركم وخير أهلكم فى ربوع /سورية/. أرحب بكم اليوم كأبناء بررة لسورية تحملون عبقها عبر التاريخ حيثما توجهتم، وتغرسون قيمها وأخلاقها فتثمر أفعال خير وعطاء وصداقة وسلام. وكأبناء منتمين الى هذه الحضارة العربية العريقة والتى استمرت الاف السنين لانها بنيت على التعايش والمحبة والوئام لا على الفرقة والبغضاء والانقسام. كما أرحب بكم كمواطنين فى بلدان اخرى انتسبتم اليها فأخلصتم لها وأبدعتم فى عطاءاتكم وعملكم ومهنكم. دون ان تروا تناقضا على الاطلاق بين اعتزازكم بجذوركم التى لم تغادركم ووفائكم للبلدان التى قررتم الا تغادروها. وفى هذا المسلك ايضا كنتم اوفياء لقيم /سورية/ التى ترى فى التعايش ميزة وغنى وثروة للجميع وترى فى التفاعل بين الاديان والثقافات والشعوب مصادر خلاقة للطاقة الانسانية والازدهار الحضارى بكافة جوانبه.

 ولعل مبادرتكم اليوم ومشاركتكم فى هذا الموءتمر رغم كثرة انشغالاتكم تأتى تعبيرا عفويا عن ادراككم لاهمية دوركم فى موطنكم الاصلى، وفى الموطن الذى قررتم الانتساب اليه. خاصة ان الحضارة الانسانية بحاجة اليوم لدور فئات من أمثالكم لديها القدرة على استيعاب الابعاد الثقافية والسياسية للمجتمعات المعاصرة نتيجة غنى تكوينها وخبرتها واطلاعها على خبرات وتجارب شعوب متعددة.

 ولم يكن الوصول الى مثل هذا التكوين الذى وصلتم اليه سهلا. فقد دفع ثمنه أجدادكم واباوءكم الذين تحملوا مشقة السفر والم الغربة والحنين الى الوطن كى يضعوكم جميعا على خارطة البلدان التى انتسبتم اليها. ولذلك فمن حقنا وواجبنا جميعا ان نستثمر فى ذلك الارث الذى صنعه لنا الاجداد، وأن نفاخر بما أنجزوا، وأن نبنى على ما أسسوا. خاصة وأنهم كانوا رسل التواصل الانسانى والتفاعل الحضارى. لقد شعرت /سورية/ الضاربة فى التاريخ بأمن وأمان وهى تودع أبناءها، أو وهى تستقبلهم، وذلك لانها رأت نفسها مرة أخرى جزءا بناء فى هذا الكون. واعتبرت مصير الانسانية فى قارب واحد تختلف أشكاله والوانه بين بلد واخر دون أن تختلف عوامل النجاة أو الخطورة فيه. ورغم كل ما تعرضت له من اعتداءات بقيت /سورية/ حاملة للقيم ومضحية فى سبيلها ذلك لانها تعلمت من تجربتها الطويلة التى تمتد الاف السنين. ان النصر هو فى النهاية لارادة الشعوب ولقيم الحق والعدالة التى تجسدها حركة الشعوب دائما . واننا لفخورون جدا اننا حيثما توجهنا نرى ابناء /سورية/ يجسدون هذه القيم ويتمتعون بسمعة طيبة،هى محط اعتزاز لنا جميعا، ويتكيفون فى المجتمعات التى اختاروها،ويشكلون فى كثير من هذه المجتمعات هبة ثمينة لها. حيث لم ينكفئوا على ذواتهم، بل تزاوجوا وتفاعلوا وعبروا عن محبة وتفان تجاه بلدانهم الجديدة،.واعتزازهم بالتراث الحضارى العربى الذى ينتمون اليه. ومن خلال كل ذلك عبر ابناء /سورية/ فى كل مكان عن حقيقة هامة وجلية، وهى انهم ينتمون الى بلد واحد اسمه العالم.

 هذه الصورة التى جسدتموها عبر تاريخ الاغتراب هى صورة مفعمة بالقيم الانسانية وبالاخلاق.وبكل تأكيد فان شعوبا وثقافات كثيرة فى هذا العالم تشاركنا هذه القيم معبرة عن وحدة الحضارة الانسانية، ومبينة ان الصراع لايكون بين حضارة واخرى، بل بين الحضارة واللاحضارة، بين الاخلاق وانعدامها، كما هو بين الخير والشر. ولكن هذه الصورة المشرفة والانسانية، والتى نطمئن لاستمرارها ناصعة، هى صورة مناقضة للظروف الدولية الخطيرة جدا ليس على منطقتنا فحسب،. بل على العالم اجمع، والتى اضحت تهدد الحضارة والتاريخ والقيم والانسان.فصانعو الارهاب وناشروه باتوا ينظرون لمكافحته. والذين يدفعونه عن انفسهم وعن شعوبهم يتهمون به . وهكذا فاننا نعيش اليوم حالة فوضى من المفاهيم الخاطئة والمصطلحات الكاذبة، والتى تزيد الانقسام بين الثقافات وتهيىء للمزيد من الحروب وسفك الدماء. بينما الموءسسات الدولية التى وجدت من اجل خير العالم وارساء العدل والسلام فيه، يجرى تحويلها الى اذرع لقوى كبرى على حساب مصالح الدول الاصغر، ولتكون ادوات للتدخل فى الشوءون الداخلية او الثنائية لتلك الدول، مخالفين بذلك اى مبدأ او منطق او قانون دولى. ومن خلال هذه الصورة كان صدور القرار/ 1559/ عن مجلس الامن، والذى كان مجرد عرض مشروعه امام المجلس مفاجئا للكثيرين. واذا كانت /سورية/ معروفة بدعمها المستمر للامم المتحدة ومنظماتها وبدعوتها لتطبيق قراراتها، فهذا لايعنى الا ننتقد الاخطاء عندما تقع .وخاصة ازدواج المعايير فى التعامل مع هذه القرارات،.او اصدار قرارات خارج اختصاص الجهة التى اصدرتها، او مخالفة لميثاق الامم المتحدة نفسه. ومنها هذا القرار الاخير الذى صور وكأنه اتى لحماية استقلال /لبنان/ عل خلفية خرق للدستور اللبنانى!،هكذا صور، وفى الواقع فان لاعلاقة للقرار بكلا النقطتين بالمطلق. ولم يأت كما اعتقد البعض نتيجة للتمديد للرئيس /لحود/، فالقرار بمضمونه كان جاهزا قبل فترة ليست بقصيرة وهو يهدف للوصول الى غايات اخرى بعيدة كل البعد عما تم طرحه كأقنعة للتمويه على الغايات الحقيقية. وفى مقدمتها تدويل الوضع الداخلى اللبنانى، وما يعنيه ذلك من عودة /لبنان/ الى اجواء الثمانينيات، واستهداف طبيعة العلاقة القائمة بين /سورية/ و/لبنان/ والمبنية على تمازج المجتمعين، وعلى روابط التاريخ والجغرافيا، والتى استعصت على التحديات، بفضل التلاحم بين الشعبين والتضحيات المشتركة التى قدماها فى مراحل مختلفة .

  فى الاسابيع القليلة الماضية التى ترافقت مع صدور القرار وبعده كان هناك الكثير من الاسئلة والتساوءلات التى مازالت موجودة حول ظروف صدور القرار والاهداف فيه وكيف تعاملنا معه ، وماهى خطط الدول التى كانت خلف هذا القرار وكثير من الناس بسط هذا الموضوع، وكأن القضية المطروحة هى اما ان لا يمدد او ان يصدر القرار. الحقيقة هذه الصورة غير واقعية على الاطلاق. والوضع ليس بهذه الصورة. ولو نظرنا لمضمون القرار فحتى القرار الحالى. وانا لا أتحدث عن المشروع الاصلى .نرى بأن لاعلاقة لبنود القرار بموضوع التمديد او بالاستحقاق الرئاسى . اعطى مثالا بسيطا ، البند المتعلق بالميليشيات، وان كان فى القرار الاصلى فى المشروع الاصلى يتحدث عن /حزب الله/ او المقاومة . ماعلاقة هذا البند بالتمديد؟. بسط سلطة الجيش اللبنانى او ما يتعلق ببسط سيطرة الدولة اللبنانية على الأراضي اللبنانية، ماعلاقة هذا البند بموضوع التمديد؟ . فى الواقع كنا قد بدأنا نسمع . كانت تردنا معلومات قبل هذا القرار بعدة اشهر، بأن هناك شيئا ما يحضر فى /مجلس الامن/ ضد /سورية/ و/لبنان/. اعتقدنا فى البداية انها مجرد اشاعات . تعودنا ان نستقصى الحقائق . لم نصل الى معلومات واضحة، واعتقدنا بأنها اشاعات . لاحقا اتى موضوع الاستحقاق الرئاسى واعلنت /سورية/ بأنها لن تتدخل فى هذا الاستحقاق. واعلنت انا هذا الشىء فى احدى المقابلات الصحفية . وقمنا لاحقا بابلاغ العديد من المسوءولين اللبنانيين . بهذا الموقف . طبعا فى مقدمتهم الرئيس اللبنانى /اميل لحود/كونه المعنى مباشرة بهذا الطرح . وفوجئنا لاحقا بأن الهجوم استمر على التمديد، وعلى الرئيس/لحود/، ومن ثم على /سورية/، واستمر العمل فى /مجلس الامن/ لاصدار قرار ما ضد/ سورية/ .

 مع الوقت توضحت التفاصيل والنقاط، وهى كثيرة، وتوضح اهم شىء، وهو ان الاستحقاق الرئاسى هو مجرد عنوان لهذا القرار، ولا علاقة ابدا لمضمون القرار ولاهداف القرار بالموضوع الرئاسى. وانا اقول الان الاستحقاق الرئاسى ولا اقول التمديد . الاستحقاق الرئاسى اما ان يكون تمديدا او ان يكون تبديلا فى شهر تشرين الثانى، الشهر المقبل. وبالتالى كان هناك مخطط او سيناريو لمرحلتين: المرحلة الاولى، مرحلة التمديد انخفض، وهو الاحتمال الاضعف بالنسبة لهم فى ذلك الوقت. او فى حال وصل /لبنان/ للاستحقاق الرئاسى فى الشهر القادم، فأيضا كان هناك ضمن نفس الاطار، اما قرار او تفاصيل اخرى سيتم العمل بها لنفس الهدف . التفاصيل كثيرة والتساوءلات لديكم كثيرة . اليوم سأتحدث بالعناوين فقط وافند بعض النقاط . اما التفاصيل فعندما يحين الوقت المناسب سنشرحها للمواطنين وللجميع ، فى الوقت المناسبة وبالطريقة المناسبة. ولكن لو عدنا فان هذه الطروحات التى طرحت تحدث عن خرق الدستور. كيف يكون هناك خرق للدستور اذا كان الدستور فى كل العالم يعدل. وفى كل وربما  فى معظم الدساتير فى العالم  هناك بنود تحدد الية تعديل الدستور فكيف يكون هناك خرق للدستور. لايمكن ان نقتنع بأنهم لايعرفون ابسط مبادىء القانون فى العالم . تحدثوا فى خطابات علنية احيانا بأنهم ضد التمديد، اذا كانوا ضد التمديد كمبدأ، فلماذا وافقت نفس الدول ونفس الاشخاص على التمديد فى عام /1995/، بينما هم الان يعارضونه فى عام /2004/ ظ بالرغم من ان البند هو نفس البند تماما حرفيا! فاذا القضية ليست مبدأ . لو كانت مبدأ لما تغير الموقف خلال تسعة اعوام. اما اذا كانت القضية قضية شخص، اى شخص الرئيس فهذا يعنى تدخلا سافرا فى الشوءون الداخلية اللبنانية. وهم يتحدثون عن هدفهم او احد أهدافهم وهو حماية /لبنان/ من التدخل الخارجى كما يدعون. واذا كانوا ضد شخص او ضد مبدأ فكلاهما تدخل سافر فى الشوءون اللبنانية .

 تحدثوا عن الحرص على /لبنان/! وان كل مايحصل هو حرص على /لبنان/، والسوءال الذى يطرح نفسه،ماذا قدمت كل هذه القوى للبنان خلال العقود الماضية؟ عندما كان يمر بأزمة وازمات. أذكر هنا شيئين قدمته الدول الغربية ، فى عام /1975/ احدى الدول قدمت باخرة للمسيحيين لكى يهاجروا من /لبنان/. وفى عام /1990/ احدى الدول قدمت حاملة طائرات لكى تدعم مجموعة متمردة على الشرعية اللبنانية. هذا ماقدموه!.وبالتالى يحق لنا ان نتساءل اين كان كل هذا الحرص فى بدايات الحرب الاهلية عندما دخلت /سورية/ فى عام /1976/ لانقاذ المسيحيين اللبنانيين. فى ذلك الوقت الذين كانوا يذبحون! وكانت المذبحة او المجزرة على وشك ان تنتهى خلال اسبوعين باسم اصلاح النظام السياسى والعدالة والاشتراكية والتقدمية. اين كانوا فى ذلك الوقت؟ تخيلوا كيف كان اصلاح النظام السياسى يتطلب ذبح نصف المجتمع! فلو ارادوا ان يصلحوا كل المجتع من يبقى من المجتمع! لن يبقى احد! سيكون اصلاحا من دون شعب فى ذلك الوقت. وفى ذلك الوقت طلب من الرئيس / حافظ الأسد / ان يوءجل دخول، او ان يوءخر استكمال دخول القوات السورية الى /لبنان/ لمدة اسبوعين فقط كى تتم المهمة! وطبعا رفض. أقول طلب منه، باللغة العربية أقول طلب فعل مبنى للمجهول لفاعل مجهول، اما فى اللغة الدبلوماسية فهى لفاعل معلوم .ايضا نمر على ازمات اخرى، اين كانوا فى عام /1982/ خلال الاجتياح الإسرائيلى للبنان، عندما كان الالاف من اللبنانيين يقتلون والفلسطينيون كذلك. خسرت /سورية/ فى ذلك الوقت خلال اسابيع قليلة الالاف من الشهداء، فى اسابيع وليس فى اشهر . كانوا ربما يستنكرون من البعيد، و البعض من الاخوة اللبنانيين من نمور اليوم، كان يرش الرز على الإسرائيليين! أين كانوا فترة الاحتلال الإسرائيلى من عام /1987/ حتى انسحاب /إسرائيل/ من معظم الأراضي اللبنانية فى عام /2000/؟ لم يكونوا موجودين، فجأة ظهر الحرص على /لبنان/ وعلى استقلاليته وعلى الديمقراطية، وعلى كل شى اخر. تحدثوا عن الهيمنة السورية، عندما تريد دولة ان تهيمن فلا بد ان يكون لديها اهداف معلنة او غير معلنة. لماذا تهيمن /سورية/ على /لبنان/؟ هل طلبنا مالا؟ هل هناك ثروات باطنية؟ هل هناك نفط نريده؟ هل اخذنا كهرباء؟ هل اخذنا ماء؟ لم نأذخ شيئا من /لبنان/. نحن قدمنا دما . اذا كنا نريد ان نهيمن، لماذا نسحب قواتنا على مراحل منذ حوالى خمس سنوات وحتى الانسحاب الاخير. لماذا نهيمن على /لبنان/، اذا كانت الهيمنة هى اضعاف للبنان. و/لبنان/ الضعيف هو ضرر لسورية. و/سورية/ ضعيفة طبعا هى ضرر للبنان. فبأى منطق نهيمن على /لبنان/. ليس لنا مصلحة بهذا الشىء . وبالاخير نتساءل تساوءلا بسيطا ماهو الهدف من هذا القرار؟ الى اين يذهبون بالمنطقة بمثل هذه القرارات، بمعزل عن الاهداف الحقيقية او الوهمية.،المنطقة كانت على حافة البركان. ولكنا الان اصبحنا فى /الشرق الاوسط/ فى قلب البركان. ونسبيا اقول نسبيا /سورية/ و/لبنان/ هم الدول الاكثر استقرارا فى منطقة /الشرق الاوسط/. بالرغم من كل هذه الظروف. هل يريدون ان يلقوا بكل المنطقة بدون استثناء فى قلب الحمم داخل البركان؟ الم نتعلم من /11/ ايلول؟ الم نتعلم من حرب /العراق/؟ الم يتعلم العالم؟ نحن تعلمنا منذ عقود الكثير من الدروس. لكن الاخرين الم يتعلموا بأن الحمم، بأن البركان عندما ينفجر فان هذه الحمم ستصيب الدول القريبة والبعيدة الكبيرة والصغيرة،  القوية والضعيفة؟ أعتقد ان الوقت قد حان لان نتعلم هذه الدروس.

 

Google
Web Site

hafez al assad speech