الأخ السيد /مهاتير محمد/ رئيس وزراء /ماليزيا/، رئيس المؤتمر‏،

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،‏

 شهدت المرحلة الفاصلة بين انعقاد قمة المؤتمر الإسلامي الأخيرة في /الدوحة/ وبين قمتنا اليوم في /كوالالمبور/، تبدلات جذرية على الساحة الدولية كان لها منعكسات حادة على دولنا وشعوبنا بشكل خاص.‏ هذه التبدلات التي لا تنفصل عن اختلال التوازن الدولي الذي ظهر بداية العقد الماضي، من حيث كونها نتيجة مباشرة له، والتي لو قدر لها أن تحدث خلال ذلك العقد لكان من الصعب على أصحابها تبريرها. لكن صانعي تلك الأحداث وجدوا ضالتهم في اعتداءات الحادي عشر من أيلول التي حصلت في /الولايات المتحدة/، والتي أعطت الفرصة والذريعة لمجموعة من المتعصبين وذوي النوايا الخبيثة للانقضاض على القيم والمبادىء الإنسانية التي تكرست خلال آلاف السنين، وبصورة خاصة مع نزول الديانات السماوية، حيث كشفوا عن رؤيتهم المتوحشة للمجتمع الإنساني وبدؤوا يسوّقون مبدأ القوة بدل الحوار والظلم بدل العدل والعنصرية بدلاً من التسامح، وشرع هؤلاء باختراع عدو وهمي وقبيح لأنفسهم، أطلقوا عليه تسمية «الإسلام »وألبسوه لبوس الإسلام والإسلام منه براء . وأضافوا لمعاجمنا مصطلحاً جديدا ًلم نكن نسمع به عبر التاريخ هو مصطلح « الإرهاب الإسلامي»، وذلك للربط بين الإرهاب والإسلام، والإيحاء لمن لايعرف حقيقة /الإسلام/ في هذا العالم، أن الإرهاب ملازم للإسلام، أو هو ركن أساسي من أركانه. ولم تنفع مع هؤلاء كل الاستنكارات والإدانات التي صدرت عن دول العالم بما فيها دولنا الإسلامية، ولم يقيموا وزناً لكل ماقمنا به من جهود وماعبّرنا عنه من مواقف من أجل تبرئة الإسلام من هذه الأعمال ومن أي عمل إرهابي آخر.ولم يقبلوا كذلك أية فكرة يمكن أن تبرهن على أن الإسلام هو دين السلام والعدل والمحبة. كل ذلك لايعني أن كلامنا غير مقنع أو أن منطقنا ضعيف، ولايعني في الوقت نفسه أنهم لايفهمون مانقول أو أنهم لايعرفونه، بل على العكس تماماً، هم يعرفون كما نعرف كل تلك الحقائق لكنهم يتجاهلون عن قصد، بل عن سبق إصرار، إذ ليست مواقفهم صادرة عن رد فعل على ماحدث كما يتخيل البعض، بل هي جزء من مخطط مدروس، أهدافه محددة بعناية، فحواه أنهم بحاجة إلى أعداء وحلفاء يتبدلون أو تتبدل أدوارهم بتبدل الظروف وبالشكل الذي يخدم الأهداف التي تم وضعها. فالإسلام يكون مقدساً أو لايكون، حسب الحاجة، وحسب انسجامه مع تصوراتهم .‏

 فلقد كان الإسلام مقدسا ًفي الثمانينات ودعموه ، بحسب زعمهم، لأنه كان يحارب عدوا ًمفترضا ًاسمه الشيوعية، أما اليوم، وبحسب زعمهم أيضا، فهم يكافحون الإرهاب وبخاصة الإسلامي. ولو دققنا في الوقائع والحقائق وأعدنا المقارنة بين المرحلتين لوجدنا أنهم كانوا في الثمانينات يدعمون التطرف الإسلامي وليس الإسلام، أما اليوم فهم يحاربون الإسلام لا التطرف الإسلامي ولا الإرهاب بمسمياته المختلفة . هذا يعني في المضمون أن الإسلام في كلا الحالتين والمرحلتين كان مستهدفاً .‏ هكذا هي الحقائق، في زماننا الحالي، مقلوبة أو متعسفة أو اختيارية. ولو تساءلنا لماذا يحارب هؤلاء المتعصبون الإسلام وهو دين العدل والمحبة والتسامح؟ لكان الجواب البديهي: لأن الإسلام الحقيقي هو الذي يمنع التطرف، لأنه دين الاعتدال، من دون التنازل عن الكرامة. وهؤلاء المتعصبون يتمنون ويعملون عكس مايعلنون، من انتهاك للسيادة، والحصار الاقتصادي، إلى الاجتياح الثقافي، والتمويل السري لبعض الهيئات لاستمرار واتساع التطرف الإسلامي، أو أي تطرف آخر،لأنه المعادل الموضوعي لتطرفهم ، والمبرر الأكيد لبقائهم في مواقع السيطرة في مناطق عديدة في هذا العالم . فالتطرف يعيش على تطرف مقابل وهو يضمحل في بيئة الاعتدال .‏

لذلك فإن من واجبنا ، كدول وشعوب إسلامية، بذل جهود جدية تهدف إلى تحقيق حالة من التنوير الحقيقي في مجتمعاتنا، يعزز الفهم المنفتح لتراثنا الديني ويدعم ثقافة الاعتدال والتسامح في مواجهة ثقافة التزمت والسلبية. كما أن علينا أن نكرس ونعزز الدين الإسلامي الصحيح عقيدة وسلوكاً، ففيه تحصين للإسلام والمسلمين وإضعاف لأعدائهم، وهذا يبدأ بمكافحة وتجنب كل الممارسات الشاذة الناجمة عن فهم خاطىء للدين والتي تسيء إليه بشكل مباشر وتعطي الآخرين من أصحاب النوايا السيئة الحجة والمبرر لوصف الإسلام بشتى الصفات السلبية واللاإنسانية.وإن كنا نرفض وبقوة كل المحاولات التي تجعل من صفة الإرهاب خاصة بالدين الإسلامي، فإننا نرفض وبنفس القوة كل محاولة لربط الممارسات الخاطئة لبعض الأفراد بديانة أو حضارة معينة.‏ كما أن هنالك ضرورة ملحة للقيام بخطوات تنسيقية بين الدول الإسلامية لشرح المضامين الخيّرة للرسالة الإسلامية في كافة المواقع والساحات المحلية أو الدولية، والتصدي لمحاولات التشويه المتعمدة التي تقوم بها بعض المؤسسات والمراكز والمعاهد في الغرب . فالخطر علينا لايأتي من حرب عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل من حرب ثقافية يجب التنبه إليها أولاً، فهي الأخطر لأنها قد تؤدي إلى تشويه هويتنا أو إلى إلغائها، وهذا يعني أن مكافحتنا لهذه المظاهر والممارسات التي تتم باسم الإسلام، هي مكافحة ثقافية فكرية تربوية واقتصادية في جوهرها، قبل أن تكون أمنية أو عسكرية. وهذا الأمر لايمكن تحقيقه دون تنسيق وتعاون بين دولنا وشعوبنا. فالتعاون ينتج حواراً والحوار هو نقيض الانغلاق، والانغلاق مرتبط بالجهل . أما الجانب الآخر لهذا التعاون، فهو جانب التعاون الاقتصادي فيما بيننا والذي سيحقق دون أدنى شك ازدهاراً ينعكس على الجميع ، ولايخفى على أحد دور العامل الاقتصادي في تيسير حياة الناس ومحاربة الجهل ومايرتبط به من ظواهر مرفوضة .‏

 ونحن نتحدث عن الحرب التي تشن اليوم ضد الإسلام، علينا ألا ننسى أن هناك قوى مختلفة في العالم عملت بشكل منهجي ومنظم على تغذية هذه الحرب، وفي مقدمة هذه القوى /إسرائيل/، دولة الإرهاب التي قامت عليه واستمرت به ومارست أبشع أنواعه ضد العرب، مسلمين ومسيحيين، من حريق المسجد الأقصى عام /1969/، مروراً بالاعتداءات المتكررة عليه، انتهاء بحصار كنيسة المهد في /بيت لحم/ ، واغتيال من احتموا بها من المدنيين الأبرياء . هذا الاضطهاد الذي تمارسه /إسرائيل/ ضد أبناء الشعب الفلسطيني عبر العقود الماضية، والذي يزداد شدة ووحشية بشكل مطرد كان لابد له، وكنتيجة طبيعية، أن ينتج رد فعل فلسطينياً تجلى بالمقاومة الفلسطينية والتي تعتبر حقا ًطبيعيا ًوعملا ًمشروعاً ،وتدخل ضمن إطار الدفاع عن النفس الذي أقرّه ميثاق /الأمم المتحدة/، ولا تشكل بأي حال من الأحوال اعتداء على الآخرين، كما يحاول الإسرائيليون وبعض أبواقهم في الغرب تصويرها. وأبسط دليل على ذلك أن أكثر من /100/ شهيد فلسطيني سقطوا قبل أن تحصل أية عملية مقاومة، وذلك بعد اندلاع الانتفاضة في أيلول عام /2000/، وبالرغم من ذلك فإن دولة الإرهاب تصر على إتهام المقاومين الفلسطينيين بالإرهاب . ومع إدانتنا الدائمة والمستمرة للإرهاب ونبذنا للعنف، فإننا نؤكد حق أي شعب احتُلَّت أرضه وتعرض للعدوان بمقاومة الاحتلال والعدوان بكل أشكاله، كما نؤكد على أنه دون البحث عن الأسباب الكامنة وراء ما يحصل من أحداث مؤلمة في منطقة /الشرق الأوسط/ بشكل عام وفي /فلسطين/ بشكل خاص . تبقى الاستنكارات والإدانات عاجزة عن التأثير في زيادة وتيرة الجرائم الإسرائيلية أو في منع الرد المشروع للمقاومة ،ولاتكون حينئذ أكثر من مضيعة لوقت كلنا بحاجة إليه.‏

  إننا ننادي بالسلام العادل والشامل في منطقتنا ونعمل من أجل تحقيقه وفقاً لما تقتضيه مقررات الشرعية الدولية، التي تقضي بانسحاب /إسرائيل/ من الأراضي العربية المحتلة عام /1967/ وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها /القدس/، واستكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية.‏ وكانت المبادرة العربية التي أقرتها قمة /بيروت/ تعبيراً عن رغبتنا الصادقة بالسلام، وسعينا لكي تنعم منطقتنا بالأمن والازدهار، إلا أن /إسرائيل/ تنكرت لهذه المبادرة، وقامت بتصعيد قمعها لشعبنا الفلسطيني وإمعانها في السياسة الاستيطانية وعدوانها على الدول العربية المجاورة لها. وعملت على تدجيج ترسانتها بالأسلحة النووية التي تتخذ منها أداة لتكريس هيمنتها وعدوانها وغطرستها .‏ وكانت /سورية/ قد تقدمت من خلال عضويتها في /مجلس الأمن/ بمشروع قرار لجعل منطقة /الشرق الأوسط/ خالية من أسلحة الدمار الشامل، ولكن، وبمفارقة مثيرة للدهشة، فإن بعض الدول التي أثارت موضوع امتلاك بعض الدول العربية والإسلامية لأسلحة الدمار الشامل قبل ذلك مباشرة، قامت برفض هذا المشروع رفضاً قاطعاً .‏ ولقد أثبتت التجارب، لاسيما الحديثة منها، أن القوة العسكرية لايمكن أن تشكل بديلاً عن السياسة، والأهم من ذلك أنها لايمكن أن تحل محل العقل، بل هي بحاجة للمزيد منه، فعلى الإسرائيليين أن يستوعبوا ذلك، وأن يعرفوا أنه مهما كبرت قوتهم العسكرية فلن يفلحوا في تحقيق أهدافهم، ولن يتمكنوا من زرع الخوف في نفوسنا .‏

 وبما أن العنوان المستخدم كغطاء للهيمنة هو الحرب على الإرهاب ، فإن الضحية الأخرى لهذا العنوان كان /العراق/، والذي وقف المجتمع الدولي بمعظم دوله، حكومات وشعوباً، ضد غزوه منذ ظهور النذر الأولى للحرب قبل حوالي أكثر من عام خوفاً من نتائج هذه الحرب على /العراق/ وعلى العالم، ورفضاً لمبرراتها غير المقنعة. ورفض البعض من دعاة الحرب داخل الإدارة الأمريكية نصائح العالم ومخاوف بعض العاقلين في الإدارة نفسها وفي /الولايات المتحدة/ على وجه العموم، وخلال زمن قصير رؤوا بأعينهم أن الحرب لم تحقق شيئاً من طموحاتهم سوى تدمير /العراق/، وأن حرباً جديدة أشد وطأة بدؤوا يخوضونها. واكتشف العالم أن حرب «تحرير العراق» قد حررت المواطن العراقي من الدولة ومن المؤسسات ومن السيادة ومن الكرامة ومن الطعام والماء والكهرباء.‏  فلقد أصبح المواطن العراقي «محرراً» من نعمة الحياة، واكتشف الجميع دون استثناء أن الذرائع التي دفعت إلى الحرب كانت تفتقد الصدقية، وهذا ما تم تأكيده على لسان الخبراء من لجان التفتيش التي أرسلت إلى /العراق/ للبحث عن أسلحة التدمير الشامل، ولم يجدوا أي أثر على وجودها، وفي المحصلة يدفع العراقيون الثمن معاناة قاسية من سوء الأحوال المعاشية وافتقاد الخدمات الأساسية والشعور بالإحباط والمهانة جراء ممارسات الاحتلال. ومن الطبيعي أننا كبلد جار للعراق وتربطنا به علاقات تاريخية من الأخوّة، أن نكون في مقدمة من يتأثر لما يجري فيه وأن نكون معنيين بحاضره ومستقبله . لذلك نؤكد حرصنا على أن يستعيد /العراق/ سيادته واستقلاله وحريته بأقصى سرعة وأن يسترد دوره الذي يليق بمكانته. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال انسحاب قوات الاحتلال وفقاً لجدول زمني محدد يترافق مع انتخاب حكومة وطنية تعبر عن خيار الشعب العراقي بكل شرائحه، وأن يكون للأمم المتحدة دور فاعل في المساعدة على إدارة شؤونه وإعماره بالشكل الذي يحدده العراقيون أنفسهم وليس نيابة عنهم.‏

 

‏ السيد رئيس المؤتمر،‏

أيها الإخوة،‏

 إننا ننظر إلى الآثار المحتملة لكل ماذكرناه من تحديات متداخلة على الشباب المسلم الذي يتطلع إلى تحقيق تطور اجتماعي واقتصادي يعزز مكانته ويفسح له دوراً في المجتمع المعاصر، ننظر إلى إحباطاته وآلامه وهو يرى أرضه محتلة وكرامته مستلبة، أو يرى سمة الإرهاب لصيقة به ويلمس بصورة مباشرة انحياز السياسة التي تتبعها بعض القوى الكبرى فيما يخص حقوقه، ويجد نفسه ضحية الحملات المضللة المغرضة لتجاهل مشكلاته وتطلعاته ، ونقدر كم علينا من الواجبات من أجل تحصينه من الوقوع ضحية الفكر المتطرف والسياسات المتهورة التي يتبعها أعداء السلام في العالم .‏ومنظمتنا هى إحدى العناوين الأساسية للصلات التي تربط بين بلداننا وشعوبنا . وحري بنا أن ندفع بهذه المنظمة قدماً إلى الأمام، وأن تكون الإطار الفاعل الذي نناقش فيه شؤوننا .‏والشيء الطبيعي أن نعمل على تدعيم علاقاتنا من خلال التنسيق والتشاور وتشجيع التبادل التجاري والثقافي والنشاطات المشتركة وتبادل الخبرات . فالمخاطر التي نواجهها متشابهة إلى حد بعيد . ولايمكن لأي بلد مهما كان حجمه وإمكاناته، القيام بمواجهة هذه التحديات المطروحة بمفرده .‏إن إعداد برامج مشتركة من النشاطات الثقافية والسياسية الهادفة لتحديد المفاهيم المطروحة التي يروج لها البعض بقصد أو بغير قصد، والتي تستهدف ثقافتنا وحضارتنا، أمر في غاية الأهمية، ولعل في مقدمة تلك المفاهيم المهمة التي تستخدم لتبرير الحروب والتدخل في شؤون الآخرين، هو مفهوم الإرهاب الذي أصبح يطلق جزافاً، بغض الطرف عن الممارسات الإرهابية لبعض الدول وفي مقدمتها /إسرائيل/.‏ وفي الختام فإنني أدعو إلى مزيد من اللقاء والحوار من أجل الوصول إلى بناء تصورات مشتركة لمشكلاتنا وتحدياتنا، كمقدمة لإقامة تضامن فعلي بين بلداننا، وأعبّر عن استعدادنا في /سورية/ وحماسنا للإسهام في وضع البرامج المناسبة. وأتمنى لمؤتمرنا النجاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏