السيد رئيس /مجلس الشعب‏/، ‏

السيدات والسادة اعضاء المجلس‏، ‏

السادة الحضور‏، ‏

 لا يسعني ونحن نفتتح أعمال الدور التشريعي الثامن لمجلسكم الكريم، الا ان ازجي اليكم تهنئتي القلبية على الثقة الغالية التي أولاكم اياها المواطنون من مختلف شرائحهم الاجتماعية لتكونوا ممثلين حقيقيين لهم، أمناء على مصالحهم وعلى مصلحة الوطن ومستقبله ومصيره. كما يسعدني ان اهنئكم بالذكرى الأربعين لثورة الثامن من آذار المجيدة التي انبعثت منها /الحركة التصحيحية/ المباركة، التي وعدت فوفت فكان انعقاد اول مجلس للشعب منذ نحو اثنين وثلاثين عاما تتالت بعده الادوار التشريعية بصورة منتظمة، مجسدة وبشكل عملي الديمقراطية المنبثقة من تراثنا والمتلائمة مع ظروفنا، فانجزت الادوار السبعة الماضية أعمالا واسعة في مجال التشريع والرقابة، وأقرت الكثير من القوانين التي حققنا بها نهضة كبيرة على الصعد كافة.‏ ‏

 وبغضّ النظر عن أي تعريف اكاديمي أو علمي لمعنى الثورة، كالتغيير الجذري لشيء ما، أو التحول الكلي في مجرى التاريخ، فإن الثورة الفعلية ،بالنسبة لي، هي الواقع المستمر الذي يلي ذلك التغيير الجذري. وهي حالة متواصلة من التطور والتقدم نحو الافضل. فالثورة الصناعية مثلا لم تنحصر بيوم أو ايام أو بضع سنوات. وكذلك الثورة الرقمية التي ظهرت في الثمانينات، والتي ماتزال مستمرة حتى يومنا هذا وبزخم كبير. فالاحتفال بيوم محدد هو رمز لهذا التغيير ولكن التطور والتقدم هما استمرار لذلك اليوم. ‏ وبما ان حاضرنا هو استمرار لماضينا، فإن التطور الذي نسعى إليه اليوم هو نتيجة أو استكمال لما هدفت اليه الثورة في ذلك الحين. وهو التطوير بأوسع معانيه، والذي ينطلق من ظروف تلك الفترة والذي يستمر اليوم بمعطيات تتناسب مع الحاضر وبنظرة ترنو إلى المستقبل. وهذا يعني ان العمل بمنهج ثورة الثامن من آذار لا يعني العمل بظروف ومعطيات ذلك اليوم، وإلا كان هذا يعني جمودا وما يعنيه الجمود في المكان من تراجع أو تخلف، ولكن لا يعني بنفس الوقت نسف كل ما تحقق بحجة التقدم، بل البناء على ما تقدم مع ادراك الظروف الراهنة والمستجدة. وخلاصة كلامي ان الاحتفال الدوري بمناسبة ما، هو احتفال بالنسخة المنقحة والمتجددة للحدث الاصلي.‏ والتنقيح والتجدد هما اساس النضوج، وبالتالي فإن النضوج والتطوير عاملان متلازمان في مسيرة التنمية. اي ان اليوم هو اليوم، وغدا هو غدا. وإذا احتفلنا غدا بأمس لا يعني ان نعيش على اليوم، بل ان نحتفل بالاشياء التي تم انجازها بين اليوم والغد، لكن بمنهج اليوم.‏ ‏

 

أيها الاخوة:‏ ‏

 ان الثقة التي منحها لكم المواطنون هي تجسيد لآمالهم المعقودة على جهودكم وعلى صدق تمثيلكم وقدرتكم على التعبير عن واقع حال الوطن والمواطن. وذلك اثر انتخابات توفر فيها ما نحرص على توفره من حرية في الاختيار، من منافسة شريفة ومن مناخ عام يتسم بالوعي والاحساس العالي من قبل المواطنين السوريين بالمسؤولية.‏ ‏وربما يكون الاحساس بالمسؤولية بحد ذاته تعبيرا عن الاستعداد لتحملها، أو هو تحمل مباشر لها وهذه المسؤولية، الشرف تنتقل اليكم بعد تسلمكم مهامكم مباشرة نيابة عمن اختاركم لحملها.‏ ‏وإذا كان من المفترض ان كل تعيين أو انتخاب جديدين في اية مؤسسة يمثل الصيغة المتجددة والمطورة لتلك المؤسسة، حتى لو تكرر فيها الاشخاص أو الاعضاء انفسهم، فإننا نرى ان القدامى في تلك المؤسسة سيقومون بتطوير ادائهم، وتجديد افكارهم بما يستجيب للمعطيات الجديدة، ويساعد على افادة زملائهم من الخبرة المتراكمة لديهم. كما ان الجدد يعطون دما جديدا يعزز ويغني ما هو موجود، ويراكم فوق ما تحقق. ‏ ‏

 وهذا التمثيل الامين للشعب يتطلب منكم ويفرض عليكم الارتقاء بمسؤولياتكم وواجباتكم إلى مستوى هذه الثقة، وما تتطلبه من عمل لتحقيق مصالح المواطنين، ومتابعة شؤون الوطن بشكل عام. ولعل اداء هذه المسؤوليات والواجبات يقتضي ليس فقط القيام بالمهام التقليدية في المجلس من سن القوانين والتشريعات ومراقبة اعمال الاجهزة التنفيذية وتقويم الاخطاء والمحاسبة عند التقصير، على اهمية ذلك وحيويته، وانما الارتقاء بها إلى مستوى المشاركة في التطوير من خلال طرح الافكار الخلاقة والمبدعة. وهذا يعني بوضوح ان يتحمل مجلسكم جزءاً أساسيا من المسؤولية. ومن ثم ان يكون الاعتماد في تقييم نجاح المجلس في اداء مهامه على مدى نجاحه في تقديم افكار جديدة تسهم في تقدم الوطن في المجالات كافة. وهذا لا يتم إلا بطريقة تفاعلية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة.. وبين هاتين السلطتين والمواطن من جهة أخرى. والتفاعل الايجابي هو المدرسة الكبرى التي نتعلم فيها جميعا في أي موقع أو أي مؤسسة كنا، ونتطور من خلالها كي نكون قادرين على نقل تطورنا الذاتي إلى الآخرين من خلال الآليات المؤسسية المختلفة. فمن لا يتفاعل لا يتعلم، ومن لا يتعلم لا يتطور بل يبقى في مكانه منغلقا على نفسه، وفي تلك الحالة فهو لن يكون قادرا على مساءلة ومحاسبة الآخرين. ‏ ‏ومن واجبكم كممثلين للشعب ان تسألوا المسؤول والمواطن، وان تأخذوا منهما وان تقدموا إليهما الافكار المفيدة والمتجددة. وهذا من شأنه ان يعطيكم الامكانية الفعلية لتعزيز الافكار الواردة والقيام بعملية المراقبة والمحاسبة بالشكل الأمثل بما يحقق المصلحة العامة وينأى بمجلسكم عن الاعتبارات الذاتية في النقد والتقييم.‏ ‏

 عندما نقيم العلاقة بين السلطتين أو بين مؤسستين أو بين مسؤولين نرتكز دائما في التقييم أو في الجدل أو في النقاش على الصلاحيات والقوانين والانظمة. طبعا هذا شيء اساسي. لكن هناك قاعدة تبنى عليها هذه الامور. لا يمكن ان ترتكز إلى منطق ولا إلى قانون، انها شيء ذاتي تمثل وعيا، تمثل احساسا بالمسؤولية. هذا التفاعل له جوانب عديدة، لكن نأخذ مثالا بسيطا أو جانبا بسيطا من هذا التفاعل وهو العلاقة بين القديم والجديد، خاصة ان المجلس هو مجلس فيه اعضاء جدد. دائما القديم في اي مؤسسة بالشكل المفترض يعلم الجديد مما امتلكه من خبرة، والجديد يعطي الافكار الجديدة للقديم. وطبعا القديم ايضا يعطي افكارا جديدة. وهذا لا يعني ان الافكار الجديدة محصورة بالاعضاء الجدد. الشيء نفسه ينطبق على أية مؤسسة. هذه العلاقة ذاتها يجب ان تكون موجودة بين عضو قديم في مؤسسة وعضو جديد في مؤسسة أخرى. أنا اتكلم بشكل خاص عن المؤسسة التشريعية وعن المؤسسة التنفيذية وبالعكس. ان هذه الجوانب عندما تكتمل، ويكتمل ايضا هذا التفاعل بجوانبه الأخرى المختلفة يرتفع المستوى بشكل عام. وعندها تصبح الصلاحيات التي نتحدث عنها ومن ثم لاحقا من يحاسب من، ومن هو أعلى ممن، ومن يأمر من،عندها تصبح سليمة. ‏ ‏

 فالقانون والصلاحيات لا تكفي وحدها لكي يكون العمل سليما. هناك دائما جوانب ذاتية. هذا التفاعل هو الجانب الذاتي. إذا استطعنا ان نضع هذا التفاعل في اطار من الشفافية.. وكما قلنا عن ضرورة التفاعل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وبين المواطن.‏ ‏إذا تمكنا من نقل هذا التفاعل إلى الاطار الشفاف، واطلع المواطن على كل ما يجري، وعلى هذا التفاعل بالتفاصيل، فإن هذا ايضا يخدم المواطن ويخدم الدولة. سيقول المواطن: هل قمت باختيار العضو المناسب ليمثلني في هذا المجلس؟ وستقول الدولة هل قمنا بتعيين المسؤول المناسب في المكان المناسب؟ قد نعتقد بأن الشخص الذي عيناه هو الشخص المناسب، ربما تقييمنا عن حسن نية. وعند وضعه على المحك تكتشف العكس. واحيانا نسمع بأن شخصا ما هو غير جيد وعلى المحك تكتشف انه جيد. ‏هذا يفيد المواطن ويفيد الدولة ويفيد عضو مجلس الشعب ويفيد المسؤول، ويدفعكم دائما إلى الانطلاق إلى الامام. هذا يعني ان المعركة الحقيقية، كما يقال هي بعد الانتخاب، وليست خلال الانتخابات. الآن ابتدأ العمل والمهم ان يرى المواطن النتيجة. وبالنتيجة من يحاسب من. المواطن يراقب الكل. هذا هو الشيء الذي نريده لكي نظل ننطلق إلى الامام. والمجلس له طبعا دور اساسي في قيادة هذه العملية. ‏ ‏

 وعندما نتحدث عن تجديد وتطوير، فهذا يعني تقييما موضوعيا لما قمنا به يرتكز على نظرة معمقة إلى الوراء لنرى ما الذي حققناه وما الذي لم نحققه. وكم من الشوائب علق بمسيرتنا الوطنية لكي نقوم بازالتها. وهذا يفترض معالجة السلبيات الناجمة عن العمل والمعوقات التي تعترض التقدم.‏ ‏وكما هي الحال في اي مسيرة تطوير، قد تكون الشوائب والمعوقات كثيرة وتبقى معالجتها ممكنة. ولكن الاكثر ضررا وتشويشا هي الانتهازية التي تزين المصالح الخاصة تحت عناوين المصالح العامة، وضررها يظهر بصورة خاصة عندما تمتزج هذه الانتهازية بالعقد النفسية أو بالانانية، أو بالحقد أو بالفساد المادي والاخلاقي. لنتكلم عن هذه النقطة بالكثير من الصراحة، بدون دخول في التفاصيل، ولكن بشكل مباشر، لنبتعد قليلا عن الانشاء. الانتهازي يظهر دائما. ويظهر بشكل سريع، ويكون هو الابرع. أبرع من المخلصين في الظهور على واجهة الاحداث. وهو دائما يقتنص فرصة، يقتنص مناسبة، يراقب ما هي الموجة السائدة، وغالبا ما تكون هذه الموجة هي موجة من مسؤول أو من دولة أو من رئيس. دائما عندما يظهر هذا المسؤول يحاول ان يحجب الرؤية. انه لا يريد لصاحب الطرح ان يرى ما الذي يحصل. يريد ان يقول انني انا الوحيد الموجود على الساحة. اي شيء آخر هو كما يقال هو عبارة عن اصفار.‏ ‏إذا اردتم ان تحققوا هذا الشيء الذي تطمحون اليه فانا الطريق وانا السبيل. إذا اعتمدتم عليّ فالنجاح حليفكم والعكس بالعكس. وقد يذهب ابعد من ذلك ليشكك بالشرعية احيانا فهو يقول: إذا كنت انا جزءا من المشروع فالمشروع شرعي، وربما تكون الدولة كلها بمؤسساتها شرعية. وعدا عن ذلك فكل هذه المؤسسات هي مؤسسات مستوردة. ولنأخذ مثالا خطاب القسم الذي القيته منذ سنتين ونصف السنة من على هذا المنبر. أول شيء امسكوا به هو موضوع التطوير والتحديث.أنا قلت، أقولها دائما انني لم اخترع في موضوع التطوير والتحديث، كل دولة تطور وتحدث بشكل يومي. وهذه هي الطريقة الطبيعية، هذه هي سنة الحياة. والتطوير والتحديث يتم بشكل يومي ومستمر.اختبؤوا خلف التطوير والتحديث وصارت بنظرهم حتى الاشياء التي كانت ضارة بالبلد تطويرا وتحديثا. ‏ ‏

 تحدثوا عن خطاب القسم ورفعوه كعلم..وجعلوه خطة تنفيذ.. بينما هو منهج‏ ‏ تفكير. والفرق كبير بين منهج تفكير وخطة تنفيذ. منهج تفكير هو كيف يفكر هذا الشخص الذي ألقى الخطاب، وهذه هي آلية تفكيره.لا بد للمواطن ان يعرف كيف يفكر هذا الرئيس. هناك العديد من المصطلحات التي طرحت في خطاب القسم. وكلها مصطلحات متداولة، لا يوجد فيها اي مصطلح جديد. كلها تم تعريفها بالشكل الذي فهمته انا. فاذاً منهج التفكير بحاجة لخطط تنفيذ وليس خطة تنفيذ. ربما تربط بجدول زمني، ربما لا تربط. هذا موضوع آخر. تحدثت في خطاب القسم عن الشفافية. فالشفافية كما قلنا هي وضوح وعدم وضع اية اقنعة.. هي عدم اختباء وهي وضوح وصدق. هم فهموها وضع اقنعة. اقنعة ربما مستوردة. تحدثنا في خطاب القسم عن الديمقراطية وقلنا ان الديمقراطية هي اخلاق ففهموها تهجما على التاريخ، وتهجما على رموزنا الوطنية التي نفتخر بها جميعا. قلنا ان الديمقراطية هي تعزيز للامن وللاستقرار. فالبعض فهمها تعميما، لعدم استقراره النفسي، على الوطن ومساسا بالوحدة الوطنية. قلنا ان الديمقراطية هي صناعة وطنية. قالوا انها عبارة عن مصطلحات نضع الوطن في داخلها، مصطلحات مستوردة. ‏ ‏قلنا انها حل لمشاكل عامة، قالوا انها حل لعقدهم النفسية على حساب الآخرين. تكلمت عن الديمقراطية وعن قبول الرأي الآخر، وقلنا ان الديمقراطية اساسها وجوهرها هو قبول الرأي الآخر، ففهموا ايضا انهم هم الرأي الآخر وعلى الآخرين وعلى كل من تبقى لكي لا يقال: الآخرين ،ان يقبلوا برأيهم كما هو. تكلمنا عن الموضوعية بأن يرى الانسان الموضوع من كل جوانبه لكي يكون موضوعيا، لكنهم فهموا ان الجانب الذي يرونه هم هو كل الموضوع. تكلمنا عن الحرية وقلنا انها التزام ومسؤولية وطنية، ففهموها انفلاتا من الضوابط وتحللا من الاخلاق. ربما لم نتكلم في الخطاب عن التسامح لكن مارسنا التسامح وفهمناه محبة ففهموه ضعفا، وهنا سقطوا.‏ ‏ من فهم التسامح ضعفا سقط. وابتدأ الرهان على الداخل وعلى الخارج. راهنوا على امور داخلية وعلى ظروف اقليمية ودولية. نحن لدينا علاقات دولية كثيرة جيدة، جيدة جدا وممتازة. ولكن ما يجمع بين كل هذه العلاقات هو الاحترام المتبادل. نحن في السياسة الخارجية لدينا اعتبارات كثيرة نضعها في الاعتبار وفي الحسبان. لكن عندما يكون الموضوع متعلقا بالقضايا الداخلية لا يوجد اي اعتبار سوى الاعتبارات الداخلية.اعتبارات مصلحة البلد ومصلحة المجتمع ومصلحة المواطن. راهنوا على امور كثيرة ومن يراهن على غير بلده يسقط. ‏ ‏

 انا أشبّه دائما العلاقة بين الدولة والمواطنين كالعلاقة داخل الاسرة الواحدة. عندما يخطئ احد افراد هذه الاسرة ستتعامل معه الاسرة بشكل عام، وخاصة الابوين انطلاقا من المحبة يعاقب. كل اسرة لديها طريقتها بمعاقبة هذا الشخص أو محاسبته. لكن المبدأ في العائلة السليمة هو الانطلاق من المحبة. كذلك العلاقة بين الدولة والمواطنين هي علاقة اسرة واحدة. وعندما تقوم الدولة بمحاسبة أو معاقبة شخص فليس الهدف أو المنطلق هو الكره، بل هناك هدف هو الاصلاح لكي تستقيم الامور. ونحن دائما نؤكد على هذا المبدأ. عندما يكون هناك جنحة أو جناية يأخذ القاضي في الاعتبار الظروف التي ادت لهذه الجنحة أو الجناية، اما عندما يكون الموضوع متعلقا بمصلحة الوطن لا نستطيع ان نأخذ النية، اي لا نستطيع ان نقول ان شخصا ما دمر البلد عن حسن نية أو عن غير قصد. هذا الكلام غير معقول. لذلك لا يمكن في هذه المواضيع اي: في المواضيع التي تتعلق بالمصلحة العامة إلا ان يكون هناك حزم مع محبة. لكن نحن ننطلق من قناعاتنا وندافع عنها. والانسان يخطئ ويصيب. من يجتهد ويصيب له اجران، ومن يجتهد ويخطئ له اجر واحد. الاجر دائما محفوظ. وانا لا اتكلم دائما من منطلق ان ما نقوله هو الصحيح، لكن الانسان عندما يكون مقتنعا من الطبيعي ان يكون مقتنعا بأنه على صواب. ولكن يعرف انه يخطئ من دون ان يدري فلذلك نحن نقول هذه هي قناعاتنا. ونقول والحمد لله انه ثبت خلال العقود الماضية ان الكثير من الامور التي اختلفنا فيها مع الكثيرين من الاصدقاء والاشقاء من الدول العربية لعدة سنوات كنا فيها على حق. نتمنى ان نكون ايضا على حق في كل ما نطرحه. لكن عندما يكون الموضوع مقصودا، الاساءة مقصودة فبكل تأكيد لن يكون هناك اي تسامح. واقول بكل وضوح انه لا توجد لأي مواطن حماية الا من وطنه، ولا احد يحمي احدا منا سوى وطنه. فمن يراهن على الخارج وعلى الحماية من الخارج وعلى منظمات، وعلى كل هذا الكلام يحرم نفسه من حق الحماية في وطنه، ولن يكون مغطى من الخارج. ‏ ‏

 نحن نؤمن بالحوار لانه الطريق إلى الديمقراطية وهو السبيل الى المؤسسية، كما انه الاساس في مكافحة كل اوجه الزلل والتقصير والانحراف وغيرها من الظواهر السلبية والممارسات الضارة، التي تعيق تحقيق متطلبات التنمية والازدهار. وشرط هذا الحوار ان يكون بناء موضوعيا. اما اصحاب الافكار الثأرية أو التحريضية فلا مكان لهم في هذا الحوار ولا مكان لهم في اي عملية بناء. وفي هذا الجانب، فإن لمجلسكم دورا كبيرا في تأسيس الحوار الموضوعي البناء من خلال حرية الكلمة ومسؤوليتها وصدقها في اداء الواجب فهي التي ستمكننا من تجاوز الكثير من الممارسات الخاطئة، وستبعدنا عن المشاعر السلبية تجاه ما تحقق أو ما هو في طور التحقيق إذا ما توفرت النيات الصادقة والكفاءة اللازمة والمنهج السليم. وهنا يكون المجلس قد أدى دوره الوطني في تدعيم الوحدة الوطنية وصيانة انجازات الشعب وتمثيل ابنائه في الاسهام في بناء مستقبلهم عبر التعرف على مشكلاتهم، والحفاظ على صلة متينة معهم، ومن خلال التعبير عن همومهم المشروعة في واقع افضل. ‏ ‏

 لقد قمنا،أيها الأخوة، خلال العامين الماضيين بإصدار العديد من القوانين الهامة التي نقدر للمجلس السابق دوره وجهده الكبيرين في إقرارها. كما نقدر جهده في إنجاز مهام تنموية كبيرة عادت بالفائدة على الجميع. ولكن هذا لا يعني ان ما حققناه كان كافياً أو مرضياً لنا جميعاً. فهناك طريق طويلة أمامنا لابد من السير فيها قبل ان نشعر اننا نقترب من طموحاتنا الكبيرة، خاصة ان العالم يتقدم بسرعة مذهلة والطريق تزداد طولاً. الى جانب ذلك، فإذا كنا قد أصدرنا عدداً كبيراً من التشريعات فلا يعني أننا طبقناها كلها بالشكل الأمثل، ولا يعني كذلك أنها خالية من الثغرات. وهذا يعني أن علينا ان نعيد مراجعتها ودراستها والعمل على تلافي النواقص فيها.كما أن علينا التأكد من ان التعليمات التنفيذية الصادرة مطابقة لأهداف القوانين، وان نتائج تطبيقها تنعكس ايجاباً على حياة المواطنين في مختلف مجالات حياتهم التي شملتها تلك التشريعات.‏ ‏ولكن هذا كله لا يكفي اذا لم نجد ان من هم في مواقع المسؤولية يتفهمون القوانين ويشرفون على تنفيذها. واذا لم يتوفر مواطن يتعامل معها ويطبقها بالشكل الصحيح. ولكي نحقق كل ذلك لابد من تطوير الإدارة وتأهيل الكوادر البشرية المدربة على تحقيق الأهداف التي نريدها.‏ ‏وفي الواقع فإن أي تطوير نتحدث عنه في المستقبل سوف يرتكز على امكانية تقدمنا في مجال الادارة. إن الكثير من الأمور التي قمنا من أجلها بإصدار تشريعات أو بالقيام بأية إجراءات بهدف الوصول الى التطوير لم تحقق الغاية. والسبب هو ان الإدارة لدينا في /سورية/ بشكل عام هي نقطة ضعف قوية. وهذا الموضوع لابد من ان يركز عليه مجلسكم بالتعاون مع السلطة التنفيذية. مثلاً لو أعطينا شخصاً مبلغاً من المال وقلنا له أنشئ عملاً خدمياً أو صناعياً أو تجارياً، بينما هو لا يعرف كيف يدير هذه الأموال، فإنه بعد فترة سوف يخسر كل شيء.‏ ‏

 لو وضعنا مسؤولا مؤهلا مختصا في مؤسسة مناسبة لهذا الاختصاص بينما‏ ‏هو لا يعرف كيف يدير هذه المؤسسة، فإنه ايضا سيفشل مع انه انسان جيد. والفشل ليس محصورا بعامل معين، وانما الادارة بالذات هي اهم عامل من عوامل النجاح. نحن في الحقيقة منذ اربع سنوات او خمس سنوات تقريبا حاولنا عدة محاولات، فكانت النتائج حتى الآن متواضعة جدا. السبب انه لدينا فقر بالكوادر في هذا المجال. ويجب ألا نشعر بالعيب من قول ذلك. هذه حقيقة الكل يعرفها داخل الدولة وخارج الدولة. وهذه مشكلة في كل المجتمع. في الماضي لم نؤهل كثيرا ولم نهتم كثيرا بالادارة. كانت الظروف مختلفة، اما الآن فلا نستطيع من دون ادارة ان نقوم بأي شئ ترأست اجتماعا للحكومة منذ ثلاثة اشهر بخصوص الادارة. كانوا قد وضعوا خطة طموحة وجدولا زمنيا حتى عام /2004/ ،على ما اعتقد، فقلت لا نريد كل هذا الكلام. لا نريد ان نضع خطة طموحة، وليست لدينا امكانيات لتنفيذها. نريد ان نأخذ ما نعتقد اننا الآن قادرون بامكانياتنا على ان نحققه مادام هناك مرسوم يحدد صلاحيات معاوني الوزراء. طلبنا منهم ان يقوموا بإعادة هيكلة الوزارات وتوصيف ضمن مستويات معينة. البعض فهم ذلك، وخاصة في الصحافة، أنه الاصلاح الاداري، والحقيقة هي كانت خطوة بسيطة، ومازال امامنا الكثير جدا. لكي نكون موضوعيين في هذه النقطة، فإننا عندما نطلب من أي مسؤول ان يقوم بشيء ما، فلابد من ان يكون هو مؤهلا في هذا المجال، أو ان تكون لديه كوادر مؤهلة. اما ان نطلب من مسؤول غير مؤهل بالادارة وليست لديه كوادر ادارية ان يطور ادارة، فإننا في الحقيقة، مهما جربنا فلن نصل الى نتيجة. والسؤال هو كيف ننطلق؟ هناك دائما في اي موضوع طرح بعيد المدى وطرح قصير المدى. في الطرح البعيد المدى لابد بكل تأكيد من البدء بعملية تأهيل واسعة في هذا المجال، وربما طبعا في اختصاصات اخرى نحتاجها. لكنني الآن اتحدث عن الادارة تحديدا. التأهيل الاكاديمي في اكثر مناطق العالم، وفي اكثر دول وجامعات العالم تطورا كلفها الكثير من الاموال، لان النتائج ستكون على المدى البعيد اقتصادية. الطرح القصير المدى هو ان نؤهل الموجودين الآن في مواقع عملهم من خلال دورات في الخارج، او ما شابه ذلك، او باستقدام خبرات كبيرة في هذا المجال. والحقيقة انه ستأتينا اول مجموعة من الخبراء في هذا الشهر هؤلاء مرسلين من قبل الرئيس /شيراك/ من /فرنسا/، وهم مختصون بالادارة، واعتقد انهم سيقومون فقط بدراسة وضع رئاسة الحكومة مبدئيا، وليس كل الادارة بمعناها الواسع. ايضا هناك عدد من المغتربين السوريين الذين ابدوا رغبتهم في المساعدة في هذا المجال، سواء داخل /سورية/، او من خلال زيارات من وقت لآخر الى /سورية/. وهناك جانب مهم جدا من الادارة لم نتطرق اليه في السابق، وابتدأنا مؤخرا نتحدث عنه وهو الموارد البشرية. اي عندما نعين مسؤولا مختصا في موقع ما، ايضا هناك الاختصاصية. لكن ربما لا يناسب بقية الامكانيات الموجودة. نحن احيانا نأخذ فقط الاختصاص او السمعة كما يقال فيفشل. احيانا نأتي بمسؤول آخر جيد مختص وسمعته جيدة نضعه في هذه المؤسسة وينجح ولكن بعد عام يفشل. هل هو تغير؟ ام ان تقييمنا بالاساس كان خاطئا؟‏ ‏

 لا يوجد لدينا معايير. الموارد البشرية هي وضع معايير. أعني هي ما قاله الرئيس /حافظ الأسد/ في السبعينيات: الرجل المناسب في المكان المناسب. لكن الادارة في الحقيقة هي علم واسع. ولابد ايضا من الاهتمام في هذا المجال. واعتقد بان هناك ندوة أو أول ندوة ستعقد حول هذا الموضوع في شهر /نيسان/ القادم . اعتقد ان السؤال هو كيف نبدأ، هناك كثير من الامور التي لم نبدأ بها. وعندما نسال كيف نبدأ لايعني ان نطلق العنوان، ومن ثم يتحرك الكل حركة من دون مضمون. ومجرد الحديث عن التأهيل يجعلنا في لب قضية التعليم التي هي اساس اي بناء وجوهره في اي مجال، وفي اي مجتمع. ولا يصح الحديث عن التعليم في المستويات العليا اي الجامعات والمعاهد، مالم نهتم برفع سوية المدارس وخاصة في المراحل الاولى منها، والتي تتكون فيها شخصية الانسان وتنمو معارفه بشكل اساسي.‏ ان الانطلاق في مجال التربية والتعليم لا يكون الا بالانطلاق من ادراك السلبيات في المجتمع. فإذا كانت لدينا مشكلة الفردية في العمل فعلينا ان نركز في مدارسنا على العمل الجماعي. واذا كانت لدينا مشكلة الفوضى علينا ان نعلم التلاميذ النظام والانضباط. واذا كانت لدينا مشكلة التلقين فعلينا ان نطور اساليب التدريس بهدف تنمية موهبة التحليل لدى الطالب. واذا كانت لدينا مشكلة الجمود فعلينا ان نبرز لديهم روح التجديد والابداع. واذا كانت لدينا مشكلة التواكل وعدم تحمل المسؤولية. فلنعلمهم تحمل المسؤولية ومن ثم التوكل. ان هذه العملية هي عملية بناء. وهذا النوع من البناء هو الأبعد مدى في ظهور نتائجه، وهو الاكثر استهلاكا للوقت ولكنه الاكثر متانة وديمومة واقتصادية وانتاجية. ‏ ‏

 ان النقاط التي استعرضتها تشكل جزءا هاما من العناصر المطلوبة للوصول الى حالة الازدهار والتقدم، هذه الحالة التي نفهمها ارتياحا ماديا ومعنويا للمواطن بكل ما تحمله من ابعاد ومعان. اذ مازال مواطننا حتى اليوم يعاني من مشاكل مختلفة، ربما تكون اولاها تحسين وضعه المعاشي، حيث نرى انه وعلى الرغم من كل ما تحقق خلال العامين الماضيين من انجازات، فإنها كانت اقل من الطموح لعدم توفر الكثير من العناصر الضرورية للتطور الذي نعمل من اجله. فهناك اسباب موضوعية لذلك كالظروف الاقتصادية والسياسية العامة الدولية والاقليمية، بالاضافة الى ضعف التأهيل في بعض المجالات الحيوية. وهناك اسباب غير موضوعية كالهدر والفساد والبيروقراطية وجمود العقل. وكلنا يلاحظ ان بعض العاملين في الدولة، او في غيرها من القطاعات، وعلى مختلف المستويات يجهلون هذه الحقائق، كما يجهلون العناصر المطلوب توفرها للتقدم. وربما كان هناك من يتجاهلها. وبطبيعة الحال لا يخلو الامر من مسؤولين شرفاء مؤهلين يبادرون لحل المشاكل الموجودة في مؤسساتهم بمسؤولية عالية ووعي كبير. ولكن اذا لم تكن هذه هي الحالة السائدة فلن يؤدي ذلك لدفع الامور بالاتجاه الصحيح.‏ ‏وهنا لابد من اجراء عملية الفرز بين من لا يريد ان يطور نفسه وعمله او هو‏ غير قادر على ذلك، وبين من يسعى بجد نحو تحسين ادائه ومؤسسته ورفع سوية مرؤوسيه والاهتمام بالصالح العام. ولا بد عندها من ازالة هذه المعوقات من دون تردد او ابطاء.‏ ‏

 اضافة إلى كل مهامنا واهتماماتنا، لا بد لنا من ايلاء موضوع البيئة الاهتمام الذي يستحق. لان القضايا البيئية غالبا ما تكون معالجتها وقائية، وعندما نرى نتائجها او نشعر بآثارها يكون الوقت قد فات ودفعنا الثمن صحيا واقتصاديا وتنمويا وجماليا . ايضا علينا الاهتمام بموضوع المياه في /سورية/ من خلال تخفيف الهدر في الاستهلاك وتحسين الشبكات، وانجاز المشروعات التي تساهم في تخفيض معدلات الاستهلاك. ولكن لا بد اضافة إلى ذلك من تحديد العوامل التي تؤدي إلى خلل في التوزع السكاني بشكل لا يتناسب مع توفر المياه. وهذا لا يتعارض بل يتوافق مع التنمية المتوازنة في سائر المناطق. ولا بد من التركيز بشكل كبير على المناطق الريفية والمناطق النامية من خلال دعم بنيتها التحتية وتأمين كافة الخدمات الضرورية واللازمة لتأمين الاستقرار لسكان تلك المناطق، وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى، وخاصة /دمشق/ و/حلب/. وبالتالي تخفيف اعباء كثيرة غير ضرورية اصبحت تثقل هاتين المدينتين، كالازدحام والتلوث والضغط النفسي والمادي. وهذا سيؤدي بالمحصلة لتنمية افضل بكلفة اقل. وعلينا ألا ننسى الاهتمام بالمشكلة الاكثر الحاحا وهي النسبة العالية لتزايد السكان في /سورية/ والتي تستهلك اي ارتفاع في نسب النمو الاقتصادي، وتساهم في زيادة نسبة البطالة، وتعيق تأمين الخدمات والاحتياجات الضرورية للمواطنين، بالاضافة إلى كثير من النتائج السلبية الأخرى . ‏ ‏

 وفي كل ما نسعى اليه يجب الحصول دائما على الافضل وألا نقبل بالاقل.‏ ‏هناك مصطلح يطرح حول الخصوصية السورية ويجري جدال حولها في الصحافة وغيرها . هل لدينا خصوصية؟ ام لا توجد لدينا خصوصية؟ في المنزل الواحد هناك خصوصية تظهر بين الاخوة. كل انسان يتميز عن الآخر باشياء معينة . في المدن خاصة الكبرى تظهر خصوصية لاجزاء من المدينة، شمال المدينة قد يختلف عن الجنوب والشرق عن الغرب . احيانا هناك خصوصية في الطباع، واحيانا في اللهجة خاصة في المدن الكبرى كما قلت . اما بين الشعوب فان هذه الخصوصية بكل تأكيد تظهر بشكل اكبر . فكل شعب في العالم يتميز بكل تأكيد عن كل الشعوب الأخرى باشياء معينة حتى لو كان يملك نفس القومية والجغرافيا لكن ليست هذه هي النقطة . النقطة هي هل تكون الخصوصية عائقا في وجه التطوير ام لا؟  هذا هو السؤال الذي يجب ان يسأل . هناك طبعا من يستخدم كلمة خصوصية لكي يهرب من المسؤولية، فيقول لدينا خصوصية، وبالتالي لنبتعد عن هذا العمل . لنأخذ اجراء معينا او تشريعا معينا في دولة ما . هذا التشريع قد يصلح في تلك الدولة، وقد يصلح هنا في /سورية/ . لكن ربما كان هذا الاجراء في تلك الدولة هو افضل شيء، وربما يكون في/ سورية/ جيدا لكن ليس هو الافضل . وبالتالي الخصوصية هنا هي ان نعدل هذا الاجراء لكي يصبح افضل بالنسبة لسورية، فاذاً هذه الخصوصية هي ان نحصل على افضل شيء يناسب هذا البلد.‏ ‏

 

ايها الاخوة،‏ ‏

لقد قامت سياسة /سورية/ على المستوى العربي، في الماضي والحاضر على تحقيق التضامن العربي. ومن البديهي ان هذا المصطلح يعني تضامنا بين الدول العربية من اجل تحقيق مصلحة الشعوب العربية، وليس كما قد يفسره البعض تضامنا ضد مصالح العرب، او مع مصالح الآخرين عندما تتعارض مع مصالحنا. وانطلاقا من ذلك سعينا دائما للبحث عن العوامل المشتركة مع اشقائنا العرب وعن نقاط الاتفاق لا الاختلاف، بهدف الوصول للالتقاء لا للافتراق. وبنفس الوقت كنا دائما حذرين من وحريصين على الا يدفعنا سعينا المستمر والمبدئي لتحقيق التضامن إلى الموافقة على اشياء او امور او قرارات لا نرى فيها مصلحة للامة العربية. وكنا في كثير من الاحيان نجهد كي لا تتردى الامور تحت الحد الادنى المقبول به. وفي بعض الاحيان كنا نختلف مع الاشقاء حول قضية معينة، وعند اول فرصة نسعى لتجاوز هذا الاختلاف وتذليله. واحيانا أخرى، مضينا في امور تؤدي إلى التضامن، ولو شكليا وظاهريا، بغية الوصول إلى التضامن الحقيقي. واقول بصدق، انه وبعد عقود من الزمن، فاننا لم نستطع ،نحن المسؤولين العرب، او ما يطلق عليه النظام العربي، تحقيق ذلك التضامن. فما يزال الشكل يغلب على المضمون الضعيف. ونقطة ضعفه اساسا هي الشك المتغلغل في نفوسنا تجاه بعضنا بعضا، طبعا ليس تجاه الاجنبي! فعندما يتعلق الامر به نصبح آليا متضامنين معه او مسوقين لافكاره، واحيانا ننسى انفسنا فنطبق اتفاقية الدفاع المشترك العربي، ولكن معه ومن اجله. وعندما يأتي نفتح له الابواب ونأخذه بالاحضان ونسلمه مقاليد امورنا وننام قريري العين. ومن هنا فان البعض لا يفرق بين تفسير المصطلح على انه تضامن مع العربي او تضامن على العربي.. هل هو تحقيق مصالح العرب ام عمل العرب لتحقيق مصالح الآخرين؟ واذا كنا سعينا دائما لتحقيق تعاون فعال مع الدول العربية، فاننا نرفض ان يكون هذا التعاون عبارة عن توزيع مسؤولية الخطأ على الدول العربية في الاوقات الحرجة دون تمييز. اي ان نقوم بتحويل مسؤولية خطأ يرتكبه مسؤول ما، او عمل يقوم به بصورة تنعكس سلبا على مصالح الدول العربية إلى عنوان لعمل عربي مشترك سواء من خلال عقد الاجتماعات الشكلية او البيانات الانشائية والتعابير المطاطة التي يمكن ان تفسر على عدة اوجه، ولا تحدد مواقف واضحة وحاسمة من اي قضية من القضايا المطروحة. وبالتالي يتساوى امام الجماهير من يعمل مع ومن يعمل ضد المصلحة القومية. فلقد وصلنا إلى الوقت الذي يجب ان يكون فيه تحديد واضح لمواقف كل دولة على حدة. فنحن في مرحلة تاريخية تحدد فيها مواقفنا الراهنة مستقبلنا لعقود قادمة لا تنفع فيها المسايرات والمجاملات. وعلى كل مسؤول وعلى كل دولة ان تتحمل مسؤوليات مواقفها امام شعبها. ‏ ‏

انطلاقا من هذه الاسس تعاملنا مع الواقع الراهن وبشكل خاص في الاشهر‏ القليلة الماضية بهدف ان نصل إلى اجتماع القمة الاخير، بالحد الادنى من العناصر والمعطيات التي تمنع الفشل وتكريس الانقسام، وما يعنيه ذلك من تداعيات اقليمية ودولية قد تؤدي إلى تحميل العرب المسؤولية الاكبر في انضاج الظروف المؤاتية لشن الحرب على /العراق/. قيل الكثير حول موضوع القمة، وما سبق القمة واجتماع وزراء الخارجية العرب الذي سبقه واللقاءات الأخرى. اول مرة طرح علينا في /سورية/ او ظهر في التداول موضوع القمة العربية الاستثنائية في شهر تشرين الثاني الماضي. طرح الموضوع على شكل قمة استثنائية فقلنا نحن: انه في اية قمة يجب ان نعقدها. لا بد ان نعرف او نتوقع مسبقا ما هي النتائج المحتملة. هذا اولا. ثانيا، لا بد من معرفة اي موضوع نريد ان نتطرق اليه وما هي الظروف. اننا نريد الآن ان نتحدث عن موضوع /العراق/، هذا كان في ذلك الوقت. لم يكن قد ظهر بعد تقرير المفتشين. ‏ ‏

‏الموضوع في بداياته. والتصويت على القرار 1441 كان حديثا، كانت تدور‏ اسئلة مثل هل تعاون /العراق/، لم يتعاون العراق، هل تعاونت الدول الاخرى، لم تتعاون، لم يكن هناك شيء واضح. فكان من الافضل في ذلك الوقت ان نؤجل عقد القمة الى ما بعد ظهور تقرير المفتشين لكي نأخذ قرارا واضحا بهذا الخصوص. ظهر التقرير الاول في /27/ كانون الثاني الماضي، وعاد موضوع القمة الى التداول، وطرحت ايضا مواضيع مختلفة منها القمة الاستثنائية او العادية المعجلة باشكال وصيغ مختلفة. عدنا الى نفس الطرح. كانت هناك عدة دول او عدة آراء بين الدول العربية: رأي يقول بعدم ضرورة عقد القمة الآن،لان الظروف صعبة، وربما يكون هناك انقسام..وربما تكون هناك قمة تؤدي في النتيجة النهائية للحرب على /العراق/.البعض كان يقول بضرورة عقد القمة فورا وبأي شكل.نحن كان طرحنا دائما هو ان اية قمة عربية تستند الى مضمونها.اذا كانت الظروف استثنائية فيجب ان يكون المضمون استثنائيا.اذا كانت الظروف عادية سيكون هناك مضمون عادي. حتى لو لم تكن الظروف استثنائية، وهناك قمة عادية يجب ألا نعقد قمة عادية ان لم تكن لدينا معطيات لكي نخرج بنتائج حاسمة ترضي الجماهير.خلال تلك الفترة كنت التقي بكثير من المسؤولين العرب واتصل بهم. وكنت دائما اسأل سؤالا محددا، ماذا نريد من هذه القمة؟.غالبا لم يأت جواب واضح.الكل كان يقول نريد ان نناقش قضية /العراق/. كيف نناقش قضية /العراق/! القضية واضحة. يجب ان نناقش معطيات معينة، يجب ان نناقش مقترحا،ان نناقش مشروع بيان، مشروع قرار.اما القضية كيف نناقش قضية؟ الامر واضح القضية قضية عدوان وقضية ظلم، ودائما كلنا كمسؤولين عرب نفرق بشكل مستمر حول هذا الموضوع ومواقفنا معروفة،فاذاً لابد من ان نحدد ماذا نريد.كانت هناك طروحات غريبة تدل احيانا على عدم الجدية.عندما نسأل عن المبرر لعقد هذه القمة العاجلة قبل ان نحضر كانوا يقولون لي ان الاوروبيين سبقونا.ولكي لا يقال ان الاوروبيين اجتمعوا والعرب لم يجتمعوا.البعض كان يقول باننا اذا لم نجتمع قبل الحرب، سيكون الاجتماع بعد الحرب صعبا.وغالبا لن يحصل لاننا سنكون منقسمين.هذا الطرح بحد ذاته يدل على عدم الجدية. اذا حصلت حرب سنكون بحاجة للاجتماع اكثر مما كنا قبل الحرب، وليس العكس.فاذا لم نكن جديين لنجتمع في الظرف الصعب وهو بعد الحرب، فما هي النتائج التي نتأملها من الاجتماع قبل الحرب؟‏ ‏

البعض قال ان الاجتماع ضروري لان المواطنين سيحبطون ان لم نعقد اجتماع‏ ‏ قمة، فقلنا ان لم نجتمع فهو فشل. ولكن اذا اجتمعنا اجتماعا فاشلا فهو فشل اكبر. وبكل الاحوال سنحبط المواطنين. فهناك احباط اقل وهناك احباط اكثر. دعونا في هذه الظروف نسعى لعقد قمة لا تكون الاولى ولا تكون الثانية. تكون قمة استثنائية بمضمونها وبمقرراتها بغض النظر عن التسمية والصيغة. بقيت المداولات وكنا دائما في كل مداولاتنا ندور حول الموعد والشكل. ولم نتطرق إلى ماذا نريد، ماذا سنطرح، كل هذه الاشهر، إلى ان وصلنا إلى قمة /شرم الشيخ/ الاولى المصغرة، كنت انا والرئيس /حسني مبارك/ والعقيد /القذافي/ ووزير خارجية السعودية الامير /سعود الفيصل/ والامين العام لجامعة الدول العربية. وبقينا ايضا ندور في نفس النقاش. في النهاية كان موقفنا في /سورية/. كان /لبنان/ في ذلك الوقت قد دعا لاجتماع وزراء الخارجية العرب في /القاهرة/، فقلنا نحن في /سورية/ لن نذهب إلى قمة نعرف مسبقا بانها فاشلة، ولن تأخذ اي قرار. لا نريد ان نكون في هذه الظروف مسالمين في اعطاء غطاء لاية جهة عربية لن تسير في الاتجاه الصحيح. امامنا اجتماع وزراء الخارجية العرب. في هذا الاجتماع سوف يتحدد تماما اين تسير هذه الدول العربية. كل وزير خارجية يتحدث باسم دولته والرئيس والملك فاذا استطعنا في هذا الاجتماع ان نصل إلى نتائج مرضية عندها سنكون مطمئنين للقمة المقبلة وسنتابع ونحن نفترض ان اجتماع وزراء الخارجية سيحقق الحد الادنى، وبكل تأكيد القمة يجب ان تكون افضل. ‏ ‏

‏ ‏ اتفقنا في هذا الاجتماع اي في اجتماع شرم الشيخ المصغرعلى ان يتم تحديد‏ ‏ موعد القمة بناء على اجتماع وزراء الخارجية. حصل الاجتماع وكان هناك اختلاف شديد، البعض يريد ان يكون الاجتماع لوزراء يأتون من الدول العربية لكي يحددوا موعد القمة. لكن نستطيع ان نحدد موعد القمة على الهاتف. كان كل موضوع الاجتماع هو لتحديد موعد القمة. /سورية/ رفضت واصرت على ان تكون هناك بنود واضحة. كنا حضرنا نحن في /سورية/ مشروعا، وابتعدنا بقدر الامكان عما يسمى بالتصلب والتشدد. وطرحنا الحد الادنى وهو عدم اعطاء تسهيلات. كل ما طرحناه تتمة لهذا المشروع هو الانشاءات، الجمل التي توضع في اي بيان. لكن هذه النقطة كانت هي النقطة الاساسية. اذا كان العرب يريدون ان يقدموا تسهيلات فلماذا القمة؟ هل لنشرّع التسهيلات؟ هي موجودة على الواقع. وليست بحاجة لقمة. الا اذا كانت مطلوبة كغطاء للبعض! وهذا ما نرفضه. طبعا حصل خلاف في اجتماع وزراء الخارجية، وتعرضت /سورية/ و/لبنان/ لهجوم بعد ذلك الاجتماع، وبعد القمة. بعد الاجتماع اتهمت /سورية/ بانها فرضت مشروع البيان على بقية الدول العربية. نحن ليس لدينا سلطة على اية دولة عربية لنفرض اي بيان، او اية فقرة في هذا البيان. نحن عبرنا عن موقفنا. طرحنا فكرة. كل العرب قادرون ان يرفضوا هذه الفكرة. من يريد ان يقدم تسهيلات عليه ان يقول نحن نريد ان نقدم تسهيلات، اما ان يريدوا من /سورية/ ان توافق معهم على بيانات انشائية، ونظهر كأننا موافقون معهم بالاتجاه الذي يسيرون به، واقصد البعض طبعا، فهذا الكلام غير ممكن. ‏ ‏

لن ندخل في مهاترات مع احد . دائما نسعى لموضوع التضامن العربي، كما قلت ولو بشكل شكلي . وصلنا إلى القمة، وكان هناك طرح يتعلق بلجنة تذهب إلى /العراق/، لا اعرف تماما من طرحها . طرحت في الاعلام، وطرحها بعض المسؤولين، ولاحقا يقولون هذا الكلام غير صحيح . والكل يتبرأ . الكل يطرح، والكل يتبرأ . لكن في اعتقادي انها فكرة طرحت بدعم من بعض القوى، وربما /الولايات المتحدة/ . الهدف من هذه اللجنة ان تذهب إلى /العراق/ لكي تطلب من العراق التعاون! طبعا لم تعرف اية دولة التعاون، وما المقصود بالتعاون . عندما نقول تعاون مئة بالمئة، ماهي المئة بالمئة . كان المطلوب من هذه اللجنة ان تذهب لتطلب التعاون، ويقول البعض لتطلب من الرئيس /صدام/ ان يتنازل. لكن لا يهم مهما طلبت هذه اللجنة ستعود، وسيقال ان /العراق/ لم يتعاون مع اللجنة . لكي يقال ان /العراق/ رفض ان يتعاون حتى مع العرب . فهو فعلا يهدد الجيران، وفعلا هو لا يريد ان يتعاون، ونصبح نحن بهذه اللجنة كقمة عربية مسوقين للحرب ومعطين الشرعية لهذه الحرب التي ستحصل . ‏ ‏

هذه اللجنة طرحناها بصيغة مختلفة . قلنا تشكل لجنة مختصة بالقضية العراقية من الدول المعنية، ومن يريد ان ينضم ،شكلت من /البحرين/، / تونس/، / لبنان/. وانضم اليها لاحقا /سورية/ و/مصر/. هذه اللجنة تمثل القمة، ولكن هدفها هو ان تنقل القرارات والموقف العربي للدول دائمة العضوية، واية دول أخرى معنية . ومن الممكن لهذه اللجنة ان تتشاور مع /العراق/، تتشاور في /العراق/، تتشاور من اي مكان لا يهم . تتشاور يعني ان /العراق/ هو دولة ذات سيادة، دولة في الجامعة العربية . هذه اللجنة هي ليست لجنة حيادية، هي ليست وسيطا بين /العراق/ واية جهة أخرى، وضع /العراق/ بالنسبة لهذه اللجنة كوضع /سورية/، كوضع اية دولة أخرى . واي شيء يتعلق بهذا الموضوع يتم بالتنسيق وبالتشاور مع /العراق/ . طرحنا موضوع التسهيلات، اعطاء التسهيلات . قبل ان اصل إلى هذه النقطة، قبل القمة طالب /العراق/ بتأجيل القمة التي قد حددت في ذلك الوقت في /شرم الشيخ/ على اساس انه كان مشغولا باجتماع /مجلس الامن/ الاخير، فقلنا نحن ان هذا الشيء منطقي، كيف نحضر قمة تتعلق بالموضوع العراقي، و/العراق/ لا يكون حاضرا؟؟!‏ فمن الطبيعي ألا نحضر هذه القمة.عاد /العراق/ وغير رأيه، وقال سوف نحضر.فقلنا لم يعد لدينا مشكلة. المهم في اجتماع القمة اتهمت /سورية/ كما تتهم الآن بانها متطرفة. هناك من اتهمنا في المرحلة الاولى باننا مع شق الصف، ونحن لن نرد على هذا الموضوع لان /سورية/ موقفها معروف بالنسبة لكل العرب.دائما /سورية/ مع التضامن. دائما /سورية/ تسعى للتضامن العربي. وانا قلت ربما في اول خطاب قمة ان مجرد الانعقاد الدوري للقمة هو خطوة باتجاه التضامن، وهو عمل ناجح. لكن لم اكن اقصد بانها قمة من دون مضمون، بل قصدت قمة لها مضمون، هذا هو الشيء البديهي. اما من اتهم /سورية/ بانها متطرفة، فما الذي طرحناه؟ انا اعتقد بانني في خطاب القمة طرحت الحد الادنى،وادنى شيء ممكن هو عدم اعطاء تسهيلات. لم نطلب منهم ازالة القواعد العسكرية الموجودة، وهي تشكل خطرا ليس عليهم بل على كل الدول العربية. لم نطالب بتطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك. لم اطالب ان نأخذ موقفا من بعض الدول الاجنبية التي ستقوم بالحرب هل نقاطعها ام لا. لم نطالب باتخاذ موقف من الدول العربية التي ستقدم التسهيلات.لم اطالبهم بموقف من احتلال دولة عربية، وماذا ستفعلون ايها العرب ان تم احتلال هذا الوطن وهذه العاصمة وعين حاكم عسكري...؟ لم اقترب من كل هذه الامور. يعني حقيقة اذا اردنا ان نقول ماذا طرحنا. نحن حتى في الطرح كنا مقصرين.كنا تحت الحد الادنى بكثير.لم نقل لهم قارنوا بين مواقفنا كمسؤولين ومواقف الشعوب في كل العالم في الغرب والشرق، وهذه المظاهرات التي خرجت في كل العالم.لم نقل قارنوا بين موقفنا ومواقف الصحافة،على سبيل المثال،الصحافة البريطانية التي تصدر الان.موقفها افضل من مواقفنا.كل هذه المواقف افضل من مواقفنا. ومع ذلك قالوا اننا متطرفون او متشددون والآن يقسمون الدول العربية الى معسكر معتدل ومعسكر متشدد!لا يوجد معسكر تنازل. معتدل ومتشدد، اي كما قسموا في الماضي /إسرائيل/ الى يمين ويسار من وجهة نظر العرب، ومازالوا حتى الآن مصممين على اليمين واليسار، و/اسرائيل/ تقول لهم كلنا يمين، وكل شيء يحصل يوميا، والانتخابات الإسرائيلية تدل على ان /إسرائيل/ كلها يمين. حتى الحكومة الآن كلها يمين. فنحن ننقسم دائما بحسب مصالحنا.انا اعتقد ان لا التشدد ولا الاعتدال لم يعد موجودا في العالم العربي.اليوم لا يوجد حتى اعتدال.حتي الدول الاكثر تشددا نتيجة الظروف الموجودة دائما تخفض مواقفها تحت الحد الادني. اقصد نحن طرحنا موضوع عدم اعطاء تسهيلات. ولا اعتقد إن احدا فيه قليل من العقل يقول بان هناك حدا ادنى تحت هذه النقطة.مع ذلك ما حصلنا عليه هو عدم المشاركة، وليس عدم اعطاء تسهيلات، اي ان ما طرحته /سورية/ لم تتم الموافقة عليه، قالوا بعدم المشاركة. انا استطيع ان اضمن لكم ان كل الدول العربية صادقة في هذه النقطة لسبب بسيط هو ان /اميركا/ لا تسمح لاحد بالمشاركة، لانها ليست بحاجة للمشاركة من احد. ‏ ‏

والحقيقة نحن في ادائنا نسيء لانفسنا اولا ،هذا بكل تأكيد. نحن فقدنا احترامنا إلى حد كبير. كنا فاقدي الاحترام إلى حد فوق الوسط. الآن شبه كلي من قبل المعسكر المناهض للحرب والمعسكر الذي يريد الحرب. منذ عدة اشهر التقيت مسؤولا غربيا كان في زيارة إلى المنطقة، قلت له كيف كانت هذه الزيارة؟ قال لي: هي سيئة بكل معنى الكلمة. قلت له: لماذا؟ قال: انا اتيت إلى عدد من الدول العربية لكي اطلب منها الصمود، ففاجؤوني بطلبهم مني ان اصمد انا. انا اريد ان اؤكد ان هذه هي حقيقة العرب الآن. لننس الجمل الانشائية التي نقولها دائما. هذا هو الواقع. ونحن رأينا جزءا من الواقع في القمم. لكن اقول ان هذا الوضع افقدنا الاحترام وافقدنا الفاعلية. الآن بدلا من ان نكون كلنا دولا عربية بصوت واحد، الآن لنا عدة اصوات والدول في كل العالم تتعامل معنا الآن بشكل منفصل. احد السفراء السوريين التقى مسؤولا اوروبيا. نحن دائما نطالب الاوروبيين بان يكونوا اكثر فاعلية ونلومهم لماذا لا تتخذون مواقف. فقال المسؤول الاوروبي للسفير بصراحة، نحن مواقفنا الاوروبية كدول وكاتحاد اوروبي افضل بكثير من مواقفكم انتم العرب. فلماذا تطالبوننا. وحدوا انفسكم واتخذوا قرارا ومن ثم تعالوا وعاتبونا. وهذا الكلام صحيح بمعنى اننا اصبحنا لا نستحيي فقط من مسؤول اوروبي يعطي نصائح كيف نتصرف بقضايانا. اصبحنا نستحيي من مواطن اجنبي اوروبي اسيوي او في اي مكان من العالم. راقبتم قمة /عدم الانحياز/، كانت المواقف الاسلامية افضل من المواقف العربية بالنسبة للموضوع العراقي. فالوضع ليس جيدا. هناك محور دولي تشكل ضد الحرب. نحن كلنا نعبر ونصرح باننا ضد الحرب. لكن ماذا فعلنا كي نستفيد من هذا المحور؟ لم نقف حتى على الحياد، نحن نضعف هذا المحور عندما نقوم بعمل سلبي لاننا نؤثر سلبا على هذا العمل. نحن نستطيع ان نعطي شرعية للحرب اكثر من اي جهة أخرى، من يستطيعون اعطاء الشرعية.. اكثر من يستطيع لاية حرب هم العراقيون انفسهم، تأتي بعدهم الدول العربية ولاحقا الآخرون. وهم يقولون لنا بصراحة دائما ان لم تكونوا معنا فعلى الاقل لا تعملوا ضدنا. هم يقاتلون ضد الحرب، ونحن عن حسن نية وعن بساطة نقوم بالعكس!. ‏ ‏

على كل حال سورية من خلال موقعها في مجلس الامن تحاول ان تكون صوتا‏ ‏ عربيا من خلال علاقاتها الدولية المباشرة مع الدول المناهضة للحرب، وحتى مع الدول التي تسعى إلى الحرب علاقاتنا جيدة، ونحاول ان نستثمرها من خلال قناعاتنا بغض النظر عن كل هذا الوضع العربي. والعلاقات الآن ممتازة وفاعلة. استطيع القول إنها فاعلة مع الدول المناهضة للحرب، وعلى رأسها /فرنسا/ وتحديدا مع الرئيس /جاك شيراك/ . ايها الاخوة، يمكن لأي منا ان يتساءل، داخل هذه الفوضى العالمية، اين هم العرب من الاساءة إلى تاريخهم وهويتهم واستقلالهم واستقرارهم وتهديد مستقبلهم؟ مازلنا، للاسف، بعيدين عن التأثير الجدي في مجرى الاحداث، بعيدين عن الاستجابة لها بطريقة ايجابية، مفتقدين للمبادرة في التعامل مع الاحداث، بحيث اصبحنا مضطرين للتعامل مع مبادرات الآخرين ومنطقهم وسياساتهم التي تعبر عن مصالحهم لا عن مصالحنا، وبدءا من تلمس الواقع وايجاد السبل المختلفة لتغييره. طغت علينا النزعة القدرية، ولكن ليس بمعنى الايمان بالقدر الذي يكتبه /الله/، ونحن نؤمن به، ولكن الاقدار التي ترسمها القوى الكبرى لنا ولمنطقتنا.

هكذا تعامل البعض منا مع عدد من القضايا المطروحة.. وبشكل خاص ما يتعلق‏ ‏ بالعراق، حيث بذلت /سورية/ كل جهد ممكن سواء في مجلس الامن، او من خلال الاتصالات مع دول العالم، للحيلولة دون تعرض /العراق/ للضربة العسكرية، التي لا تفتأ /الولايات المتحدة الاميركية/ تهدد بها، وتحشد الجيوش من اجلها. لقد اكدت /سورية/ في كل مواقفها على ضرورة تطبيق كافة قرارات /الامم المتحدة/ الخاصة بالمسألة العراقية، على الرغم من سيادة ازدواجية او تعددية المعايير، رغبة منا في حماية /العراق/. ولكن قرارات /مجلس الامن/ ليست فقط مسؤولية /العراق/، بل كل الدول المعنية وفي مقدمتها /الولايات المتحدة/. وبحسب تقرير المفتشين فان /العراق/ قد تعاون معهم، وما طلب منه لاحقا قام بتنفيذه، من تقديم بيانات وتدمير صواريخ. ولكن مهما يتعاون سيكون الرد: هذا غير كاف لان الهدف واضح. وفي الوقت الذي وجهوا انظار العالم باتجاه حرب على /العراق/، فانهم استخدموه كغطاء لسياسات /اسرائيل/ الاجرامية لارتكاب المزيد من المجازر ضد الفلسطينيين المدنيين الابرياء، وهدم منازلهم فوق رؤوسهم وتدمير البنى التحتية لمدنهم. والهدف الاساسي لكل ذلك كسر ارادة الشعب الفلسطيني الذي يزداد تصميمه على المقاومة بكل اشكالها الممكنة. وعملت /إسرائيل/ والدوائر المتحالفة معها على تحويل المشكلة من مشكلة احتلال واستيطان وقتل وتدمير إلى مشكلة ارهاب تدعيها /إسرائيل/. وبعد سنتين ونصف على اندلاع /الانتفاضة/ وسقوط آلاف الشهداء الفلسطينيين، مازال البعض منا يؤيد اية مبادرة مطروحة من دون تحفظ. لدرجة انه يقبلها بمجرد قراءة العنوان قبل ان يعرف او يعلن المضمون! قبل ان يعرف المسؤول ما هو المضمون. سألنا البعض في بعض الحالات عن المبادرة التي وافقوا عليها فتبين انهم لا يعرفون ما هي. هم وافقوا وحسب. وفي المقابل فان الإسرائيليين يرفضون كل مبادراتنا وآرائنا بل يرفضون وجودنا.‏ ‏

ومع ذلك، فسياسات البعض مازالت ترسم على ايقاع الانتخابات الإسرائيلية! وكأنهم ينتظرون ان يخرج منها منقذ يعيد الينا حقوقنا ويعتذر لنا عما لحق بنا جراء وجودهم في منطقتنا. وبعد كل المسايرات العربية التي كان بعض المسؤولين العرب يبررها على انها لحماية الشعب الفلسطيني، ماذا قدمنا ؟ لا شيء سوى المزيد من الشهداء الفلسطينيين، مقاوم واحد حقق اكثر مما حققناه بكثير. لكن هذا المقاوم وصف بالارهابي لدى بعض الاوساط الغربية، وكان محرجا لبعض الاطراف العربية. وتحولت المقاومة إلى ارهاب! والارهاب إلى دفاع عن النفس! ونسفت مفاهيم وشوهت مفاهيم أخرى، وحورت حقائق، واضيفت مصطلحات جديدة،وابتكرت الاساليب لتسويق كل ذلك! وبقينا نحن العرب، كالعادة، مستوردين لبضائعنا ومصدرين لبضائع الآخرين. هم يملون علينا المصطلح الذي نستخدمه في قضايانا .هم يقولون لنا هذا ارهابي وهذا مقاوم. على سبيل المثال الرئيس /رونالد ريغان/ في الثمانينات وصف المجاهدين الافغان بانهم اشخاص مقدسون. الآن نفس الشعب يوصف بأنه ارهابي. وكان علينا في ذلك الوقت ان نقول انهم مقدسون، والآن علينا ان نقول انهم ارهابيون . منذ فترة التقيت بمسؤول اجنبي ،السيد السفير بكل تأكيد كان حاضرا ويسمعنا الآن،كان هو يتحدث عن الانجازات التي حصلت في /سورية/ كيف يراها وكان يتحدث بشكل ايجابي . ‏ ‏ وصل إلى موضوع حرية التعبير وقال انتم في /سورية/ قطعتم خطوات جيدة وهامة في هذا الموضوع. نريد منكم ان تنطلقوا ايضا بخطوات اكبر فقلت له: انا افهم من كلامك انك تؤيد اعطاء حرية التعبير للمنظمات الفلسطينية الموجودة في /سورية/ . فكانت ردة الفعل العفوية بان قال: لا. ثم صمت وقال شكرا لانك نبهتني . طبعا نحن لا نلوم هذا المسؤول . هناك ما اسميها خوارزمية التفكير اي التسلسل المنطقي للتفكير الذي زرع في رأس كل او اغلب الاشخاص الموجودين خارج المنطقة بسبب الدعاية الصهيونية من جانب، ولكن بسبب غيابنا ايضا من جانب آخر . نحن نساهم بقسط كبير في هذا الخلل . هنا يقع احدهم في التناقض هو يطالب بحرية التعبير ومن جانب آخر يرفض حرية التعبير كيف؟ كان المبرر ان الارهابي لا يحق له ان يعبر عن نفسه، من الذي وضع هذه القاعدة ؟ بغض النظر عن تعريف منظمة ارهابية ام لا. ‏ ‏

الحقيقة نحن لا ندافع عن المصطلحات، كما قلت، نحن نستورد بضائعنا. هم يقولون لنا كذا وكذا. ونحن كلنا نسوق سواء كمسؤولين واحيانا كصحافة، اعلام، يلقون لنا الطعم، ونحن نتمسك بهذا الطعم، لان ما يقومون به هو انهم يأخذون مصطلحا ويلقون به في الساحة الاعلامية، ومن ثم يتحول هذا المصطلح الى شتيمة او شيء من الاهانة او الهجوم.على سبيل المثال، انا اذكر /سناء محيدلي/ فقد وضعت صورها على اغلفة الصحافة، لا اذكر بالتحديد اية مجلة في ذلك الوقت..ولكن كتب عنها كلام جميل بانها تضحي بنفسها من اجل بلدها. الآن هناك استشهاديون بنفس الطريقة ولكن الوقت اصبح معاكسا. سوقوا بان ما يسمونه « القنابل الانتحارية» هو مفهوم سيء.وهذا المفهوم اصبح محرجا للبعض في المنطقة، ولا احد يدافع عنه.يقال له القنابل الانتحارية يجب ان تتوقف، يبدأ بالتحدث عن السلام، ويهرب من القصة. وكأننا مذنبون لان هناك استشهاديين من بيننا.انا تعرضت كثيرا لنقاش حول هذه النقطة.ودائما يسألون سؤالا محددا..لماذا لا تدينون تلك العمليات الانتحارية.اثبتوا انكم مع السلام لكي تدينوها. هذا يعني انهم يقولون لنا كيف نثبت اننا مع السلام، ويحددون لنا الطريق، ونحن لا نعرف كيف هو هذا الطريق.قلت لهم اولا بالنسبة للادانة،ماذا تريدون منا ان ندين، جزء من هذا الكلام ظهر في الصحافة. لكن سأروي الآن كل النقاش: كنت اسأل ماذا ندين ؟هناك كلمتان لا علاقة لهما ببعض وضعتموهما في مصطلح واحد.قنابل وانتحاريون.نناقش مصطلح الانتحاري.اذا كنتم ضد الانتحار فدعونا نصدر بيانا نحن وانتم كلما انتحر مواطن في اوروبا نصدر بيان ادانة وندين هذا المنتحر في اوروبا لنرى ان كنتم ضد الانتحار. وبما انكم لا تقومون بهذا الشيء، فانتم لستم ضد هذا المصطلح.انتم ضد المصطلح الثاني.لا يهم المصطلح الثاني وهو القنبلة.النتيجة هو القتل.لا يهم اذا كان القتل بانتحاري او بقنبلة او بمسدس.النتيجة النهائية هي ان الشخص سيموت. ‏ ‏

الآن دعونا نناقش موضوع القنبلة وان اتحدث كحيادي.هناك شخصان بل‏ طرفان.مع اننا نرفض كلمة طرف لانهما ليسا طرفين، لكن بشكل حيادي هناك طرفان.الاول يمتلك قنبلة والثاني يمتلك قنبلة.الطرف الاول اراد ان يقتل الطرف الثاني، فبحث عن وسيلة لكي ينقل بها هذه القنبلة، ورأى هناك صاروخا اومدفعا او دبابة او طائرة.وضع هذه القنبلة في هذه الوسيلة فقتل البعض من الطرف الثاني. اما الطرف الثاني فقد اراد ان يقوم بنفس العمل، اي ينقل القنبلة ليقتل بها الطرف الاول.بحث عن وسيلة فلم يجد لامدفعا ولا دبابة ولاصاروخا، فاضطر ان يأخذ هذه القنبلة بيده ففجرها وقام بنفس العمل. الفعل نفسه.هو نفس الفعل ونفس النتيجة، ولكن اختلفت الوسائل. فاذا كنت ضد هذا المصطلح فمن منطلق حيادي ادين الطرفين بالتساوي.نحن نقبل ذلك الآن ما هو الفرق، الطرف الاول لديه دولة، بينما الطرف الثاني ليست له دولة.الطرف الاول لديه جيش، اما الطرف الثاني فليس لديه جيش. الطرف الاول محتل، والطرف الثاني فأرضه محتلة.الطرف الاول هو من يبدأ، الطرف الثاني تبعه.الطرف الاول سبب، الطرف الثاني نتيجة.من غير المعقول اذا اردت ان تتعامل مع شيء ان تتعامل مع النتيجة.عليك ان تتعامل مع السبب.فاذا ًعليكم ان تدينوا السبب، وعندها ستصلون الى السلام الذي تتحدثون عنه. لكن بالنسبة لموضوع الادانة، نحن في /سورية/ لا نتدخل، نحن لا نؤيد استشهاديا او شخصا القى حجرا او ندين. نحن نؤيد المقاومة.اي شعب له حقوق او ارض محتلة من حقه المقاومة.في نفس الوقت لماذا لا ندين؟لاننا اذا ادنا لن نخفض العمليات في كل الاحوال.واذا ايدنا لن تزداد لانها لا ترتكز الى الادانة ولا الى التأييد، بل ترتكز الى واقع معين، وهذا الواقع هو القتل والارهاب المستمر يوميا.فاذا اردتم انتم كأجانب،بغض النظر عن اي مسؤول كنا نتحدث، فاذا اردتم ان تستمروا في الادانة، فبامكانكم ان تدينوا الف مرة في اليوم. ولكن لن تصلوا الى نتائج. اذا اردتم فعلا، اذا كنتم منزعجين من كل هذه الاشياء التي تحصل، فتعاملوا مع السبب. وقد اعطيتم مثلا في ذلك الوقت عن تلك المرأة التي استشهدت وهي في منزلها، دخلت قذيفة داخل المنزل وقتلتها،وكانت هي مع ابنها وابنتها منذ اشهر قليلة.قلت لهم هل تتوقعون ان الابن والابنة سيفكران الآن كيف سيأخذان البكالوريا، وكيف سيدخلان الى الجامعة، وكل هذا الكلام. لقد قتلوا فيهما كل الطموحات.انهم سيفكرون كيف سيكونون قنابل انتحارية. ‏ ‏

‏ ما اريد ان اصل اليه ان علينا الا نقبل باي مصطلح يأتي من الغرب. وعلينا‏ ‏ الا نخجل من مواجهة اي شخص يأتينا من الخارج ليعطينا دروسا. لا احد يستطيع ان يعطينا دروسا. وفعلا في كل نقاش نناقشه معهم، والكثيرون منهم موضوعيون، يقبلون هذا الكلام. هم ليسوا متعنتين عندما يناقش الانسان بمنطق. ولكن نحن نهرب من النقاش. نريد منهم ان يتغيروا ونقول لهم لماذا تظلموننا؟ ونحن نهرب من ان ندافع عن انفسنا. فكيف اذاً يدافعوا عنا؟ ونحن لا ندافع عن انفسنا؟ علينا دائما ان نخلق المصطلحات، ان نبتكر المصطلحات التي تتعلق بقضايانا. وبالعودة إلى بعض ما قلته في البداية في الكلام عن الانتهازيين، عندما يخترعون مصطلحا انهم يفصّلون وطنا على قياس المصطلح، وليس مصطلحا على قياس الوطن. فاذاً يجب ان يكون المصطلح يتناسب بالحجم وبالشكل ويفصل على قياس الوطن. اذا اتينا بمصطلح صغير لوطن كبير سوف نخنق المواطنين والوطن. واذا اتينا بمصطلح شكله لا يتناسب مع شكل الوطن فسوف يتحول الوطن إلى مسخ، وهذا الشيء طبعا مرفوض بكل تأكيد. ولكن الواقع اقوى من كل المصطلحات والتعابير المصطنعة لتغطيته فهو الذي يصنعها وليس العكس. اي ان الواقع يضع المصطلحات وستثبت الايام، او انها اثبتت، ان القتل يقابله القتل، وان اعادة الحقوق فقط يقابلها السلام، فعلى الإسرائيليين ان يتعظوا. ‏ ‏

 

ايها الاخوة،‏ ‏

كلنا يعيش يوميا في حالة ترقب لما سيحصل في الغد،. وكلنا يتابع هذه الاجواء الدولية المضطربة المنفلته من اي ضابط والمخالفة لأي منطق. وهذا الواقع الدولي هو النتاج الطبيعي لعالم معاصر تتداخل فيه القوى والسياسات، وتعصف به تغيرات مذهلة نرى نتائجها في مناطق مختلفة من العالم، بدءا بنذر الحرب على /العراق/، والقتل اليومي والتشريد المستمر والمنهجي لشعبنا الفلسطيني، مرورا بالحرب على الارهاب، التي تحولت في نظر البعض حربا على الاسلام وادت إلى تزايد الارهاب بدلا من اجتثاثه، وصولا إلى ازمة /كشمير/ التي كادت تشعل حربا مدمرة، إلى الازمة التي تهدد شبه الجزيرة الكورية، وانتهاء بمحاولات السيطرة على العالم من قبل قوة وحيدة تريد ان تحتكر لنفسها كل شيء. وفي الوقت عينه تقف المنظمات الدولية عاجزة عن تحقيق الحد الادنى من دورها المأمول للحفاظ على استقرار المجتمع الدولي، بشكل يجعلها امام تحد حقيقي بين ان تكون امينة لمبادئها وميثاقها في اقرار مبادئ الحق والمشروعية، وعدم جواز التهديد باستخدام القوة، وحل الصراعات بالطريقة السلمية، وعدم شرعية التدخل في شؤون الآخرين، وبين ان تكون تحت وصاية بعض القوى التي تعمل على التحكم بها لتحقيق مصالحها. وفي الوقت الذي ظن كثيرون ان ما سمي بالنظام العالمي الجديد قد يهيئ مناخا جديدا لنمو العلاقات الانسانية المبنية على التفاهم واحترام العيش المشترك ويطفئ بؤر التوتر في العالم، نجد انفسنا امام نظام يكرس كل مظاهر الاضطراب والفوضى والظلم واللاعقلانية. فلم يعد مهما ان كنت على حق ام لا! ولا قيمة لحجتك اذا كانت صحيحة ام غير صحيحة، مقبولة ام غير مقبولة. فنحن نعيش في عالم يتساوى فيه المنطق مع اللامنطق، وما بقيت له كل القيمة هو القوة بكل معانيها وادواتها. وليس بالضرورة ان تعني الجانب العسكري، بل جوانب أخرى اقتصادية وتقنية ومعرفية وغيرها. ومن يمتلك هذه العناصر يمتلك اوراق القوة، ومن لا يمتلكها ليس له موقع ولا كلمة في المستقبل. ‏ ‏

وعلينا كعرب امتلاك ما نستطيع من هذه الاوراق حفاظا على مستقبلنا.. اما‏ ‏ المسايرات غير المحدودة للآخرين، والتي اصبحنا معروفين بها على مستوى العالم، فنتائجها مؤقتة. وكل طلب نلبيه اليوم سوف يليه طلب آخر غدا. وتستمر التنازلات دون مقابل ويستمر النزيف، ويبدو النفق ،في هذه الحالة، دون نهاية. فلنقف بثبات مكاننا ولنتمسك بمصالحنا ومبادئنا وكرامتنا. ففي عالم تفقد فيه الاخلاق قيمتها وتسوده الصفقات المشبوهة وتحكمه شريعة الغاب لا مكان فيه عند الآخرين لطيب القلب وحسن النية في التعامل مع قضايانا المصيرية، بل لقوة الارادة ولصلابة الموقف المقرونة بالحجة الدامغة المستندة إلى حقوقنا واسباب قوتنا الذاتية . علينا ان نسعى إلى كسب احترام الآخرين قبل محبتهم، وان لم نحترم انفسنا فلن يحترمنا احد. وان لم نمتلك قرارنا فلن يرحمنا مستبد، وان لم نكسب غذاءنا فلن يطعمنا عدو. هذه هي رؤيتنا. وانطلاقا من هذه الرؤية لموقعنا ودورنا، عملنا على تدعيم بنائنا الداخلي وتطوير مؤسساتنا من خلال افساح المجال لمشاركة اوسع في العمل الوطني لكافة القوى والتنظيمات والفعاليات المؤمنة بقضايا الوطن وثوابته . واكدنا على تفعيل دور /الجبهة الوطنية التقدمية/ ،وتحقيق حضور متنام لاحزابها من خلال مشاركتهم الجادة في مواقع العمل السياسي والاداري . كما عملنا على افتتاح مقرات لاحزاب الجبهة في المحافظات، بالاضافة إلى السماح باصدار صحف ناطقة باسم هذه الاحزاب، وكذلك صحف مستقلة. ‏ ‏ كما سعينا إلى توفير المناخات الملائمة لعملية الاصلاح الاقتصادي، ونعني بذلك التشريعات التي صدرت والمؤسسات المتصلة بها . وكان توجهنا ان نفسح المجال واسعا للقطاع الخاص  إلى جانب تطوير القطاع العام. وفي كل ذلك، كان حرصنا كبيرا على اغناء مناخات الحوار في كل المجالات، وفي كل الاتجاهات، سواء بين الدولة والمواطن، او بين المؤسسات المختلفة الحكومية وغير الحكومية التي تمثل الشرائح المختلفة، بالشكل الذي يعزز اداءنا على المستويات كافة، ويوسع فرص التفاعل بين مختلف الفعاليات في بلدنا، ويصون الوحدة الوطنية. ولاشك ان كل ذلك بحاجة إلى متابعة مستمرة لتطويره بما ينسجم مع واقع العمل الجماهيري والشعبي. وهنا اعود للتأكيد عليكم في هذا المجلس، ان تقوموا بهذا الدور على اكمل وجه. فحافظوا على صلاتكم مع المواطنين، وتذكروا ان كل واحد فيكم يمثل كل الوطن، وبالتالي فهو معني بمشكلاته جميعها. تفهموا مشكلات الناس، تفاعلوا معهم، كونوا عونا لهم، اعملوا على تذليل الصعوبات التي تعترضهم، وضعوا نصب اعينكم ان نجاحكم مرهون بحل مثل هذه المشكلات والمصاعب. عززوا دوركم الرقابي بوعي ومسؤولية على اداء المؤسسات الادارية والخدمية، وقوموا بدوركم الوطني في الكشف عن مكامن الهدر وفي محاسبة المفسدين. ‏ ‏

حصانتكم هي اخلاقكم وقيمكم، فاجعلوها منطلقكم في اي عمل. فأية عملية‏ ‏تطوير لا ترتكز إلى الاخلاق تصبح ضارة. عليكم ان تصونوا قيم الوطن والشعب، وان تتمثلوا في ذلك سلوك القائد الخالد /حافظ الأسد/ سلوك النزاهة والاستقامة والارتباط بالشعب، وان تستلهموا قيمه واخلاقه قيم الحق والخير والعدالة.‏ ‏ 

ايتها السيدات، ايها السادة،

ان عملية التنمية المتكاملة التي نقوم بها لا بد ان تؤتي ثمارها بتضافر جهودنا جميعا، ولا بد ان تنعكس بصورة مرضية على حياة المواطنين. وهي ستؤدي في الوقت عينه إلى تطوير قدراتنا الذاتية وتحصين مواقعنا في مواجهة الهجمة الإسرائيلية الشرسة، وتعزز جهودنا المستمرة لاستعادة حقوقنا المشروعة، وفي مقدمتها الجولان المحتل. في الوقت الذي نعمل فيه على استعادة كافة الحقوق العربية المسلوبة، وضمان حق الشعب العربي الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، والانسحاب من الاراضي المحتلة في /جنوب لبنان/، وهذا يدفعنا إلى بذل كل الجهود لتدعيم قواتنا المسلحة كي تبقى سياج الوطن ودرع الشعب الذي يصون الشرف ويدافع عن الارض ويحمي حدود الوطن. تحية إلى الابطال الصامدين في /الجولان/ و/فلسطين/ و/جنوب لبنان/، وتحية إلى كل مواطن لبناني اتى بالامس من /لبنان/ للمشاركة بمسيرة الكرامة والوفاء. وستبقى /سورية/ تصون الكرامة وفية للبنان والعرب. واهنئكم، مرة أخرى، بثقة الجماهير، ولنكن متفائلين بالمستقبل. تفاؤلنا بهذه المواسم الخيرة التي عمت البلاد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏