صاحب السمو الاخ رئيس المؤتمر

 

ايها الاخوة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يسرنى فى مستهل كلمتى ان اتوجه بخالص التحية الى سمو الشيخ /حمد بن خليفة ال ثانى/ رئيس المؤتمر متمنيا له التوفيق فى ادارة اعمال موءتمرنا، والى شعب دولة /قطر/ الشقيق ،متمنيا له دوام التقدم والازدهار. ومن دواعى سرورى ايضا ان اعرب عن وافر الشكر والتقدير لحجة الاسلام /السيد محمد خاتمى/ رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية الذى ادار بحكمة وكفاءة رئاسة المؤتمر الاسلامى خلال السنين التى تولى فيها رئاسة القمة الاسلامية. جلستنا هذه هى جلسة من اجل مايحدث الان فى /فلسطين/ فى الانتفاضة. ولن اتحدث عنها بشكل مباشر لن اتحدث عن بطولات الشعب الفلسطينى عن الشهداء الذين سقطوا ولاعن بطولات شبان الانتفاضة، ولاعن الاجرام الإسرائيلى فقد تكلم الاعلام بما فيه الكفاية. والكل يعرف مايحصل الان فى /فلسطين/ وعن الحقوق الفلسطينية وماذا تعنى وكيف تعود. ونحن هنا لكى نحلل الاسباب بهدف ايجاد الحلول الممكنة لما يجرى. طبعا قضية /الاقصى/ ليست قضية مجردة بل هى او غالبا ماتكون نتيجة لعوامل اخرى، /الاقصى/ و/القدس/ وقضية فلسطين هى جزء من الصراع العربى الإسرائيلى، والذى يتأثر بالوضع الاسلامى. والذى هو جزء من الوضع الدولى. وبالتالى ثغرات الوضع الدولى تنعكس على العالم الاسلامى وثغرات العالم الاسلامى تنعكس على الوضع العربى، الذى بدوره ينعكس على الوضع الفلسطينى، وقضية /القدس/ او الانتفاضة. وبالتالى نحن كدول اسلامية لانستطيع ان نتعامل مع القضية الفلسطينية، اذا لم نكن قادرين على التعامل مع الوضع العام المؤثر فيها بشكل فاعل وجدى .

 ايها الاخوة،

لانأتى بجديد اذا قلنا ان موءتمرنا هذا ينعقد فى ظل ظروف بالغة التعقيد. فمنذ انعقاد موءتمر منظمتنا الاول عام/1969/ لم تكن الظروف طبيعية او عادية ولم يكن الخطر بعيدا جدا عن شعوبنا. ومااختلف منذ ذلك الوقت حتى الان ان هذا الخطر اصبح داهما واقترب كثيرا من نقطة التفجير الشامل للوضع المهيأ اساسا للانفجار. وفى الفواصل الزمنية بين مؤتمراتنا، كنا نشهد المزيد من ازهاق الارواح فى منطقتنا، ونرى الامة العربية والاسلامية تضيف الى رصيدها المزيد من الفقر والجوع والكثير من الظلم والاضطهاد. كما رأيناها تبتعد اكثر فاكثر عن هويتها حتى تكاد تذوب فى هويات الاخرين. وفى المقابل كانت دول اخرى تزداد طغيانا واستغلالا ويشرعن قتلها وتدميرها للغير مما ادى الى تزايد شدة التناقضات والمفارقات فى مناطق مختلة من العالم. وبنظرة متأملة للعقود الماضية، نرى ان نقلة تراجعية كبيرة الى الوراء قد تمت بالنسبة الى دول المنطقة، ترافقت مع ظهور مفاهيم جديدة مختلفة، وخاصة فى العقد الماضى وفى مقدمتها مفهوم النظام الدولى الجديد، او مايسميه البعض بالعولمة، وهى طبعا شىء مختلف عن النظام الدولى ولكننا نرى ان هناك خلطا بين المصطلحين عن معرفة او عن عدم معرفة. فالعولمة تلك الحالة الثقافية الاقتصادية السياسية ليست حالة جديدة كما يعتقد الكثيرون، فالاسلام تجاوز منذ ظهوره الحدود الجغرافية والقوميات والثقافات المختلفة ولكنه لم يلغها.

 بل اكد على الالتزام بالوطن والامة بانيا ذلك على اسس سليمة مختلفة الى حد كبير عما نراه فى حالتنا الراهنة. وبالتالى فان السلبيات والمصاعب التى نعانى منها فى الوقت الحاضر هى ليست نتيجة مطلقة للعولمة، التى يمكن ان تكون حالة مليئة بالايجابيات ان استندت الى مااستند اليه الاسلام من العدل والمساواة، اضافة الى مبادئه السمحة الاخرى. اما النظام الدولى الجديد فهو ليس كذلك بمعناه الحرفى فكلمة دولى تفهم على انها مشاركة دول العالم كافة واتفاقها على طريقة او اسلوب معين لادارة هذا العالم بالشكل الذى يحقق مصالحها بلا استثناء. اما مانراه اليوم وماعشناه خلال السنوات القليلة الماضية فهو ليس نظاما دوليا بل هو نظام دولة او بضع دول على هذه الكرة الارضية. اما ماتبقى منها فهو دول سابحة فى هذا النظام الغريب بعضها يعوم على السطح بصعوبة، وعليه ان يثبت وباستمرار حسن النيات والطاعة والالتزام. ومع ذلك فهو دائما مخطىء ومطلوب منه ان يكفر عن ذنوبه. وبعضها الاخر غارق فى القاع الى اجل غير مسمى. واصبح كل مايتماشى مع رغبات تلك الدول الكبرى ديمقراطية وعدلا وكل مايحقق مصالحها هو حقوق انسان وحضارة بشرية. وبغض النظر عن تسمية او تسميات مختلفة تطلق على هذا النظام او نظريات تظهر من وقت الى اخر بعضها يدعو للخضوع له وبعضها الاخر للحذر منه وغيرها لمقاومته فهو فى الواقع يمثل مشهدا متكاملا لغياب التوازن فى عالمنا الحالى. وهذا التوازن المقصود ليس بالضرورة ذا طبيعة اقتصادية او عسكرية بل هو توازن قيم واخلاق ومفاهيم. هو توازن عدل وانصاف بين الشعوب والامم بين الغرب والشرق بين الشمال والجنوب. فلا يجوز ان توصف المقاومة من اجل تحرير الارض نضالا فى مكان ما وارهابا فى مكان اخر. ولاحقوق الانسان هى حقوق للدولة فى بلد، وبالعكس فى بلد اخر. كما تم وصف الديمقراطية لدى شعب ما بالتخلف، بينما رقيت الفوضى الى مرتبة ديمقراطية لدى شعب ثان. ولعل اخطر المفارقات الناجمة عن هذا الوضع هو تصنيف البشر باصناف لانعرف ماهى معاييرها. فعلى سبيل المثال نرى بان مقتل جنديين من القتلة فى الجيش الإسرائيلى هو اهم بكثير من استشهاد العشرات من الابرياء العرب المسلمين والمسيحيين فى /فلسطين/ والالاف فى /لبنان/ ودول عربية واسلامية اخرى. كما ان اسر ثلاثة محتلين فى الاراضى اللبنانية المحتلة يقيم الدنيا ولايقعدها، بينما عشرات من المختطفين اللبنانيين والسوريين والمئات من المعتقلين الفلسطينيين والعرب لاتحرك شيئا لدى المجتمع الدولى. ولم يعد مستغربا ان تصدر لوائح تحدد فيها قيمة الانسان لدى شعب ومايقابلها لدى الشعوب الاخرى. اما الديمقراطية فقد اصبحت تفسر على انها حق التدخل فى الشؤون الداخلية للدول والشعوب الاخرى. وعندما تطالب تلك الدول بديمقراطية العلاقة مع الاخرين تعطى دروسا فى قبول الرأى الاخر من قبل من يرفضون الاخر رأيا ووجودا ودينا ومبادىء حق وخير. هذا الوضع الذى اتحدث عنه اكثر من عانى منه هو شعوبنا الاسلامية فخلال المرحلة التى تلت الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينات، اى الفترة المسماة بحقبة الحرب الباردة ظهر الصراع جليا بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية. وقد خلق هذا الصراع محاور وتجمعات متباينة وهيمنة دول على دول اخرى بحجج مختلفة. وكان هناك بنفس الوقت دعوات لحوار الحضارات هذه الدعوات تزايدت بعد انتهاء تلك الحقبة مع تزايد القناعة بزوال اسباب التوتر الدولى. وعلى مايبدو ان هذا لم يكن مناسبا لمصالح البعض. لذا كان لابد لهم من ابتداع عدو جديد للابقاء على حالة التوتر ومايعنيه من ابقاء اسباب ومبررات الهيمنة على دول ومناطق متعددة فى العالم. هذا العدو الجديد الذى ظهر فى التسعينات هو ديننا الاسلامى الحنيف دين الاخلاق والعدل والمحبة الذى تم تشويهه اعلاميا وتثقيفيا وتربويا ليغدو دين القتل والتطرف والارهاب! فكلما حدث اضطراب فى منطقة ما من العالم وجهت اصابع الاتهام للاسلام، ولو لم يكن للمسلمين وجود فى تلك المنطقة! وكل عملية تخريب او عمل ارهابى منفذه هو مسلم حتى يثبت العكس! وغالبا مايثبت العكس. اما الاتهام فيبقى كما هو! وبالتوازى حورب الاسلام الصحيح من خلال تغذية التطرف واستخدامه فى ضرب الاسلام والمسلمين. والان يصور هذا التطرف الذى جرت تنميته من خارج الامة الاسلامية على انه الاسلام الحقيقى. وذلك امعانا فى تشويه صورته الناصعة و/إسرائيل/ ابرع من شوه هذه الصورة. واية صورة حقيقية اخرى ولاأدل على براعتها من استغاثاتها التى نسمعها اليوم حول مايحصل فى /القدس/ وبقية الاراضى العربية المحتلة. فهى تطالب وبشكل يستفز المشاعربوقف العنف الفلسطينى، وبوقف تدمير الدبابات الإسرائيلية بحجارة اطفال وشباب الانتفاضة! فهى تظهر الضحية بمظهر المجرم والقاتل بمظهر البرىء! ولم يعد للشعب الفلسطينى الذى عاش على ارض /فلسطين/ ولالاف السنين دون انقطاع الحق فى ان يعيش على ارض اجداده. بل ان /المسجد الاقصى/ اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين اصبح هو الاخر معتديا على اساطير وخرافات يريدون ان يقنعوا العالم بوجودها، ولو اضطرهم ذلك الى تزييف التاريخ. ووضعوا امام العرب والمسلمين خيارين اما ان يبقى المسجد تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، مع مايعنى ذلك من احتمال تدميره فى المستقبل، او ان يضعوه تحت السيادة السماوية، بحسب قولهم، وبالتالى امكان قصفه بالطائرات متى شاؤوا مع الاحتفاظ بالسيادة الإسرائيلية تحت الارض. وبالتالى سحب تلك الارض من تحته وسحب البساط من تحت التاريخ والوجود الاسلامى فى ارض /فلسطين/! وهنا تظهر عنصرية /إسرائيل/ بوضوح تام، فالاقصى ببعده الاسلامى و/القدس/ ببعدها العربى الاسلامى المسيحى اصبحا خطرا يهدد المزاعم الصهيونية التوسعية التاريخية. وبالتالى فهم فى سعى دائم لنسف تلك الابعاد وطمسها. وهذا الكلام ليس من بنات افكارنا. كما انه لايستند الى توقعات وتحاليل من لاشىء بل هو نابع من تاريخ /إسرائيل/ وممارستها منذ اعلان قيامها عام/1948/. والذى اذا تجاوزنا منه مجازر لاتعد ولاتحصى فاننا لانستطيع تجاوز محاولة حرق المسجد الاقصى منذ اكثر من ثلاثين عاما، والتى كانت سببا اساسيا فى انعقاد موءتمرنا الاول، مرورا بمحاولات تهويد القدس المستمرة من خلال القضاء على معالمها الاسلامية والمسيحية، والتأكيد على انها عاصمة موحدة وابدية لإسرائيل، على الرغم من ان /التوراة/ تتحدث عن ارض /كنعان/ التى هى /فلسطين/. والكنعانيون وهم قبائل عربية اسسوا /القدس/ قبل ثلاثة الاف سنة، قبل المسيح اى قبل خمسة الاف سنة من اليوم. ولم يكن وجود العبرانيين فى فلسطين عبر التاريخ الا وجودا عابرا ومتباعدا، كاقلية ضمن سكان البلاد الاصليين. ان هذه العنجهية الإسرائيلية والممارسات البعيدة كل البعد عن اخلاقيات وتعاليم اى دين من الاديان السماوية لم تكن لتحدث لولا توفر التشجيع والدعم لها من دول وجهات متعددة. فالإسرائيليون يقتلون والعرب والمسلمون يتهمون بالارهاب ومعاداة السامية مع معرفتهم الاكيدة باننا ساميون وسابقون على غيرنا من الساميين. هم يسحقون مبادىء حقوق الانسان، ونحن ندان ونوصف باللاانسانيين والمتخلفين. ومن ثم يشتمون النازيين القدامى ويمارسون نازية جديدة لم نقرأ عن مثلها فى التاريخ. الإسرائيليون يكدسون جميع اسلحة الدمار الشامل، وفى مقدمتها الاسلحة النووية، وتتحرك حكوماتنا للطلب من الدول والجهات المعنية للسعى الى ازالة هذه الاسلحة، فيأتى الجواب بقصف مصنع للادوية فى /السودان/. وهم لو سئلوا فلكل شىء عندهم جواب سوف يقولون انها ادوية دمار شامل. الإسرائيليون يخرقون ميثاق الامم المتحدة من الفه الى يائه، وتحاصر /ليبيا/ وغيرها من الدول. يدمر /العراق/ من اجل قرارات الامم المتحدة وتدمر قرارات الامم المتحدة من اجل /إسرائيل/. ومن الامور المؤسفة والمضحكة فى نفس الوقت ان بعض قرارات مجلس الامن تفسر بحسب خطوط الطول والعرض، وبحسب الدول التى تطبق عليها. كل هذا لايغير قناعاتنا بضرورة التوصل الى سلام عادل وشامل مبنى على قرارات الامم المتحدة ومستند الى مبدأ الارض مقابل السلام، ويتضمن الانسحاب الإسرائيلى من الجولان المحتل والاراضى الفلسطينية المحتلة حتى خط الرابع من حزيران عام/1967/، بالاضافة الى استكمال انسحاب /إسرائيل/ من الاراضى اللبنانية المحتلة، واعطاء الشعب الفلسطينى حقوقه الكاملة بما فيها حق تقرير المصير وعودة اللاجئين ودولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها /القدس/، واطلاق المعتقلين العرب كافة من المعتقلات والسجون الإسرائيلية. هذا موقفنا نردده على كل منبر وفى كل مناسبة مؤكدين على ان البشر لم يقسموا الى شعب مختار وشعوب اخرى اتت بالصدفة. فكل مخلوق على الارض مختار من /الله تعالى/ الذى هو مصدر العدل فى هذا الكون، والذى لم يعط الارض لمن لايملكها، وسيعيدها الى من عاش عليها لالاف السنين، مهما طال الزمن، ومهما كثرت التضحيات. 

ايها الاخوة،

ان توقعات شعوبنا منا كثيرة وكبيرة. واحباطاتها فى الماضى والحاضر اكبر. لكن هذا لايمنعنا من التفاوءل. فكلنا يقدر الظروف المختلفة ويعرف الامكانياتز وهى لاتطالب باكثر من الحد الممكن الذى تستطيع دولنا القيام به. خاصة ان قناعة تولدت لدى الكثيرين فى هذه الشعوب بان عدة دول، وعلى رأسها /إسرائيل/ لاتريد الخيرلنا وتسعى لابقائنا على اوضاعنا الراهنة من فقر وتخلف، لكى نبقى ندفع الثمن، وهم يقبضون ماديا ومعنويا. واذا كنا نجتمع هنا ليس بهدف الدعوة الى الحرب، وانما لاسماع صوتنا للعالم باكمله كحد ادنى. فليكن هذا الصوت عاليا، والا بقى داخل هذه القاعة من دون اى اثر او قيمة. ومن هنا نطالب بقطع العلاقات مع /إسرائيل/ بهدف زجرها وردعها عن الاستمرار باعمالها الاجرامية ضد الشعب الفلسطينى والمس بمقدساتنا الاسلامية والمسيحية وشعائرنا ومعتقداتنا. ونؤكد على ان مصير /المسجد الاقصى/ هو محور الصراع الدائر حاليا بين الصهاينة والمسلمين. ويخطىء من يعتقد ان العلاقة مع /إسرائيل/ تساهم فى حماية هذا الصرح، وحماية الشعب الفلسطينى. بل الامر على العكس من ذلك، انها تساهم فى تدميره. وهذا يحرمه الاسلام. كذلك يجب دعم صمود الشعب الفلسطينى، من خلال ايجاد السبل الكفيلة بترسيخ وجود هذا الشعب فى ارضه، وتأمين وسائل صموده. ولاننسى ان نوءكد ايضا على اهمية العلاقات المتينة بين دولنا وشعوبنا وتعزيز التضامن والتكامل فيما بيننا فى المجالات كافة. 

ايها السادة،

نتمنى ان لايكون موءتمرنا هذا هو مؤتمر اثبات حسن النيات فقط. فديننا هو دين النيات الطيبات والعمل الصالح. اما الطاعة فهى لله وحده والالتزام بالاسلام والامة والوطن. ولتكن هذه القمة لقاء من اجل اثبات الرغبة والقدرة على ان يكون لنا مكان فى العالم. وكما قال الرسول الاعظم فى حديثه الشريف "المؤمن القوى خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف".

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.