القى السيد الرئيس /بشار الأسد/ كلمة عقب ادائه القسم الدستورى امام الجلسة الاستثنائية لمجلس الشعب فيما يلى نصها

السيد رئيس مجلس الشعب،

السيدات والسادة اعضاء المجلس،

لا يسعنى وانا اقف اليوم فى رحاب هذا المجلس الكريم الا ان استهل كلمتى بالتوجه بالحمد والشكر لله العلى القدير ان شد ازرنا فى هذا البلد الصامد وهيأ لنا ما ساعدنا على تحمل مصابنا الاليم كما اتوجه بالشكر لكم على ثقتكم الغالية التى منحتمونى اياها. والتى عبرتم عنها باقراركم ماجاء فى كتاب القيادة القطرية لحزب البعث العربى الاشتراكى المتضمنة ترشيحى لمنصب رئيس الجمهورية. واثمن الجهود التى بذلتموها فى مناقشاتكم المتعلقة بمضمون هذه الرسالة، والتى اظهرت تحليكم الرفيع بالشعور بالمسؤولية واحساسكم الدافق بالروح الوطنية.

ومن على هذا المنبر اتوجه بالشكر الخاص لابناء شعبنا بكل فئاته رجالا ونساء كبارا وصغارا داخل سورية وخارجها، الذين منحونى ثقتهم من خلال الادلاء باصواتهم فى الاستفتاء، ومشاركتهم فى هذا الواجب الوطنى. والذين احاطونى بالحب والوفاء مما كان له اعمق الاثر فى نفسى وامدنى بالقوة ومنحنى التفاؤل بالمستقبل.

ان النتيجة التى اسفر عنها الاستفتاء هى تعبير عن ارادة الشعب، ولا املك الا ان استجيب لها واقبلها راضيا وان احمل الامانة التى تفرضها، وان انهض بالاعباء واضطلع بالمهام المتعلقة باداء ذلك الواجب فى هذه الظروف البالغة الدقة والحساسية التى يمر فيها وطننا وامتنا والعالم بصورة عامة، ساعيا لقيادة الوطن نحو مستقبل ننشد جميعا ان يكون محققا لامال الشعب وتطلعاته وطموحاته المشروعة.

وهذه المهام صعبة بمقدار ما هى سهلة. وسهولتها تأتى من كون القائد الخالد-رحمه الله- قد هيأ لنا ارضية صلبة واساسا متينا وتراثا عظيما من القيم والمبادىء، والتى دافع عنها وبقى متمسكا بها حتى انتقل الى جوار ربه. اضافة الى البنية التحتية والانجازات الكبيرة فى المجالات كافة. وعلى امتداد ساحة الوطن التى تمكننا من الانطلاق بقوة وثقة نحو المستقبل المنشود. اما صعوبتها فتأتى من حقيقة ان نهج القائد الأسد كان نهجا متميزا وبالتالى فان الحفاظ على هذا النهج ليس بالامر السهل، وخاصة اننا لسنا مطالبين فقط بالحفاظ عليه، وانما بتطويره ايضا. وهذا يحتاج الى الكثير من العمل والجهد على المستويات كافة بهدف البناء على ماتحقق فى عهده الزاهر لنعلى البنيان ونضاعف الانجازات، مصممين على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر دونما التخلى عن ثوابتنا الوطنية والقومية، التى رسخها فى قلوبنا وعقولنا، متمثلين فى الوقت ذاته حكمته فى تحويل الحزن الى طاقةخلاقة والمصيبة الى عمل وانجاز.

 ايتها السيدات،

ايها السادة،

لقد قلتها الامس، واقولها اليوم باننى لا اسعى الى منصب، ولا اهرب من مسؤولية. فالمنصب ليس هدفا بل هو وسيلة لتحقيق الهدف. والان وبعد ان شرفنى الشعب باختياره لى رئيسا للجمهورية، وبعد أن أديت القسم الدستورى وتسلمت مهامى، اقول اننى تبوأت هذا المنصب، ولكننى لم أتبوأ الموقع أى ان المنصب تبدل لكن الموقع بقى ذاته، ولم يتغير منذ خلقت وذلك حيث ارادنى الله سبحانه وتعالى ان اكون وحيثما رغب الشعب ان اقف منذ ان عرف ان هنالك شخصا احب الشعب بصدق واحبه الناس باخلاص وكانوا اوفياء له وفى المكان الذى ارادنى والدى واسرتى ان اكون به، وفى الموضع الذى صممت على التمسك به وصونه لاكون قويا فيه وبه ومن خلاله هذا الموقع الذى لايتبدل يوما من الايام هو خدمة الشعب والوطن.

فاذا بعد هذا الموقع الذى وضعت فيه ماذا يضيف عليه المنصب؟ كنت دائما أقول لمن التقيهم أن المنصب مسؤولية، لكن الموقع فرض هذه المسؤولية من قبل. وقد يقول قائل بأن المنصب يعطى الشرعية. لكن الشرعية هى قبل كل شىء ارادة الشعب ورغباته. وأهمية تصويتكم على قرار الترشيح تأتى من كونه يمثل استجابة لرغبات الشعب الذى تمثلونه بشرائحه المختلفة. من هنا نستطيع أن نقول أن المسؤولية هى مصلحة الشعب والشرعية هى رغبته وارادته والمنصب هو الاطار الذى يجمعهما وينظم علاقتهما معا. وبالتالى فان ماأضافه هذا المنصب الى موقعى هو حمل كبير فيه محبتكم وثقتكم وطموحاتكم وأمالكم سأكون قادرا على حمله باذن الله بدعمكم ومساندتكم.

وعلى كل مواطن شريف أن يضع نفسه فى موضع مماثل لما أشرت اليه وأن يحمل نفسه المسؤولية وأن يؤمن بالشرعية، حتى لو لم يكن فى وضع يسمح له بتطبيق أفكاره فالمنصب لايعطى المسؤولية، بل العكس هو الصحيح هو يأخذها من الانسان الذى يمتلكها ويسمح له فقط أن يمارسها من خلال الصلاحيات التى يمنحها له. وعندما يصل الى المنصب شخص لايحمل شعورا بالمسؤولية فانه لايستطيع أن يأخذ منه سوى السلطة. والسلطة دون مسؤولية هى الاساس فى انتشار التسيب والفوضى وتدمير المؤسسات. والحالة المثلى تفترض أن يكون الكل مسؤولا. ولايعنى هذا أن الكل صاحب منصب. فالمناصب هى مفاصل أساسية يتم فيها تنقية وتفعيل وغربلة أداء المجتمع بشكل مستمر وباتجاهين من قاعدة الهرم الى قمته وبالعكس. وبالتالى اذا اختلت وظيفة القاعدة انعكس ذلك على أداء القمة. واذا شذ من فى القمة أساء الى القاعدة. وبالتالى لاينبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل فى المجتمع الواحد ولذلك أجد من الضرورى جدا أن أدعو كل مواطن لكى يشارك فى مسيرة التطوير والتحديث، اذا كنا فعلا صادقين وجادين فى الوصول الى النتائج المرجوة فى أقرب زمن ممكن.

وبما أننا نتحدث عن التطوير، والذى هو باعتقادى الهاجس الاساسى لكل مواطن فى هذه البلاد، وفى مختلف المجالات. فلابد أن نعرف بأى اتجاه نسير وأى الطرق أفضل وماهى النتائج المطلوبة وغيرها من الاسئلة التى تشكل اجوبتها البوصلة التى تحدد موقعنا الحالى والمستقبلى وعلينا من اجل الوصول الى مانبتغيه ان نتحرك بالتوازى وبنفس الوقت على ثلاثة محاور اساسية:

 

•        المحور الاول ويتضمن طرح افكار جديدة فى المجالات كافة سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة او بهدف تطوير الواقع الحالى.

•        المحور الثانى يتضمن تجديد افكار قديمة لاتناسب واقعنا مع امكانية الاستغناء عن افكار قديمة لايمكن ان نجددها ولم يعد ممكنا الاستفادة منها بل اصبحت معيقة لادائنا.

•        المحور الثالث ويتضمن تطوير افكار قديمة تم تجديدها لكى تتناسب مع الاهداف الحاضرة والمستقبلية وكل عمل بحاجة الى قياسات لتحديد نسبة الانجاز والتقدم فيه ومن المفيد فى هذا المجال ان نستند الى مجموعة من المعايير:

•        المعيار الاول هو عامل الزمن الذى يفترض بنا ان نعمل على استغلاله بحده الاقصى بهدف تحقيق الانجازات التى نتطلع اليها باقصر مدة ممكنة.

•        المعيار الثانى وهو طبيعة الواقع الذى نعيش فيه والظروف المختلفة التى تحيط بنا الداخلية منها والخارجية.

•        المعيار الثالث وهو الامكانيات المتوفرة بين ايدينا للانطلاق والوصول الى الهدف المحدد اخذين بعين الاعتبار ان الامكانيات ليست معطيات ثابتة بل هى قابلة للتعديل باستمرار من خلال جهودنا وفعاليتنا.

•        المعيار الرابع وهو المصلحة العامة وفيها تلتقى كل المعايير السابقة، ومن خلالها تتحدد وهى معيار وهدف فى وقت واحد. اذ ما قيمة اي عمل نقوم به لايكون رائده المصلحة العامة؟ 

ولكن للقيام بالتحرك المطلوب، ونحن واثقون من بلوغ النجاح، لابد من ان تتوافر لدينا مجموعة من الادوات: أهمها الفكر المتجدد، واعنى به الفكر المبدع الذى لايتوقف عند حد معين ولا يحصر نفسه فى قالب واحد جامد. وكم نحن بحاجة اليه اليوم وغدا لدفع عملية التطوير قدما الى الامام. والبعض يعتقد ان هذا الفكر المتجدد مرتبط بالسن اى يغلب وجوده عند الشباب. وهذا غير دقيق تماما فبعض الاشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكرا. والبعض الاخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله مايزال يضج بالحيوية والتجدد والابداع.

ايضا نحن بحاجة ماسة الى النقد البناء. وهو تماما بعكس النقد الهدام، والذى نراه يغلب فى احيان كثيرة على طروحاتنا لاسباب مختلفة، منها ماهو شخصى ومنها ما هو غير ذلك. ولكى نكون بنائين فى نقدنا لابد لنا ان نكون موضوعيين فى تفكيرنا. والموضوعية تتطلب منا ان ننظر الى اى موضوع من اكثر من زاوية، وضمن اكثر من ظرف. وبالتالى نحلله باكثر من طريقة ونصل من ثم الى أكثر من احتمال، أو على الاقل للاحتمال الاقرب الى الصحة او الاحتمال الافضل. وعلينا الابتعاد عن النقد بهدف استعطاف البعض او استثارة التصفيق من البعض الاخر، او بهدف الاستفزاز او الاساءة الى الاخرين. ففى ذلك هدر للجهود ومضيعة للوقت نحن بغنى عنها. وعندما نقول نقد بناء ورأى موضوعى فهذا يعنى بالضرورة النظر بصورة متكاملة للقضايا موضوع النقد، بحيث نرى الايجابيات كما نرى السلبيات. وبذلك نتمكن من زيادة الايجابيات على حساب السلبيات. وهذا هو جوهر اي تطوير.

ونحن نتكلم عن الادوات، فاننا لايمكن ان نتجاوز المساءلة فهى عملية متكاملة لايمكن تجزئتها. وتبدأ من القاعدة والاساس، ومن الوحدة الصغرى فى المجتمع وهى المواطن وتنتهى بالمؤسسات. فاذا لم يقم كل مواطن بمساءلة نفسه ومراقبة ذاته ومراجعتها بشكل يومى او شبه يومى، فستبقى هذه العملية قاصرة عن تحقيق مهامها. وهنا يأتى دور الضمير واهمية الوجدان وضرورة تنقيتهما من الشوائب التى تعلق بهما وتعكر صفاءهما بفعل الظروف والعوامل المختلفة التى تحيط بكل فرد. اما المستويات الاخرى فى المساءلة والمحاسبة، والتى تقوم بها المؤسسات المختصة فتكون للحالات التى يكون فيها شذوذ عن القوانين والانظمة، والتى من المفترض ان تكون محدودة فى حال وجود الرقابة الذاتية. وبالتالى يكون اداء المؤسسات افضل وأسلم. وهذه العملية عملية مستمرة تتوازى مع العمل، أو تكون جزءا منه. لان الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقى ملازما للحياة. واذا لم يعالج فانه يتفاقم. والعلاج لايهدف الى الانتقام والتشفى، وانما للردع ولايقصد به صاحب الخطأ فقط، بل كل من يخطر فى باله ان يقع فيه. بهذا الشكل نستطيع ان نضع استراتيجية عامة للتطوير تكون اطارا محددا للخطوات والاجراءات الواجب اتخاذها فى سبيل تحقيق اهداف هذه الاستراتيجية، خاصة أن بلدنا قد مر بظروف تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة خلال القرن العشرين. وكانت هذه الظروف تتغير بشكل متسارع. ومازالت وقد غلب على هذه التغيرات الطابع السياسى، واستطاع القائد الأسد خلال العقود الثلاثة الاخيرة وضع استراتيجية عامة تلبى الحاجات المختلفة للتطوير المنشود، شملت مختلف القطاعات. وقد برهنت الاستراتيجية السياسية التى وضعها واشرف على تنفيذها ومتابعتها وتطويرها عن نجاحها الكبير حتى يومنا هذا. أما فى المجالات الاخرى وكما نعرف جميعا فلم يتماش الاداء فيها مع الاداء فى المجال السياسى، لاسباب عديدة لذلك كانت هناك فجوة كبيرة بينها. ولو كان الاداء افضل، فان موقفنا السياسى سيكون اقوى دون شك وهو القوى اساسا لكن طموحنا يبقى للاحسن.

وكان الاداء فى المجال الاقتصادى على وجه الخصوص يتموج ويتبدل بحدة نتيجة لتبدل الظروف التى كانت هى الاخرى شديدة التغير. وخاصة عندما انتقل اقتصادنا من اقتصاد له اسواقه المفتوحة امامه الى اقتصاد مطلوب منه المنافسة. وكانت المعالجة تتم من خلال اصدار قوانين ومراسيم وقرارات تتسم احيانا بالتجريبية، واحيانا اخرى بالارتجال. وفى البعض منها كانت تأتى كرد فعل على حالة معينة. ولكن قليلا ماكانت تأتى هذه المعالجة فاعلة لا منفعلة، اى ان تأخذ هى زمام المبادرة مستبقة الاحداث. والسبب فى ذلك انه لم يكن هناك استراتيجيات واضحة تخرج التشريعات من ضمنها. بل تكونت الاستراتيجية الاقتصادية كمحصلة لمجمل هذه التشريعات الصادرة. وبالتالى أتت ضعيفة وفيها الكثير من الثغرات. وكانت مسؤولة الى حد ما وليس بشكل كامل عن الصعوبات التى نعانى منها اليوم. فاذا نحن بحاجة الان الى استراتيجيات اقتصادية اجتماعية علمية وغير ذلك، تخدم التنمية والصمود فى ان واحد. وهى ليست موجودة كوصفات جاهزة بل انها بحاجة الى دراسات معمقة نستخلص منها النتائج التى على أساسها نحدد الى اين يجب ان نتجه. وهذا بحاجة الى وقت وجهد وتعاون وحوارات مستمرة وموسعة.

والسؤال الذي يمكن لنا طرحه، هل ننتظر الانتهاء من وضع الاستراتيجيات المطلوبة كي نبدأ التطوير؟ أو نتابع ما بدأناه من تطوير في السابق؟ يبدو لنا انه من المفضل أن يبدأ العمل بالتوازي من خلال متابعة اتخاذ الإجراءات المطلوبة إضافة إلى إعداد التصورات لتحديد خططنا المستقبلية، مع علمنا أن التطوير المجتزأ لا يحقق الغايات المرجوة بل هو بحاجة للتناسق والتكامل بين الإجراءات والخطوات المتخذة في جميع المجالات.‏

إن كل ما سبق يحتاج إلى تحليل. والتحليل يحتاج إلى دراسات ونتائج هي بدورها تحتاج إلى واقع تستند إليه وعندما نقول / واقعا/ نعني أرقاما دقيقة. والرقم لا يمكن أن يكذب وبالتالي فهو صادق وشفاف والتعامل معه بحاجة إلى صدق وشفافية. وهذا المصطلح أي/الشفافية/ طرح بشكل كثير التواتر مؤخرا في حوارات ومقالات وفي أماكن متعددة أخرى. فكان البعض يطالب باقتصاد شفاف. والبعض الآخر بإعلام شفاف. وغيرهم بذهنية شفافة في المجالات الأخرى ولاشك في أهمية ذلك. وأنا مع هذا الطرح. لكن من خلال فهم واضح لمضمون المصطلح وللأرضية التي يمكن أن يبنى عليها. فالشفافية قبل أن تكون حالة اقتصادية أو سياسية أو إدارية ..الخ.. وما إلى ذلك.. فهي حالة ثقافة وقيم وتقاليد اجتماعية. وهذا يفرض سؤالا ومطلبا في الوقت نفسه. يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل طرحه على الآخرين. هل أتعامل بشفافية مع نفسي أولا ومع أسرتي ثانيا ومع محيطي القريب والبعيد والدولة والوطن ثالثا؟. فمن يستطيع أن يعطي جواباً بالإيجاب يعرف معنى الشفافية. وهو من يستطيع أن يقدر إبعادها ويمارسها في أي موقع كان. فكيف نطلب من إنسان.. مثلا لا يصدق في حياته الشخصية ومع اقرب الناس إليه أن يكون مسؤولا صادقا تجاه مسؤوليته وتجاه الشعب. وإذا كان غير واضح في طروحاته فكيف نطلب منه أن يكون شفافا عندما يتولى منصبا ما.‏

فإذا أردنا أن نعالج مشكلة ما فيجب أن نتناولها من بدايتها وليس من نهايتها وان نعالج السبب قبل النتائج وهذا يحتاج إلى مواجهة جريئة مع أنفسنا ومع مجتمعنا وهي مواجهة حوارية نتحدث فيها بصراحة عن نقاط ضعفنا وعن بعض العادات والتقاليد والمفاهيم التي أضحت عائقا حقيقيا في طريق أي تقدم فالمجتمع هو الطريق التي يسير عليها التطوير في حقوله العديدة. فإذا كانت هذه الطريق غير صالحة تعثر التطوير وتأخر أو توقف. وهذا بالمفهوم النسبي يعني التراجع إلى الوراء. وهذه إحدى الصعوبات الموجودة في واقعنا.. ودراسة هذا الواقع تحتاج إلى التركيز على المعوقات التي تبقيه على حاله دونما تغيير إلى الأفضل.. وهذا بحاجة إلى مشاركة فعالة من كل الجهات خارج إطار الدولة وداخله كي تساهم كل الفئات والشرائح في إيجاد الحلول. وهنا أؤكد على أن من يطرح المشكلة يجب أن يطرح معها الحل ويجب أن نبتعد قدر الإمكان عن الاتكالية. فالموظف يتكل على زميله والمسؤول الأدنى على رئيسه والمواطن يتكل على الدولة لإيجاد الحلول.. فأعود لأؤكد أن الحل هو مسؤولية الجميع كي يصبح مكتملا وناجعا فالإنسان يسير على قدمين والبعض يعتقد بأن الخطوة اليمنى تكتمل بالقدم اليمنى وبأن الخطوة اليسرى تتم بالقدم اليسرى، الواقع أن الخطوة اليمنى تبدأ بالقدم اليمنى وتتم أو تكتمل بالقدم اليسرى. والخطوة اليسرى تبدأ بالقدم اليسرى وتكتمل بالقدم اليمنى.‏ فلا تتكلوا على الدولة ولا تدعوا الدولة تتكل عليكم بل دعونا نعمل سوية كفريق عمل واحد.‏

وأورد هنا مثالا من واقع حياتنا الاقتصادية.. وهو التصدير الذي يعتبر أحد أهم محاور دعم الاقتصاد الوطني. وهو سيكون موضع اهتمام خاص في المرحلة القادمة فمن واجب الدولة أن تسن التشريعات والقوانين وان تتخذ القرارات وتعقد الاتفاقيات مع دول وجهات أخرى بهدف تشجيعه والمساعدة على إيجاد الأسواق إضافة إلى تحقيق القدرة التنافسية. لكن هذا لا يمكن أن يتم ويكتمل إلا إذا كانت البضائع والسلع السورية ذات سمعة جيدة ومواصفات عالية. إضافة إلى التزام المنتجين والمصدرين بمواعيد التسليم مع قيامهم بعمليات التسويق اللازمة لبضائعهم والمشاركة في المعارض الداخلية والخارجية بهدف توسيع أسواقهم مما يحقق لهم وللاقتصاد الوطني الازدهار.‏

وفي هذا المجال فقد بات من الضروري السير بخطى ثابتة، وان كانت متدرجة نحو إجراء تغييرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية وتعبئة رأس المال العام والخاص معا وتنشيط القطاع الخاص ومنحه فرصا افضل للعمل .كما انه لابد من تحقيق القدرة التنافسية للقطاع العام في الأسواق الخارجية مما يؤدي إلى تنمية متوازنة وشاملة في محافظات القطر كافة وفي الريف والمدينة، كما يؤدي إلى توزيع الدخل القومي بصورة متوازنة وزيادة فرص العمل وتحسين الوضع المعاشي للمواطنين في ضوء زيادة احتياجاتهم الحيوية، والتصاعد المطرد في تكاليف المعيشة. ولابد من تطوير القطاع الزراعي من خلال تحديث وسائل إنتاجه والبحث عن أسواق لتصريف منتجاته، إضافة إلى تسريع عمليات استصلاح الأراضي، وتلافي التقصير والإهمال الذي حدث في الماضي، والإسراع في إنجاز السدود التي تخدم خططنا التنموية.‏

كما يتوجب علينا رسم سياسة اقتصادية رشيدة تردم الفجوات بين الموارد والنفقات، وبين الاستيراد والتصدير، وبين الإنتاج والتصريف، وبين الأجور والأسعار، إضافة إلى تصحيح ميزان المدفوعات، مع التأكيد على أهمية إعادة تأهيل القطاع الصناعي العام والخاص لمواجهة الأخطار المتزايدة والناتجة عن تحديات العولمة. وبذلك نضمن أن يتبوأ اقتصادنا موقعا مناسبا في التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية.‏

 

أيتها السيدات، أيها السادة،‏

أن تطلعاتنا لا يمكن أن تتحقق بالشكل المطلوب إلا إذا تم التأكيد على دور المؤسسات في حياتنا. والمؤسسات ليست البناء ولا النظام الذي يحكمها فقط أو الأشخاص الذين يعملون فيها، بل هي وقبل كل شيء الفكر المؤسساتي الذي يؤمن بأن كل مؤسسة تمثل كل الوطن مهما كان حجمها واختصاصها، وتمثل سمعته ووجهه الحضاري، والذي يؤمن أيضا أن العمل المؤسساتي عمل جماعي لا فردي. عمل مبني على الصدق والإخلاص في التعامل وعلى استغلال الوقت بحده الأقصى وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية الزعامة.‏

وهو منطق التعاون والانفتاح على الآخرين وهو لا ينفصل عن الفكر الديمقراطي، بل يتقاطع معه في مواقع عديدة. وهذا يعني أن امتلاك الفكر الديمقراطي يعزز الفكر والعمل المؤسساتي. فإلى أي مدى نحن ديمقراطيون وما هي الدلائل على وجود الديمقراطية أو عدمها؟ هل هي في الانتخاب أم في حرية النشر؟  أم في حرية الكلام أم في غيرها من الحريات والحقوق؟ أقول ولا واحدة من كل ذلك. فهذه الحقوق وغيرها ليست الديمقراطية بل هي ممارسات ديمقراطية ونتائج لها وهي تنبني جميعها على فكر ديمقراطي. وهذا الفكر يستند على أساس قبول الرأي الآخر. وهو طريق ذو اتجاهين حتما وبشكل أكيد أي ما يحق لي يحق للآخرين. وعندما يتحول الطريق باتجاه واحد يتحول إلى أنانية وفردية. أي لا نقول يحق لنا كذا أو كذا، بل يجب أن نقول يحق للآخرين حقوق معينة فإذا كان هذا الحق يجوز للآخرين من وجهة نظرنا اصبح لنا الحق نفسه. فإذا الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقا لنا. والفكر الديمقراطي هو الأساس والممارسات الديمقراطية هي البناء. وبكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفا، فان البناء يكون مهددا بالتداعي والسقوط عند أول هزة أو من دون أي سبب ظاهر. وبمعنى آخر أن كل أساس صمم لبناء معين ليناسب ما سيحمله. أي هذا الأساس لهذا البناء وذاك الأساس لذاك البناء. أي تبديل بين الأساسين يعني إنذارا بالخطر.‏

وبالتالي لا يجوز أن نطبق ديمقراطية الآخرين على أنفسنا. الديمقراطيات الغربية على سبيل المثال هي محصلة تاريخ طويل نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم إلى ثقافتها الراهنة. ولكي نطبق ما لديهم، علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاته الاجتماعية. وعندها يكون هذا الاحتمال ممكنا، وبما أن هذا مستحيل، فعلينا أن تكون لنا تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا، المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية، والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا. وعندها ستكون النتيجة بناء متيناً قادراً على الصمود في وجه الهزات مهما كانت شدتها والتجارب الهدامة ماثلة أمام أعيننا في دول مختلفة قريبة وبعيدة عنا.‏

وجبهتنا الوطنية التقدمية نموذج ديمقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا. وقد أدت دورا أساسيا في حياتنا السياسية ووحدتنا الوطنية. والآن اصبح من الضروري أن نطور صيغة عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعتا المتطور والمتنامي على كل المستويات.‏

وبما أن الفكر الديمقراطي والفكر المؤسساتي مترابطان. ولا أقول متطابقان فان الإدارة تتأثر بهما. وبالتالي فالإصلاح الإداري الذي علينا القيام به في القطاعين العام والخاص يرتبط بهما بعلاقة طردية. أي يتطور بتطورهما أو يتراجع بتراجعهما. وهو اليوم حاجة ملحة لنا جميعا .فقصور الإدارة لدينا هو من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية والبناء، والتي تؤثر بشكل سلبي في كل القطاعات دون استثناء. وعلينا أن نبدأ بالسرعة القصوى بإجراء الدراسات الكفيلة بتغيير هذا الواقع للأفضل من خلال تطوير الأنظمة الإدارية وهيكلياتها، ورفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية وإنهاء حالة التسيب واللامبالاة، والتهرب من أداء الواجب، ولابد من محاربة المقصرين والمسيئين والمهملين والمفسدين.‏

وهذا يتطلب القيام، وبالتوازي، بتفعيل وتطوير أجهزة الرقابة في الدولة ودعمها بالإمكانات التي تؤمن حسن أدائها. وهنا تأتي أهمية التأكيد على حيوية دور مجلسكم في تصويب عمل مؤسسات الدولة المختلفة من خلال الإشارة إلى مواقع الخلل والقصور ومتابعة معالجتها بصورة إيجابية. كما نؤكد هنا على أهمية المؤسسة القضائية وضرورة رفدها بالكوادر الكفؤة والنظيفة، وان تأخذ دورها الكامل بهدف إحقاق العدالة وصيانة حرية المواطن والسهر على تطبيق القوانين.‏

مما سبق نرى ترابط عمل المؤسسات الوثيق مع بعضها بعضا وهذا يستوجب أن يكون هناك ترابط بين الفكر الذي يحكم وينظم عمل كل منها، كالفكر المؤسساتي والديمقراطي والشفافية وغيرها. والتي تنشأ في المنزل والأسرة وتتنامى أو تتراجع من خلال ظروف الحياة اليومية. فالمجتمع هو التربة الخصبة التي نزرع فيها بذورنا. أما الثمرة فنجنيها في المؤسسات. وبالتالي بمقدار ما نسعى لزراعة بذور صالحة نجني ثمارا ناضجة ومفيدة. ومهمة الدولة أن تهيئ البنية الصالحة والمناسبة للبذرة كي تنبت. وعليها أيضا أن تؤمن مقومات النمو، وان تضمن بقاء الثمار ناضجة لكي يتمكن مجتمعنا من الاستفادة منها وإلا تعفنت وأصبحت مصدرا للداء والعلل.‏ 

أيتها السيدات، أيها السادة،

•        علينا احترام القانون ففيه حفاظ على كرامة المواطن من قبل الدولة وعلى كرامة الدولة من قبل المواطن وفيه ضمان لحريتنا وحرية الآخرين.‏

•        علينا أن نكافح الهدر والفساد مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل عمل فيه نسبة من الخطأ غير المقصود التي يجب ألا تقلقنا إنما المطلوب منع تكرارها.‏

•        علينا الابتعاد عن الاتكالية والفوضى وهدر الوقت والالتزام بالصدق والإخلاص والتفاني بالعمل ومضاعفة الجهد لتلافي التقصير الذي حدث.‏

•        علينا الابتعاد عن فكرة نسف الواقع برمته، بدلا من العمل على تطويره وتحسينه منطلقين من أن الحياة الإنسانية لا مطلق فيها فمهما كان الواقع سيئا لابد وان يكون فيه العديد من الفوائد ومهما كان جيدا أو ممتازا فلن يخلو من المساوئ.‏

فمسيرة الشعوب هي عبارة عن إنجازات متلاحقة. كل مجموعة منها تبنى على ما سبقها. ويكون التطوير من خلال بناء أمور إيجابية على إيجابيات سبقتها. أما التأخر والتخلف فيكونان بالعكس . وبالتالي يمكن الانطلاق من خلال إيجابيات واقع سيئ إلى واقع جيد ومن واقع جيد إلى واقع أفضل. أما عندما يتم نسف الواقع كاملا فهذا يعني إلغاءه بإيجابياته وسلبياته. وعندما يراد الانطلاق فعلى ماذا يتم الاستناد. هل على الفراغ أم نقطة الصفر؟.‏

كما يجب الابتعاد عن تكرار المفاهيم والمصطلحات دون تحليل لمضمونها فكثير من الأفكار قد تكون مناسبة لحاجاتنا. ولكن عدم استيعابها بشكل صحيح يحولها إلى مفاهيم قد تكون ضارة.‏

علينا أن نولي التأهيل والتدريب اهتماما خاصاً في كل المجالات وعلى كل المستويات. وذلك بالاعتماد على الكوادر الوطنية في سورية وخارجها. إضافة إلى الاحتكاك بالكوادر العربية والأجنبية والإفادة من خبرات الدول التي لها تجارب ناجحة في مجالات محددة. يجب التأكيد على التخطيط وعلى نوعية هذا التخطيط بهدف الوصول إلى مجتمع ودولة نوعيين وبالتالي متابعة بناء /سورية/ عصرية متقدمة. كما يجب التأكيد على نشر الثقافة والمعرفة والتقنية المعلوماتية. ويجب إبلاء الاهتمام الكبير لتجارة العقل وتصدير الأفكار وتطوير البحث العلمي، وذلك من خلال توفير بنيته التحتية التي تبدأ بالفعل المنظم مرورا بالمؤسسات البحثية انتهاء بالتقنيات الضرورية. وحسب الإمكانيات وضرورة ربطه بحاجات المجتمع التنموية.‏

لابد من الإصلاح والتطوير في مؤسساتنا التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية، بما يخدم قضايانا الوطنية والقومية ويعزز تراثنا الأصيل ويؤدي إلى نبذ ذهنية الانغلاق والسلبية ومعالجة الظواهر الاجتماعية التي تؤثر سلبا على وحدة المجتمع وسلامته.‏

كل ذلك بهدف تهيئة قوى اجتماعية ماهرة ومؤهلة وقادرة على التعامل والتفاعل مع تطورات العالم المختلفة. خاصة أن واقعتا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماما لدخول القرن الجديد الذي هو قرن المؤسسات والتقنيات.‏

كل ما سبق يصعب تحقيقه إذا لم تكن المرأة مشاركة فيه من موقعها كنصف للمجتمع حقيقي لا وهمي. فهي التي تنشئ وتربي الرجال والنساء. وتهيِّئهم للمشاركة في بناء وطنهم. وهي التي تسهم في مختلف مواقع العمل في التنمية والتقدم. وهذا يتطلب أن نهيئ لها البيئة الملائمة لكي تكون اكثر فاعلية في المجتمع، وبالتالي اكثر قدرة على أداء دورها في تنميته..‏

إذا كنا قادرين على الالتزام بما تقدم ذكره نستطيع الاطمئنان إلى أن /سورية/ ستبقى سيدة نفسها. حرة في قراراها، اخذين بعين الاعتبار انه لا توجد لدى أي منا عصا سحرية لحل كل المشكلات دفعة واحدة، بل لابد من وضع أولويات وأفضليات واضعين نصب أعيننا أن عملية التغيير ليست هدفا بحد ذاتها. بل وسيلة إلى تحقيق احتياجاتنا الحياتية. وان الوعود يجب ألا تطلق إلا عندما يمتلك الإنسان كل العناصر التي تؤدي إلى تحقيق العمل المطلوب. وهذا ممكن على مستوى برنامج شخصي أو نطاق أو اختصاص معين. أما على مستوى الوطن. وخاصة عندما تكون الآمال عريضة والصعوبات كبيرة فالعناصر المطلوبة لا يمتلكها شخص ولا يؤمنها منصب بل تتوزع لدى الجميع مسؤولين ومؤسسات ومواطنين. والوعد الذي أقطعه الآن هو العمل المتواصل. أما الإنجازات فيجب أن نعد بعضنا بعضا بأن يقدم كل واحد منا ما لديه من عناصر وإمكانات للوصول إلى أهدافنا المشتركة.‏ 

أيتها السيدات، أيها السادة،‏

إن جهودنا الحثيثة لتدعيم أوضاعنا الداخلية تعززها علاقاتنا مع الدول الأخرى.. خاصة منها الشقيقات العربيات وعلى كل المستويات . وذلك من خلال تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة والسعي الدائم لإقامة نواة حقيقية للسوق العربية المشتركة وهو الحد الأدنى. لكنه الممكن حاليا للحفاظ على ما تبقى من آمال في إقامة علاقات عربية سليمة. فلم يعد خافيا على أحد ما آلت إليه حال امتنا العربية من ضعف الروابط بين دولها خلال العقود القليلة الماضية. وعلى وجه الخصوص في عقد التسعينيات . فبرز الاهتمام بالمصالح المحلية القطرية طاغيا على الاهتمام بالمصالح القومية فأصاب الوهن الجسد العربي وضعفت الأمة وتشتتت وتفرقت دولها. ومن ثم تعودت وتأقلمت مع حالتها الجديدة واصبح ما هو طارئ طبيعيا. وبات الحديث عن القومية العربية أو التضامن العربي رومانسيا أو مضيعة للوقت. وحتى المصالح المشتركة اخذ البعض يشكك بأهميتها. وعلى الرغم من هذا الواقع المتردي للعلاقات بين الدول العربية، والذي يدفع البعض للتشاؤم والبعض الآخر للإحباط؛ فيجب ألا ينتابنا اليأس من إمكانية تحقيق خرق في هذا الاتجاه. وان لا نسلم بالواقع الحالي أو نستكين له. بل لابد من مبادرات وقائية أو علاجية لا تستند إلى حسابات الربح والخسارة على المستوى القطري بل على المستوى القومي. أي على أساس لنربح معا بشكل جماعي فهذا سيزيد من إمكانيات الربح الأحادي، إضافة إلى الاستناد في هذه المبادرات إلى منطق الكرامة القومية والأخلاق والقيم العربية.‏

وفي هذا الإطار فإننا نتطلع إلى دور اكثر فاعلية تقوم جامعة الدول العربية من خلاله بتحقيق هذا الهدف. ونحن في/سورية/ سنبقى كما كنا داعين وداعمين لأية خطوة تضامنية تصب في المصلحة العليا للامة العربية. ولاسيما تلك التي تؤدي إلى تعزيز نقاط الالتقاء والاتفاق بين الأقطار العربية. مما يساهم في إضعاف نقاط الاختلاف والتفرقة ويمهد الطريق أمام حد معقول من العلاقات المثمرة بين هذه الدول في مرحلة أولى . ويهيئ لمستقبل افضل لها في مراحل لاحقة. وعلينا ألا نتأخر في البدء بذلك لان الوضع العالمي الجديد يعطي الموقع للأقوى وهذا ما دفع العديد من الدول إلى إقامة تكتلات مختلفة الأشكال تعطيها المزيد من القوة لمواجهة التحديات العالمية وتزيد من هامش الحركة لديها. فالأحرى بنا نحن الذين نمتلك الكثير من المقومات لقيام قوة متماسكة أن نسعى لهذا الهدف المشروع.‏

ونحن نعتبر أن العلاقة مع /لبنان/ الشقيق هي نموذج للعلاقة بين بلدين عربيين. لكن هذا النموذج لم يكتمل بعد وبحاجة للكثير من الجهد لكي يصبح مثاليا بحيث يحقق المصالح المشتركة بالشكل الذي نطمح إليه في كلا البلدين. ومع ذلك فان التضامن السوري اللبناني عبر السنوات الماضية قد حقق الكثير مما لم يكن من الممكن تحقيقه لو أن كل بلد عمل بمفرده وبمعزل عن الآخر. وإيقاف الحرب الأهلية. وبناء الوفاق الوطني إضافة إلى التراجع الإسرائيلي في الثمانينات والتسعينات، وصولا إلى الاندحار الأخير للإسرائيليين في شهر أيار الماضي، لدليل واضح على أهمية هذا التضامن. وطبعا هذه الإنجازات استندت بشكل أساسي على تكاتف ووحدة الدولة والشعب اللبنانيين مع المقاومة الوطنية الباسلة. وسنبقى في /سورية/ نقف مع/لبنان/ وندعمه في قضاياه الوطنية كافة، وخاصة فيما يتعلق باستعادة كامل ترابه الوطني وعودة أسراه المعتقلين في السجون الإسرائيلية والوقوف في وجه التهديد الإسرائيلي المتكرر بالاعتداء عليه. وهذه التهديدات وأمور سلبية أخرى لا تخدم السلام في المنطقة بل تبقي على بؤر التوتر قائمة.. وهذا من شأنه أن يبقي التهديد بدورات عنف جديدة محتملا إلى حد كبير. كما يؤدي إلى زيادة العراقيل والعقبات التي تقف في طريق إحلال السلام العادل والشامل في المنطقة.‏

وفي هذا الإطار، فان /إسرائيل/ مازالت تحتل أرضنا في /الجولان/ وهو موضوع يشكل همنا الأول وشغلنا الشاغل. وتحرير أراضينا المحتلة هو هدف أساسي وموقعه في المقدمة من سلم الأولويات الوطنية. وأهميته بالنسبة لنا توازي أهمية السلام العادل والشامل الذي اعتمدناه خيارا استراتيجيا. لكن ليس على حساب أرضنا ولا على حساب سيادتنا. فالأرض والسيادة هما قضية كرامة وطنية وقومية ولا يمكن، وغير مسموح لأحد، أن يفرط بها أو يمسها ولقد كنا واضحين في تعاملنا، ثابتين في مواقفنا منذ بدء العملية السلمية في مدريد عام/1991/ وذلك بعكس السياسة الإسرائيلية التي اتسمت بالتذبذب حينا وبوضع العراقيل أحيانا أخرى. وحتى هذه اللحظة لم يقدموا أي دليل يجعلنا نثق أن لديهم الرغبة الصادقة في إنجاز السلام. بل انهم يطرحون طروحات مختلفة للتغطية على ما يضمرونه. فيطلبون منا أن نكون مرنين. ويقصدون بذلك أن تكون الأرض مرنة. وبالتالي يضغطون على حدودها ويقلصونها بالشكل الذي يناسبهم ويناسب مصالحهم، أو يرسلون من يطلب منا أن نوافق على خط معدل عن خط الرابع من حزيران، ونطلق على هذا الخط الجديد المعدل اسم خط الرابع من حزيران. وكأن الاختلاف هو على التسمية. ثم يقولون لنا خذوا /95/ بالمئة من الأرض. وعندما نسأل عن الخمسة بالمئة الباقية، يقولون هي ليست مشكلة. بضعة أمتار يجب ألا تكون عائقا في وجه السلام. فإذا كانت هذه البضعة أمتار ليست مشكلة ولا يجب أن تكون عائقا في وجه السلام، لماذا لا يعيدون خط الرابع من حزيران ويعطوننا خمسة بالمئة من الجانب الغربي من البحيرة.‏

لقد راهنوا على أشياء كثيرة. راهنوا على صحة القائد  /الأسد/، ونسوا أن القادة الوطنيين الذين يدخلون التاريخ من بوابة الوطن، يدخلون إلى عالم الخلود من البوابة ذاتها ولا يدخلونها من بوابة التفريط والتنازلات. راهنوا على القوة العسكرية ودُحروا في /لبنان/. راهنوا على وحدتنا الوطنية وافشل شعبنا هذا الرهان. والآن على ماذا يراهنون؟ أن الرهان الوحيد الذي يمكن أن يكتب له النجاح هو الرهان على إرادة الشعوب في استعادة حقوقها. وذلك من خلال استعادة الأرض كاملة حتى خط الرابع من حزيران/1967/. وعندها فقط يمكن الانطلاق باتجاه السلام العادل والشامل.‏

إننا ندعو الولايات المتحدة الأميركية لكي تقوم بدورها بشكل كامل كراع لعملية السلام بشكل حيادي ونزيه. إذ لابد من ممارسة التأثير المطلوب لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما نصت عليه من حقوق للشعب اللبناني والسوري والفلسطيني.‏

ونؤكد هنا على أننا مستعجلون لتحقيق السلام. ولكننا غير مستعدين للتفريط بالأرض. ولا نقبل لسيادتنا أن تمس. بمعنى أننا نستعجل السلام لأنه خيارنا والشعب العربي السوري شعب محب للسلام عبر التاريخ . ولأننا مشتاقون لكي يعود /الجولان/ كاملا ويعود أهله إلى الوطن، وغير مستعدين للتفريط بالأرض، لأننا لا نقبل بها منقوصة أو على حساب السيادة الوطنية. وأهلنا الصامدون فيها لن يكونوا لا اليوم ولا في المستقبل القريب أو البعيد إلا عربا سوريين، ولان الزمان مهما طال، فان هذه الأرض ستبقى لنا وستعود كاملة عاجلا أم آجلا. ولن نكون مستعدين لدفع ضريبة عجز الحكومات الإسرائيلية وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات التي تدفع عملية السلام للأمام من حساب سيادتنا وكرامتنا. فكُرَةُ السلام التي يلقونها في الملاعب المختلفة حسب مزاجهم هي كرة ثقيلة. وحملها يحتاج إلى رجال دولة قادرين على اتخاذ قرارات صعبة وليس لمجرد مسؤولين في أي موقع كانوا فيه كلما حملوا معهم هذه الكرة مالوا ومالت معهم المناصب.‏

 

أيتها السيدات،أيها السادة،‏

إن سيادة الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية تتطلب من منظمة الأمم المتحدة أن تقوم بمهامها التي نص عليها ميثاقها بصورة موضوعية وبعيدا عن التأثيرات المختلفة التي يمكن أن تحد من تطبيق هذه المبادئ بشكلها الأمثل. بحيث نصل إلى عالم خال من الصراعات وبؤر التوتر. يسوده السلام والعدل والديمقراطية في العلاقات بين الدول ويتعمق فيه الحوار بين الحضارات المختلفة في عالم اليوم. إضافة إلى أن ذلك يتطلب أن تأخذ دول الشمال الغنية مسؤولياتها الإنسانية تجاه دول الجنوب بهدف الوصول إلى عالم اكثر أمنا واطمئنانا، وبالتالي اكثر استقرارا.

إننا نتطلع إلى بناء أوثق الصلات مع الدول والشعوب والمنظمات الدولية. على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون البناء وصيانة الأمن والسلام الدوليين وانطلاقا من احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها بالشكل الذي يضمن تحقيق مصالحها الحيوية.‏

 

أيتها الأخوات، أيها الاخوة،‏

ونحن نتحدث عن كل ما يخص وطننا وشعبنا داخليا وخارجيا،. علينا ألا ننسى أن هنالك جنودا مجهولين لا يقدمون جهودهم فقط. بل أرواحهم وبلا ثمن. انهم أبناء قواتنا المسلحة حماة ديارنا، ومصدر فخارنا وعرين الشجاعة والبطولة، والذين كانوا وسيبقون مستعدين للدفاع عن الوطن ونصرة أشقائنا. وستبقى قواتنا المسلحة رمزا للشرف والانضباط والسلوكية الوطنية والقومية وستكون دائما موضع عنايتنا واهتمامنا لتبقى قادرة على القيام بمهامها عندما يدعوها الواجب. فكل المحبة والتقدير إلى جيشنا الباسل والتحية والإجلال إلى شهدائنا الأبرار الذين سقطوا في معارك الشرف والفداء.‏

ولا يفوتنا أن نذكر أهلنا الصامدين في الجولان المتمسكين بوطنهم وعروبتهم الرافضين للوجود الصهيوني بكل أشكاله. ونقول لهم نحن معكم وصمودنا معا هو ضمانة التحرير.‏

أما في /لبنان/ الشقيق فإن المقاومة الوطنية الباسلة قد سطرت أروع ملاحم البطولة والاستشهاد. وستبقى بنهجها وإنجازاتها نموذجا سيعيش مع الأجيال طويلا.‏

 

أيها الشعب الغالي،

ثقتي بكم لا حدود لها ومحبتي كذلك. وأرجو أن تسمحوا لي أن أؤكد لكم حقيقة أشعرها، وهي أن الرجل الذي عرفتموه وأحببتم بعضا من صفاته، وبادلتموه الثقة والمحبة، لن يغير فيه المنصب شيئا. وهو الذي انطلق من بين الناس وعاش معهم سيبقى بينهم وواحدا منهم. وتوقعوا أن تروه في كل مكان معكم. سواء في موقع العمل أو في الشارع أو في أماكن نزهتكم يتعلم منكم ويشد عزيمته بتواصله معكم ويعمل من أجلكم كما كان عهده دائما.

فالإنسان الذي اصبح رئيسا سيبقى هو نفسه الطبيب والضابط وقبل كل شيء المواطن.‏

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

Google
Web Site

hafez al assad speech