مقدمة :

 في يوم حر قائظ  من حزيران النكسة عام /1967/، حضنتني والدتي وحملتني مسرعة لاهثة، طوقتني بذراعيها و أمسكت بي بشدة و كأني كنت لو أحسست بطقطقة ضلوعها فوق عظامي الغضة.  اجل لا أزال أحس دفئ صدرها و أنفاسها اللاهثة و طرقات قلبها التي فاقت سرعة خروجنا من القنيطرة راكضين باتجاه أخر دون تمييز. ضاعت كل الاتجاهات و تغيرت كل الأمكنة. غادرت منزلنا الجميل الجديد الفسيح في حارة الشهداء طفلا في الرابعة من عمري،  و أذكر ان والدتي كانت تمسك مفتاح المنزل بيدها و تضمه معي بشدة و حنان و خوف. تمتمت بكلمات متسرعة،  و كأن لسان حالها يقول يجب ان لا يضيع المفتاح، سنعود إلى بيتنا، قريبا سنعود و لن يطول ذل النكسة كثيرا. رغم صغر سني، إلا أنني أحسست معنى ان يخلف المرء للعدو ثمرة ما جنته أسرته طيلة عمرها. و صلنا دمشق سيرا على الأقدام وسط حشود النازحين، وتفتح دمشق ذراعيها لاحتضان القادمين،  و هي التي فتحت ذات يوم أبوابها لاستقبال طلائع القوات العربية القادمة من الجولان. و بدأت حكاية البحث عن موطأ القدم، الملبس المأكل،  المشرب، الأب الذي كان آنذاك في الجيش. مرت الأيام بطيئة حزينة، و اذكر أني سألت أبي بعد أول لقاء عقب هزيمة حزيران: أنت عسكري و لماذا هزمنا الأعداء؟ صمت برهة، وربما اكثر، وقال " لانحزن يا ولدي لقد خسرنا معركة مع العدو،  و لم نخسر حرب" و أكد أننا سنعود و سأل والدتي عن مفتاح البيت،  وعما إذا كانت قد أطعمت الطيور و الدواجن في البيت. لا أذكر الإجابة،  ولكنها شاطرته الشعور بالعودة قريبا إلى بيتنا. في دمشق التقينا الأهل من قريتنا، القراعنة، في القطاع الجنوبي على بعد حوالي /5/ كيلومترات من بحيرة طبريا. كان اللقاء باكيا،  و كان حجم المعاناة التي نقلوها لنا قاسيا لا يطاق. حدثنا جدي و رجال القرية كيف طوقهم جنود العدو و فتشوا عن الشبان، فحصوا أقدامهم فيما إذا كان هناك أي اثر للحذاء العسكري،  و رؤوسهم فيما إذا كان هناك أي اثر لغطاء الرأس،  وكذلك أصابع اليد للتأكد من وجود أية علامة أو اثر لزناد بندقية. وهكذا اقتادوا الشبان من كل القرى إلى ساحات الإعدام رميا بالرصاص. تمنيت ان أكبر بسرعة  كي اذهب و أقاتل المحتلين. و عندما كبرت عرفت ان قتال العدو لا يكون  بالبندقية وحدها. غصة الهزيمة و ذل التشرد روعني في الطفولة البائسة حتى تاريخ السادس من تشرين الأول من عام /1973/. عشر سنوات من العمر،  ولكنني اذكر ان أحاسيسي لم تكن يوما في حياتي حتى هذه اللحظة كتلك الأيام العظيمة. ما أروع الانتصار، ان تصفق مع الجميع و ترقص وأنت تشاهد طائرات العدو تتساقط محترقة فوق سماء دمشق. الله أكبر إننا ننتصر،  وكنا نركض مسرعين صغارا و كبارا إلى البساتين و الأماكن المجاورة كي نصطاد طيار إسرائيلي هوى بطائرته المحترقة، قذف نفسه بالمظلة قبل ان يفطس فوق سماء الفيحاء،  و قبل ان يقدم العدو على ربط طياريه بالجنازير كي لا يستخدموا المظلة وينجوا بجلودهم. إنها حرب تشرين التحرير التي أعادت للطفل ابتسامته، للفرحة معناها وللوطن عزته. تذكرت يومها جملة أبى، حقا لم نخسر الحرب بل معركة. تواردت الأنباء عن اقتحام خطي الون، بارليف، ومرصد جبل الشيخ، الوضوء في طبريا. اختلطت المشاعر عند اكتشاف ان البعض أرادها "حرب تحريك" و أرادها القائد الخالد حرب تحرير. استمرت الحرب قاتلنا منفردين خضنا حرب الجولان (الاستنزاف)، حررنا بعض أراضينا و الأهم أننا تحررننا من عقدة الخوف و ذل الهزيمة و الانكسار. إلى بيتنا في القنيطرة المحررة ذهب و الدي،  بعد ان بحثنا طويلا عن مفتاح البيت، خرج مسرعا يسابق الريح و عاد متثاقلا يحمل حفنة تراب هي الأغلى. متثاقلا باكيا حدثنا انه لم يبق أي اثر لبيتنا، لقد دمر المحتل القنيطرة, و دمر كل شئ! حفنة تراب كانت لأفراد الأسرة مقدسة قداسة الدماء الطاهرة التي ضحى بها المقاتل العربي قبل تحريرها.

 

كبرنا مع الوعد إننا قريبا سنعود، كبرنا و كبرت أطماع الاحتلال و تهديداته و عربدته. تمنيت الشهادة فوق ثرى الجولان، الوطن و مسقط الرأس و الأرض أغلى من الجسد الفاني! و دائما كثيرة هي تلك الأحلام و الأمنيات التي لا تتحقق. ورحل والدي قبل ان يوارى الثرى في أحضان القرية التي أحب،  و كذلك رحل معظم الأهل و الكبار، رحلوا مرددين " بكرة نعاود".  تعاودنا ذكراهم و الجولان،  ولم نعد! و الان تكبر ابنتي "جولان" وهي حتما ستعود. فالأرض لنا والحق لنا ولن يقف في وجه الأجيال القادمة،  أو حتى التي تليها أية مؤامرات أو ضغوط أو تهديدات. كبرت وكبر الحلم بالعودة والتحرير، وكبرت وكبر الحلم بكتابة كتاب للجولان التي أحببنا و التي من أجلها قدمت سورية، رئيسا و قيادة وشعبا الكثير الكثير. ومع بداية عملي كصحفي في وكالة الأنباء /سانا/ في العام /1991/، بدأت بتجميع المعلومات و التصريحات و المواقف وكل ما يمت لأرض الاباء و الأجداد بصلة. و تصادف ان يشهد هذا العام انطلاق مسيرة عملية السلام في الشرق الأوسط، والتي انخرطت بها بحكم طبيعة عملي و تشرفت بتغطية الزيارات والمؤتمرات الصحفية لمعظم و فود السلام إلى مركز القرار العربي و مفتاح السلام في المنطقة، الرئيس الخالد /حافظ الأسد/. وان أي حديث عن الجولان، لا يمكن إلا ان يكون من خلال الرجل الذي عاهد فصدق و ما بدل تبديلا،  و هب حياته و جل وقته لتحريرها من رجس الاحتلال. و هكذا نلاحظ ان الكتاب قد اعتمد في معظمه على تصريحات وخطابات الرئيس الخالد، بطل الحرب و السلام. لقد جسدت مواقف الراحل وكلماته وتصريحات مشروعا قوميا رائدا للتحرير و العودة إلى أرض الاباء و الأجداد. سنوات مرت منذ ان خاطب القائد الخالد جموع أبنائه في الجولان و الوطن، منذ ان أعلن سيادته لا نريد الموت لأحد،  و إنما ندفع الموت عن شعبنا و نناضل في سبيل السلام العادل و الشامل،  إلا ان كلماته لا تزال مدوية في الأذهان و القلوب و الآذان، دليل عمل و دستور هداية دائم،  و برنامج متكامل للتحرير والصمود و التمسك بالثوابت و الثقة الأكيدة بالنصر.

 

 و يأتي هذا العمل المتواضع بإعداده،  الكبير في محتواه في إطار محاولة صحفية لتوثيق حال و واقع الجولان السوري المحتل بين مطرقة الاحتلال و سندان التلوث و التخريب الإسرائيلي المتعمد لأرض الاباء و الأجداد. و يوثق الكتاب بالوقائع و التاريخ و الأرقام جملة من الحقائق الهامة للقارئ السوري و العربي بشكل عام. و تبرز هذه الوقائع الوجه البغيض و الممارسات اللاإنسانية و العدوانية للاحتلال الإسرائيلي في تخريب و استنفاذ البيئة الطبيعية و النفسية و الاجتماعية للمواطن العربي السوري تحت نير الاحتلال، كما أنها تسلط بعض الضوء على الأطماع الصهيونية و ا لطموحات التوسعية و المشروعات الاستيطانية  و الاحتلالية الإسرائيلية المختلفة،  و بعض التصريحات  و الوثائق الصهيونية، و تصريحات قادته ونهجهم المعادي للسلام و لقرارات الشرعية الدولية و المجتمع الدولي و كذلك بعض الآثار المترتبة جراء الاحتلال البغيض و ممارساته الاحتلالية.

 

 ويخصص الكتاب حيزاً كبيراً للحديث عن النضال السياسي والنضال متعدد الأشكال للرئيس الخالد و للرئيس بشار في مجال العمل على استرجاع وتحرير الجولان و كافة الاراضي العربية المحتلة إلى حدود الرابع من حزيران من عام / 1967/، و يسلط الكتاب بعض الضوء على حرب تشرين التحريرية وحرب الجولان (الاستنزاف)، باعتبارها نقطة التحول الأبرز في الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الجولان و مراحل عملية السلام وتطورها و المواقف السورية وتصريحات و كلمات بعض المسؤولين السوريين بهذا الخصوص و الجهود السلمية المختلفة، وكذلك  يسلط الكتاب بعض الضوء على السلام في فكر ونهج الرئيس الراحل حافظ الأسد. و في هذا الإطار يورد الكتاب أهم ما ورد من الشهادات العربية و الدولية على لسان  زعماء و قادة ومعنيين في عملية السلام بخصوص التزام الرئيس الخالد بالعمل من أجل السلام العادل و الشامل.