في الخامس من حزيران من كل عام يحتفل العالم بيوم البيئة العالمي،  وفي الخامس من كل حزيران تحل علينا ذكرى مأساة عدوان حزيران ، والذي يعتبر بكافة المقاييس أبشع أنواع التلوث.  لقد شنت إسرائيل عدوانها على العرب في صبيحة الخامس من حزيران عام / 1967/  فاحتلت الجولان العربي السوري،  بخيراته وثرواته وغلال أرضه وثمار بساتينه ومياهه ووديانه  وينابيعه. وقد دمرت إسرائيل خلال عدوان حزيران  /1967 /، وما تبعه من سنوات احتلال طويلة كافة مدن الجولان وقراه،  و قتلت خلال عدوان حزيران /340 / مدنيا و اعتقلت /287 / آخرين،  وبدأت رحلة طويلة من الألم والقمع والقهر والاحتلال،  حيث شرعت سلطات الاحتلال بانتهاج سياسة الأرض المحروقة، في محاولة لطمس معالم وتاريخ وهوية المنطقة.  و بدأت إسرائيل بتدمير متعمد للقرى والمزارع والمدن  المحتلة والبالغ عددها أكثر من / 164/ قرية  و/ 146/ مزرعة،  ومدينتي  القنيطره وفيق،  باستثناء خمس قرى وهي مجدل شمس و بقعاثا و عين قنية  و مسعدة والغجر، والتي بقي أهلها بصمودهم خنجرا مز ورعا في صدور الاحتلال،  ليسطروا  صفحة من صفحات المجد و النضال و مقاومة الاحتلال، وليسطروا أسطورة في التشبث بالأرض والهوية و القومية العربية  والتراث العربي السوري. لقد هدمت إسرائيل القرى العربية  عن بكرة أبيها،  باستثناء ما تبقى من أكوام الحجارة البازلتية السوداء وبقايا أشجار السنديان والليمون و الكرمى الباكية، راثية همسات وصوت و أنفاس الأحبة الذين اقتلعتهم إسرائيل وطردتهم، وقد حدثني جدي الراحل و بعض الأهل عن الظروف المأساوية لطردهم من ارض الأباء والأجداد سالبة خيراتهم وحارقة الزرع والضرع والأخضر واليابس من حولهم. وقد أقامت إسرائيل مكان ما هدمته المستعمرات، المستوطنات التي  بلغ عددها حتى الآن /43/ قنبلة موقوتة مزروعة في أحشاء الروح والجسد،  يحيط بها حوالي / 60/ معسكرا لجيش الاحتلال ويدنسها ما يزيد عن / 40/ ألف مستوطن و محتل إسرائيلي يعيثون في الجولان فسادا وتخريبا وتلويثا. وقد  حولت إسرائيل القرى السورية  الأخرى إلى أراضى زراعية يستثمرها سكان المستوطنات،  وأطلقت عليها أسماء عبرية في استنفاذ وتلويث لمصادرها و خيراتها،  وقد حرقت الغابات  واقتلعت الأشجار وزرعت الألغام،  فضلا عن إلقائها مخلفات مصانعها السامة والكيميائية والمشعة،  و نقلها التربة الخصبة إلى المستوطنات الإسرائيلية وتسريبها المخلفات والنفايات الكيماوية من المصانع الإسرائيلية والمشاريع الزراعية والإنتاجية والسياحية, و غير ذلك من الممارسات الإسرائيلية التعسفية و الغاشمة.

و إذا كانت البيئة، وفقا لتعريف مؤتمر استكهولم للبيئة، هي النظام الفيزيائي والبيولوجي الخارجي الذي يحيا فيه الإنسان والكائنات الحية الأخرى، فإنها تمثل أيضا الحيز الجغرافي والطبيعي والاجتماعي والنفسي المحيط بالإنسان،  من هواء وتربة وماء وبشر وكائنات وأشكال أخرى للحياة، وللبيئة السليمة والصحية  التأثير الأكبر في نمو وصحة الأفراد والجماعات، و كذلك في سلوكها و عاداتها وطبائعها،  الأمر الذي يبدو جليا وواضحا من خلال انتماء الأفراد إلى بيئات حياتية مختلفة،  كالصحراء والبادية والبحر وما إلى ذلك، و تأثرهم الواضح بنوع البيئة التي يعيشون فيها. وعلى أية حال، يبقى الاحتلال بكل أشكاله العامل الأكثر تدميرا لبيئة الإنسان واستنفاذا وتخريبا لمصادر الطبيعة وكينونة الإنسان وصيرورة الحياة والوجود برمتها. وهكذا نحن أبناء الجولان العربي السوري المحتل، نعيش خارج رحم الأرض ومسقط الرأس، نستمع بحنين وشوق كبير لذكريات ارض الجولان الحبلى بالخيرات والثروات، حيث كان متوسط عمر الأباء والأجداد هناك سبعون عاما، وسط الهواء العليل والماء النقي الوفير والغذاء الصحي السليم. حديث ما بقي حيا منهم عن الجولان بطبيعتها وسحرها و خيراتها يحملنا معهم إلى شواطئ طبريا لنصطاد السمك الطازج، إلى عناقيد الكرمى وحقول القمح و مناحل العسل ، إلى ينابيع وشلالات وانهار وعيون الجولان، والى أشجار الموز والتفاح و بيارات الليمون و البرتقال، و إلى أشجار الزيتون والسنديان والبلوط، إلى الأرض التي تتعانق فيها في أي فترة زمنية كل فصول السنة، من حرمون الشيخ والشموخ، حيث الارتفاع عن سطح البحر /2814 / متر إلى طبريا الحياة والتصميم، التي تنخفض عن سطح البحر مقدار/ 210/ م، حنينا إليك يا جولان و أرواحنا الساكنة فيك،  مع الأهل الصامدين والمتشبثين بأرضك،  تتألم وترحل إليك مع شروق الشمس ونسيم الهواء وكل قطرة مطر، تمر سنون الاحتلال ثلاثة عقود ونصف والجولان أنين وحنين، يزداد بحجم روايات أبناء الجولان لنا عن أرضنا وقرانا وخيراتنا، و ما أقسى الأنين تحت وطأة المحتلين، الذين استبدلوا كل الأشياء المقدسة الجميلة،  فقهروا الإنسان والطير  والحجر،  ودنسوا الأرض والماء والهواء!

 و لا يمكن دراسة الآثار البيئية للاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري  دراسة وافية، إلا إذا تم وضعها في إطار السياق و الدراسة العامة لمجمل الأوضاع البيئية  الطبيعية والاقتصادية و الاجتماعية للأهل الصامدين تحت نير الاحتلال و بطشه، وضمن إطار القانون الدولي و قرارات الشرعية الدولية،  و كذلك المعاهدات و الاتفاقات الدولية،  ومراحل العمل السياسي و النضالي الدؤوب  في إطار الشغل الشاغل و الأولوية الدائمة للجهود السياسية و العسكرية و الدبلوماسية، التي بذلتها و تبذلها سورية  لتحرير الجولان و إ عادته إلى الوطن الأم. ويعتبر  القانون الدولي تدمير البيئة جريمة دولية يعاقب عليها القانون،  ولقد تم سن القوانين ووضع الاتفاقيات الدولية،  التي وضعت قيودا صارمة على تخريب البيئة و إلحاق الضرر بها، و  منها ما جاء في اتفاقية لاهاي الثانية في عام /1891/ والرابعة في عام / 1907 / ، و اتفاقية الأمم المتحدة لمواجهة الأخطار البيئية المتنقلة عبر الحدود لعام /1971/ ،إلا أن العالم لم يصل بعد إلى مرحلة يعلن فيها عن تشكيل محكمة دولية  خاصة بمن تسول له نفسه من دول وجماعات وأفراد بإلحاق الضرر بالبيئة،  على اختلاف أنواعها،  رغم تسارع دول العالم للحد من التدهور البيئي. وقد كان للأمم المتحدة ومنظماتها التابعة لها دورا في هذا الإطار،  فكان هناك برنامج إنمائي للبيئة وصندوق عالمي للبيئة و ريوديجانبرو /1992/ وكيوتو /1997/،  و إعلان الخامس من حزيران كل عام يوما عالميات للبيئة التزاما بحمايتها،  وشعارات مثل " فكر عالميا وتحرك محليا" على صعيد حماية البيئة، و قد شهد القرن الماضي الإعلان عن ألفية البيئة،  ويشهد القرن الحالي إعلان العام / 2003 / عامل للمياه النقية. وتبقى هذه المبادرات صرخة في واد،  إذا لم يسارع العالم بآسره للضغط على إسرائيل و إجبارها على الانصياع لرغبة الإنسان والنبات والحيوان بالبقاء،  و تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بوقف ممارساتها التعسفية القمعية غير القانونية في الجولان  و إزالة مستوطناتها،  وسحب قوات احتلالها من الجولان إلى حدود الرابع من حزيران عام /1967/.

وقد ركزت كافة الجهود المذكورة عالميا على ضرورة إنقاذ البيئة من كافة أشكال التلوث،  وحماية المصادر الطبيعية للأجيال القادمة. وقد شكل انعقاد / ريو دي جانيرو / 2000/  خطوة دولية جبارة على صعيد حماية البيئة،  باعتباره أكبر تجمع دولي عرفته الأمم المتحدة بهدف حماية البيئة، وقد فاق في حجم جهوده و توصياته مؤتمر  جوهانسبرغ /2002/  فيما يتعلق بضرورة المحافظة على بيئة صحية وسليمة و خالية من الشوائب،  والخطوات الواجب اتخاذها لتحقيق الهدف الإنساني النبيل في العيش في بيئة صحية و خالية من الشوائب و التلوث. و قد تم بحث  المشكلات البيئية على اعتبارها الجوهري السليم،  وهو حقيقة كونها مشكلات اقتصادية و اجتماعية،  ذات طبيعة عالمية تؤثر بشكل مباشر على حياة جميـع شعوب ودول العالم بدون استثناء، لأن هنالك تشابكاً كبيراً واعتماداً متبادلاً في عالم اليوم الصغير.

ويمكن تحديد أهم مواردنا البيئية في الجولان المحتل،  و التي يتوجب حمايتها وتنميتها،   بعيدا عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم،  بالمصادر الطبيعية وهي: المياه  السطحية والجوفيّة  و الأرض واستخداماتها، وخاصة الأراضي الزراعية وكذلك الأراضي العمرانية والأراضي الصناعية والأراضي المخصصة للخدمات العامة، وكذلك الثروات الطبيعية الموجودة في باطن الأرض المحتلة وفوق سطحها، وكذلك مناطق التنوع الحيوي ، وهي تشمل المحميات الطبيعية، و الغابات، و الأراضي الصالحة للرعي و كذلك  الغلاف الجوي و الموارد البشرية و الاقتصادية و الاجتماعية، بالإضافة إلى المصادر البشرية للأهل تحت الاحتلال و التراث الثقافي والحضاري،  و الذي يشمل الأماكن الأثرية التاريخية والثقافية والسياحية.  وما زالت إسرائيل حتى يومنا هذا تسيطر سيطرة تامة على كل هذه المصادر،  وتمنع المواطنين السوريين في الجولان من استغلال ثرواتهم المائية و الطبيعية و الاقتصادية وغيرها،  في وقت تستمر فيه سلطات الاحتلال بانتهاج سياسة الأرض المحروقة، و القضاء على كافة أشكال الحياة الطبيعية و البشرية،  و تدمير البيئة الطبيعية و الاقتصادية والصحية والثقافية والنفسية للمواطنين العرب السوريين الرازحين تحت نير الاحتلال.

ولئن كانت إسرائيل استطاعت شن هجومها التوسعي المباغت،  في الخامس من حزيران عام /1967/،  و احتلال الجولان العربي السوري، لكنها فشلت في تكريس احتلالها وتنفيذ مخططاتها. وهي تجد نفسها عاجزة اليوم في مواجهة مقاومة أبناء الجولان لها، بعد أن كانت قد اندحرت في حرب تشرين /1973/  وفي حرب الجولان و الاستنزاف، وخرت صريعة، لولا تدخل الولايات المتحدة و جسر الإمداد الجوي بالعتاد والمرتزقة. لقد عجز الاحتلال عن الوقوف أمام المقاتل العربي،  و العربي السوري، الذي اندفع محررا ارض الأباء و الأجداد،  و وصل إلى شواطئ طبريا محطما عنجهية الأعداء و غرورهم. وكان التاريخ ليصدر حكما اكثر موضوعية على حرب العرب التحريرية الأولى في العصر الحديث،  لو أن البعض أرادها حربا للتحرير كما أرداها الرئيس الخالد / حافظ الأسد/  و ليس مجرد للتحريك. وقد شكلت مهمة استرجاع و تحرير الجولان و بقية الأراضي العربية المحتلة الهدف الأسمى للجهود المضنية التي بذلها الرئيس الخالد / حافظ الأسد/ والقيادة السياسية و العسكرية لسورية، وعبر عقود ثلاثة ونيف، ما انفك الرئيس الأسد يعمل جاهدا لحشد طاقات الوطن و الأمة و حشدها لمعركة التحرير و التصحيح و الإعمار،  في مواجهة احتلال غاشم مدعوم من قوى الهيمنة و الإمبريالية و الاستكبار. وسيلط الكتاب على  بعض الجوانب المتعلقة بالجهود التي بذلها الرئيس الراحل لتحرير الجولان المحتل و تخليصه من أسره  و إعادته  إلى أحضان الوطن الأم و المكانة التي تبوءها و أبطال المقاومة من الجولان في قلب و عقل و فكر و عمل الرئيس الراحل. و تستمر هذه الجهود الدؤوبة اليوم بقيادة السيد  الرئيس / بشار الأسد/، الذي حمل الأمانة لتحرير الجولان من رجس الاحتلال و رفع العلم السوري يرفرف خفاقا في كل قرية و حي من أرض الأباء والأجداد. ونبقى أبدا خلف رئيسنا المفدى، تصميما و التزاما بالثوابت الوطنية والمبادئ القومية  المبدئية الراسخة، و مهما طغى الاحتلال  و استكبر، " و يبقى تحرير أرضنا المحتلة شغلنا الشاغل و همنا الدائم، حتى يعود جولاننا الحبيب إلى ربوع الوطن الأم، خاليا من كل زيف و احتلال و تلويث.

 

 

 

Google
Web Site

hafez al assad speech