سؤال : في حديثه إلى مجلة باري ما تش الأسبوع الماضي قال شيمون بيريز إن المباحثات مع الفلسطينيين بدأت منذ 8 أشهر وأنها كانت سرية . متى علمتم يا سيادة الرئيس بهذه المباحثات وهل كانت خافية عليكم كما يقال ؟

السيد الرئيس : عرفات لم يخبرنا باتصالاته السرية ولم تصلنا منه أية معلومات حول هذه الاتصالات وهو يقول إن المباحثات بدأت منذ أواخر العام الماضي ومع ذلك فقد تكتم عليها وأنا عندما التقيت به في دمشق قلت له كان من الطبيعي ومن المفترض أن تخبروا الناس خاصة هؤلاء الذين تظاهرتم بالتنسيق معهم وشاركتم في اجتماعاتهم . وفي الواقع فقد كانت تصلنا شائعات كثيرة حول اتصالات سرية يجريها عرفات وبعض أعوانه مع إسرائيل ولكن الشائعات كثيرة ، منها الصحيح ومنها نصف الصحيح إذا صح هذا التعبير ، ومن هذه الشائعات ما يتحقق بالمصادفة ، وهذا أسلوب خبرناه منذ سنين طويلة ، ولذلك لم يعد المرء يعطي اهتماما كبيرا لهذا الموضوع الشيء الآخر أنه كان متصورا مادامت العملية السلمية قد بدأت بين الدول المعنية وهي الدول التي ذهبت إلى مدريد ثم واشنطن فلابد أن يكون هناك نوع من استمرار التنسيق ، لاسيما أنه كان هناك تنسيق جماعي جيد . ولا أذكر منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي ، أن الأطراف العربية المعنية بهذا الصراع شهدت فيما يتعلق بالمسعى السلمي تنسيقا أفضل مما كان موجودا منذ مؤتمر مدريد وذلك لعدة أسباب ، ولعل أهم هذه الأسباب أن وزراء الخارجية كانوا يجتمعون قبل وفي أعقاب كل جولة للتشاور والتنسيق وصولا إلى أفضل القرارات في ظل التنسيق الجيد ، وكان الوزراء يجتمعون على الأقل مرة كل أسبوع يتبادلون المعلومات وتنسيق العمل إلى أن حدثت المفاجأة التي لم يكن أحد يتوقعها مفاجأة المباحثات السرية واتفاق غزة ـ أريحا . نعم كانت مفاجأة مؤلمة . خاصة ونحن نعرف إخواننا في الثورة الفلسطينية ربما أكثر من غيرنا من الأشقاء العرب بحكم التعايش اليومي المشترك . نعرف كل صغيرة وكبيرة عنهم ونعرف طبائع كل شخص من القادة . وأنا شخصيا أنفق ثلاثة أرباع وقتي لهم بل وكثير من القضايا السورية الملحة كنا نؤجلها لأسباب تتعلق بهم . وكثيرا ما قلت لهم ثقوا تماما أنه بغير الزخم العربي لا يمكن أن تحققوا أي شيء ، ومن المفترض أنهم يعرفون ذلك جيدا . في السنوات الطويلة الماضية جرت بيننا وبينهم أحاديث كثيرة هدفها أن يدركوا هذه الحقيقة لاسيما أن القضية الفلسطينية هي أساس كل شيء . حقيقة إن العدوان الإسرائيلي لم يقتصر على فلسطين .

 

وحدها وإنما شمل دولا عربية أخرى ولكن فلسطين كانت البداية . وطبعا كلنا ندرك تطورات هذه القضية وأنا شخصيا تطوعت عندما كان عمري 16 سنة لأكون مقاتلا في فلسطين . طبعا الحكومة في ذلك الوقت لم تستطع أن تأخذ كل الناس لأنها لم تكن تمتلك حتى السيارات التي تنقلهم للقتال دفاعا عن فلسطين يعني منذ الطفولة وصدور الشباب تلهج بفلسطين ونحن مثلهم ولذلك لم نكن نتوقع أن يحدث ما حدث وأن يصير ما صار .

ثانيا لا يوجد أي مبرر لهذه المباحثات السرية ، ومن رأيي أنهم خسروا، كما خسر العرب، ولم يربح سوى إسرائيل لأنه يستحيل أن يكون الفرد أقوى من الجموع لا يوجد منطق يقرر هذه الحقيقة وإلا تغيرت حتى النظرة إلى الرياضيات ولابد أن إسرائيل حسبت الأمر جيدا ووجدت أنها فرصة ملائمة للاقتناص . إسرائيل لا تعطي إلا القليل للطرف الذي يشذ وإذا أعطت اليوم تأخذ ما أعطته في المستقبل ، هذا إذا كان هناك شيء سيعطى ، ومعروف أن إسرائيل تستفيد من سياسة إحداث الشروخ .

الشيء الثالث أنه إذا كانت بعض الدول وبحكم القيود التي تفرض عليها كدولة تقدم على بعض الأمور ، فإن الثورة باعتبارها شعبية هي التي تفرمل ، الكثير لا أن تركض شيء مؤسف ما حدث . ما حدث لم يكن أحد يتوقعه .

سؤال : أعلن عرفات أنه التقى بكم ، ووصف المقابلة بأنها كانت إيجابية وأنه شكركم على نصائحكم له وأضاف أن الرئيس الأسد كانت له بعض الاعتراضات دون أن يفصح عن هذه الاعتراضات فهل أفهم مما ذكرته يا سيادة الرئيس أن هذه هي الاعتراضات . ؟

السيد الرئيس : لا طبعا ما ذكرته اعتراضات شكلية وإن كانت كلمة شكلية لا تنطبق تماما بسبب تداخل الشكل مع المضمون . الاعتراضات كثيرة كثيرة لكن من حيث المبدأ نحن لن نغير موقفنا من القضية فهي قضية كل العرب هي قضية مصر وقضية سورية وغيرهما وإلا لما كان هناك أي مبرر لكل ما قدم من تضحيات ولما كان هناك مبرر لأن يموت من مات من أجل فلسطين . ولما كان هناك مبرر لأن نجند كل اقتصادنا منذ 40 أو 50 عاما لخدمة القضية الفلسطينية أنا أتحدث عن شعوري كمواطن عربي قبل أن أتحدث عن شعوري كمسؤول . إن فلسطين بالنسبة لنا كأي جزء من بلاد الشام أو سورية .

سؤال : سيادة الرئيس هل يمكن أن يشكل اتفاق غزة أريحا أي تهديد مباشر أو غير مباشر على سورية أو الأردن ، ولماذا بادر الملك حسين بالمجيء إلى دمشق فور توقيع اتفاق غزة أريحا .. ؟

السيد الرئيس : بالنسبة للتهديد أو الخطر الذي يشكله هذا الاتفاق أقول إنه لا يشكل أي تهديد لكن كما تعرف فإننا اختلفنا مع الرئيس السادات عندما حدث انفراده بما حدث رغم أن الرئيس السادات وأنا خططنا لحرب أكتوبر التي كانت ولا تزال إنجازا كبيرا لكـل العرب وبكل المقاييس ولعلك تذكر صورة العرب قبل هذه الحرب وصورتهم بعدها . صحيح أننا كقادة كنا قبل الحرب نشحذ المعنويات لاسيما وأن أمتنا أصيبت بنكسات متتالية ولم يكن معقولا أن تكون معنوياتها بخير ولذلك خططنا طويلا حتى خضنا الحرب . وكانت لنا أخطاؤنا في الحرب وكم كنت أتمنى أن يكون الرئيس السادات موجودا لأتناقش معه وبصراحة حول أمور كثيرة أعود

فأقول كنا نناقش وكنا نختلف ولكننا كنا نعود وننسق مدركين أهمية العمل الجماعي . لأن الطبيعة قالت هكذا العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي ويعطي مردودا أفضل . وعرفات لا يمكن أن يكون مثل السادات ، السادات كان رئيسا لمصر ومصر بلد كبير. لقد تسرع عرفات وكان لابد أن يحد من الضرر الذي أصابه بصورة أفضل .

اتفاق غزة أريحا لا يمكن أن يشكل أي خطر علينا . لكن كما قلت نحن كنا سائرين في طريق التنسيق بفعالية. ولكن هذا التنسيق تحطم والمستفيد بالطبع طرف غريب على الساحة العربية .

لقد صار لنا أكثر من 20 عاما ونحن نسعى للحل الشامل . ولو كنا نبحث عن حل لمشكلة الجولان فقط لكانت أمامنا الفرص ولكننا رفضنا كل شيء لا يحقق الحل الشامل ولم أكن مستعدا لا أنا ولا الشعب السوري للقبول بحل جزئي . ومع ذلك ومراعاة للظروف أعلنا رسميا استمرار سورية في دعم حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق الذي يعود له ولمؤسساته حق إقرار ما يراه مناسبا . ولو كنا نريد أن نعرقـــل الاتفاق لأفشلناه لكن بصراحــة الاتفاق ألحـق مزيدا من الأذى في الساحة الفلسطينية . ومن المؤكد أنه إذا اتضح لنا أن أضرار هذا الاتفـاق ستكون كبيرة سنفعل. لكن في ضوء ما هو مرئي ومــا هـــو متوقع من قبلنا، فــإن الأضرار ستكون أقل مما لو بدأت مشاكل بين الناس وقتال، وعلى العموم سنرى في المستقبل إذا كانت هناك مصاعب كبيرة أم لا. على كل حال أنتم قرأتم الاتفاق وأنا قرأته. ولا أعرف على ماذا اتفقوا. كل نقطة في الاتفاق تحتاج إلى اتفاق ما حدث خطوة في طريق طويل.ولذلك قلنا أنه يعود للشعب الفلسطيني حق إقرار ما يراه مناسبا . وطبعا هذا ليس من مبدئي وليس من مبدأ سورية ، لأنها مسؤولية كل العرب وليس معقولا من الشخص الذي ضحى بكل شيء من أجل فلسطين أن نقول له أنت غريب عن هذه القضية .

سؤال : لقد علق البعض على مقولة إن سورية تقبل بما يقبل به الشعب الفلسطيني بأنه يعني تأييد الاتفاق ؟

السيد الرئيس :الحقيقة نحن كنا واضحين تماما لم نبارك ولم نؤيد لم نعارض ولم نقبل. أنا نصحت الأخوة . عرفات قال إنه شكرني على النصائح . أنا قلت له فقط وحد الشعب ، وحد المواطنين حتى لا تكون هناك مذابح . وقلت له لن نعرقل ولذلك قال شكرا ثلاث مرات .

سؤال : معنى ذلك أنكم توافقون على تعبير الأوساط الإعلامية والسياسية بأن الرئيس الأسد لم يوافق ولم يعترض .. ؟

السيد الرئيس : نعم هذا تعبير صحيح .

سؤال : ولكن هناك من يقول إن زيارة عرفات لدمشق أعطته دفعة قوية .. ؟

السيد الرئيس : طبعا اللقاء في حد ذاته أعطاه دفعة ، لأنه لاشك أن استقبال عرفات في دمشق لم يكن أمرا مرغوبا فيه . والحياد في هذا الموضوع أيضا غير مقبول .

سؤال : من الثابت يا سيادة الرئيس أنه لا سلام بدون سورية ولا سلام بدون لبنان ، ولا سلام بدون الأردن ، ولا سلام بدون فلسطين وقد بدأت خطوة السلام بالفعل مع الفلسطينيين ثم الأردنيين فمتى تتوقع يا سيادة الرئيس أن تبدأ خطوة السلام الأولى مع سورية ولبنان .؟

السيد الرئيس : طبعا المفاوضات التي بدأناها منذ سنتين من المفترض أنها ستستمر لأنه لم يقل أحد إنه لا يريد الاستمرار فيها ولم نقل نحن إنها لن تستمر .

سؤال : نحن نطالب بالسلام الشامل لكل الأطراف العربية . وعندما يتفق الفلسطينيون مع إسرائيل ثم الأردن ، ثم لبنان ، ثم سورية ، أليس هذا في النهاية هو الحل الشامل . ؟

السيد الرئيس : إسرائيل تسعى للصيد المنفرد . ولا يمكن أن يترافق هذا مع حسن النوايا وإلا نكون نحن السذج ونحن البسطاء . لأن الذي يريد سلاما حقيقيا لا يمكن أن يسعى للصيد المنفرد. عندما تتقابل مع أربعة أفراد وتريد أن تتصالح معهم ما المبرر في إصرارك على الصلح مع كل فرد على جانب . إن هدف إسرائيل إظهار أن الدول العربية متفرقة لكي تفرض إرادتها،على كل حال عندما توقع سورية في نهاية المطاف ، تكون قد أدت التزامها نحو السلام

لأنه لن يكون هناك أحد يتقاتل بمفرده .

إنكم تسألون عن الاجتماع ، بالملك حسين هنا في دمشق . والواقع أن الملك حسين قال إنه لن يوقع اتفاقية سلام إلا في النهاية رغم أن مشاكل الأردن مع إسرائيل محدودة . والملك حسين فوجئ باتفاق غزة أريحا وقال إنه لا يعرف ماذا يحدث وأبدى دهشته لأنه كان من المفترض أن يعرف أكثر من غيره باعتبار أن هناك لجانا مشتركة بين بلاده والفلسطينيين وقد جرت المناقشات مع الملك حسين في هذا الإطار والملك حسين عبر عن عدم ارتياحه للاتفـاق .

لأن المباحثات كانت خافية عليه . هكذا قال . وقد صدر بيان عقب المباحثات أكد أننا بحثنا الاتفاق الفلسطيني الذي فوجئ به البلدان والذي لم يجر التنسيق في شأنه مع الأطراف العربية.

سؤال : في المقابل يا سيادة الرئيس ما الذي دفع إسرائيل لأن تتماشى مع هذه الخطوة هل تهدف مثلا إلى إظهار عدم اتفاق العرب . ؟

السيد الرئيس : إسرائيل كما يعرف الجميع غير مرتاحة في غزة . إنها تواجه صعوبات غير هينة والشواهد المؤكدة لهذه الحقيقة ليست خافية على أحد ، وإسرائيل لها مصلحة في أن يشارك العرب في تحمل نتائج المصاعب التي تتحملها ، والاتفاق يحقق لها هذا الهدف .

ومع ذلك أنا أتمنى أن يحقق هذا الاتفاق أكثر مما يستنتج المرء عندما يقرأه ، لأن الاتفاق يبقي كل شيء بيد إسرائيل . الاتفاق لم يعط أي شيء . وطبعا ياسر عرفات عليه أن يرضى بأي شيء . لكنه أدخل نفسه في سجن كبير .

سؤال : في أقل من أسبوع عقب توقيع اتفاق غزة أريحا تلقيتم يا سيادة الرئيس اتصالين هاتفيين من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هل يمكن معرفة أبرز ما دار بينكما .. ؟ وما صحة ما تردد عن تأكيد الرئيس كلينتون لسورية بأن بلاده ستواصل دور الشريك الكامل .. ؟ وهل لازالت الولايات المتحدة تمارس دورها كشريك أم إن الساحة أصبحت متاحة لإسرائيل لممارسة سياسة الأمر الواقع .. ؟

السيد الرئيس : تعبير الشريك الكامل يمكن أن يفسر بأكثر من معنى ما نسمعه منهم بالفعل ، حدث هذا عندما جاء وارن كريستوفر للمنطقة لأول مرة ولثاني مرة ، وكذلك في الاتصالات التي صارت مع الرئيس كلينتون أقول ما نسمعه منهم يؤكد الالتزام بتحقيق السلام على أساس المبادرة التي تضمن أن الأرض مقابل السلام . وعلى أي حال الرئيس كلينتون أكد في الاتصالين حرص الولايات المتحدة على متابعة جهودها لإنجاح عملية السلام والتزامها بالعمل من أجل التقدم على جميع المسارات في عملية السلام هم دائما يؤكدون هذه المعاني بصور مختلفة . وفي إطار هذا التأكيد كانت الاتصالات الأخيرة معهم .

طبعا الإدارة الأمريكية إدارة جديدة ، ولذلك فإن اللقاءات معها كانت محدودة . وفي ضوء ما تسمح به اللقاءات المحدودة بالاستنتاج نستطيع أن نقول إنهم راغبون في دعم مسيرة السلام والولايات المتحدة باتت ترى أن دورها لابد أن يجد انعكاساته العملية ونتائجه على الأرض بشكل ينقذ العملية السلمية مما هي فيه من ركود وجمود ومن المؤكد أن الولايات المتحدة وجدت إلى حد كبير أن مباردتها القائمة على عودة الأرض مقابل السلام تتعرض لنبذ وجـذب خاصة إن الجانب الإسرائيلي حاول مرارا القفز فوق هذا المبدأ والتحايل عليه بأساليب مناورة ومخادعة واستفزازية .

وإلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة أن تصعّد دورها وتفعّله . هذا أمر من الصعب التكهن به الآن . والتجربة القادمة هي التي ستحكم على فعالية أو عدم فعالية هذا الدور . طبعا لا نستطيع أن نأخذ من الكلام أو حتى من الممارسة ثغرة تولد لدينا الشكوك نحو نواياهم حتى الآن

بالطبع وارد أن إسرائيل تستطيع أن تعرقل أحيانا وأن تضغط على الإدارة الأمريكية وسورية. وهي تؤكد استعدادها الدائم على التعاون لإنجاح عملية السلام والتزامها بتحقيق الحل العادل والشامل وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية ، ونحن نتمسك بثوابت الحل العادل والشامل من خلال حرصنا على أن تؤدي مسيرة السلام إلى الأهداف الموضوعة لهذه المسيرة .

والحل العادل والشامل وحده هو الذي يضمن نجاح واستمرار السلام ، بعيدا عن سياسة الأمر الواقع وما يرافقها من هزات وظلم كما تسعى إسرائيل وهي تطرح مشاريع الحلول الجزئية والصفقات المنفردة والانسحابات المحدودة .

سؤال : في رأي سيادتكم ما هي أبرز الأسباب التي دفعت ياسر عرفات إلى الدخول في مباحثات سرية وطويلة مع الإسرائيليين على الرغم من استمرار مفاوضات السلام في واشنطن والتي تشارك فيها سورية ولبنان والأردن ؟ .

السيد الرئيس : ربما اعتقد أنه سيكون رابحا في سلوك هذا الطريق أكثر من ربحه فيما لو

بقي بالأسلوب السابق .

سؤال : رابحا على المستوى الشخصي أم على مستوى القضية .. ؟

السيد الرئيس : ياسر عرفات لا يفرق بينه وبين القضية الفلسطينية . طبعا كان معروفا أن إسرائيل تريد أن تتخلص من غزة بأي ثمن . كانت تبحث عن شخص يستلمها . سمع هذا وسعى إليه . وصار اتفاق غزة ـ أريحا . أي سياسة هذه تلك التي تبنى على كلام يطير في الهواء .. ؟

سؤال : سيادة الرئيس . سمعنا عن رفض فصائل فلسطينية للاتفاق كانت تعارض مقابلتكم لعرفات أين الحقيقة .. ؟

السيد الرئيس : طبعا كانوا ينتظرون من سورية أن ترفض استقبال عرفات . وقد طلب عرفات الاجتماع بهم ولكنهم رفضوا ولذلك أنا أقول عندما يطالبوننا في الغرب أو في إسرائيل أن نسكت هؤلاء نقول : على رابين أن يسكت الليكود .

سؤال : ياسر عرفات قال إنه قادر على ضم الصف الفلسطيني . بينما هناك من يرى أن الصراع قد يتحول من فلسطيني إسرائيلي إلى فلسطيني ـ فلسطيني .. ؟

السيد الرئيس : البعض من الفلسطينيين يقول هذا الكلام . اليوم سمعت تصريحا لمسؤول من حماس في عمان يقول نحن لا نريد اللجوء للعنف ضد الفلسطينيين ولكن في نفس الوقت نريد أن نمارس حقوقنا والاحتمال بأن تصير مشاكل بينهم احتمال قائم والأمر ليس بالبساطة التي تحدث عنها ياسر عرفات .

سؤال : حتى لو حدثت وساطة سورية أو عربية ؟

السيد الرئيس : وساطة سورية في هذا الموضوع لا يمكن أن تحدث . غزة ـ أريحا . أي سياسة هذه تلك التي تبنى على كلام يطير في الهواء .. ؟

سؤال : سيادة الرئيس . سمعنا عن رفض فصائل فلسطينية للاتفاق كانت تعارض مقابلتكم لعرفات أين الحقيقة .. ؟

السيد الرئيس : طبعا كانوا ينتظرون من سورية أن ترفض استقبال عرفات . وقد طلب

عرفات الاجتماع بهم ولكنهم رفضوا ولذلك أنا أقول عندما يطالبوننا في الغرب أو في إسرائيل أن نسكت هؤلاء نقول : على رابين أن يسكت الليكود .

سؤال : ياسر عرفات قال إنه قادر على ضم الصف الفلسطيني . بينما هناك من يرى أن الصراع قد يتحول من فلسطيني إسرائيلي إلى فلسطيني ـ فلسطيني .. ؟

السيد الرئيس : البعض من الفلسطينيين يقول هذا الكلام . اليوم سمعت تصريحا لمسؤول من حماس في عمان يقول نحن لا نريد اللجوء للعنف ضد الفلسطينيين ولكن في نفس الوقت نريد أن نمارس حقوقنا والاحتمال بأن تصير مشاكل بينهم احتمال قائم والأمر ليس بالبساطة التي تحدث عنها ياسر عرفات .

سؤال : حتى لو حدثت وساطة سورية أو عربية ؟

السيد الرئيس : وساطة سورية في هذا الموضوع لا يمكن أن تحدث .

سؤال : كشف رابين عن تاريخ قديم للاتصالات الإسرائيلية المغربية وقال إنها تعود إلى /20/ عاما مضت وقال أيضا إن الملك الحسن من سلالة لم تناصب إسرائيل العداء . هل انت هذه الاتصالات غائبة عن القادة العرب أم أنها وضعت في الاعتبار عندما اختير الملك الحسن رئيسا للجنة القدس وبماذا تفسرون يا فخامة الرئيس مبادرة الملك الحسن بدعوة رابين لزيارة المغرب فور الانتهاء من مراسم الاحتفال بتوقيع غزة ــ أريحا في البيت الأبيض ؟

السيد الرئيس : أنا سمعت هذه التصريحات التي قالوا فيها إنه ما دام صافح الفلسطينيون قادة إسرائيل ، فلم يعد هناك مبرر لإبقاء الخصومة وعلى كل حال العرب يعرفون الاتصالات المغربية الإسرائيلية . كلنا سمعنا بها في أوقات مختلفة .

سمعنا عن زيارات ولقاءات مع الإسرائيليين داخل المغرب وداخل إسرائيل ، وتذكر أن سورية في وقت من الأوقات قطعت العلاقات مع المغرب لهذا السبب وكانت هناك خلافات بين الدول العربية والمغرب لهذا السبب .

طبعا تأثير هذه الاتصالات لا يعدو كونه تأثيرا معنويا على الأقل يجب على الشخص أن يشارك شقيقه ولو بالعواطف ، لو كان الأمر أن القادة الفلسطينيين سلموا عليهم وذهبوا لما كان هناك مبرر للألم بمثل هذه الدرجة ولكن الموضوع ليس مقصورا على مصافحة عرفات أو غيره لرابين أو غيره . هناك بلاد عربية مازالت أراضيها محتلة . هناك ملايين المهجرين من فلسطينيين وسوريين : في سورية وحدها نصف مليون مشرد وفي لبنان قتل ومذابح وكذلك الحال في الأردن .

حقيقة إن العدوان الإسرائيلي بدأ بفلسطين ، ولكنه امتد إلى غيرها . امتد إلى مصر وسورية وأجزاء من الأردن ولبنان . مع الأسف هذا ما وقع : طبعا نحن لا نتجاهل وضع عالم اليوم لا نبتعد عن التطورات الهامة التي جرت في العالم ولكن نقول بصدق إن المستقبل العربي سيكون سيئا جدا إذا خضع لاعتبارات وهمية .

لا يوجد مبرر لأي شعب أن يتخلى عن قيمه ومبادئه ، وعندما يجابه الأخطار يجب عليه أن يبحث في كيفية تحقيق نفسه حتى لا يتخلى عن قيمه ومبادئه .

سؤال : يهم الرأي العام العربي أن يسمع منكم يا سيادة الرئيس توقعاتكم بالنسبة للاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في المستقبل القريب وتأثير ذلك على التسوية الشاملة والعادلة للصراع العربي الإسرائيلي .. ؟

السيد الرئيس : من الطبيعي ما لم يحدث سلام تظل شكوكنا عميقة في إسرائيل ، ولا يمكن أن ننطلق من حسن نياتها. وبالتالي يمكن أن نستنتج الكثير مما ترمي إليه من وراء هذا الاتفاق وإلهاء العرب (بلعب الأطفال) إذا صح أن نسميها هكذا - ولكنها لعب دموية تسـتهدف تهديد عملية السلام أو القضاء عليها أو منع تحقيقها . من خلال سياسة الأمر الواقع وجمع المتناقضات وطرح مشاريع الحلول الجزئية والصفقات المنفردة والانسحابات المحدودة .

وعندما يلتهي بعض العرب بالمشاكل بينهم تكون إسرائيل في راحة تامة . خاصة إن إسرائيل لا تريد إلا السلام الذي تكون حدوده القصوى ضيقة جدا وفي النهاية تقول إنه سلام مقابل سلام وهذا ما تهدف إليه، صحيح أن حزب العمل قال أفضل مما قاله الليكود. لكن مع ذلك لم يقل ما تقتضيه العدالة التي اتفق عليها العالم وهي التي تنص على أن يأخذ كل شخص حقه وما يقول به ميثاق الأمم المتحدة عن عدم جواز احتلال الأراضي بالقوة وقرارات الأمم المتحدة وقوانينها واضحة فيأن الأراضي المحتلة يجب أن تعود لأصحابها إسرائيل لاتسير في هذا الاتجاه وبالتالي فهي لا تريد السلام .

سؤال : جماعات الرفض الإسرائيلية كانت أعنف في تهديداتها من جماعات الرفض الفلسطينية وقد اعترف رابين بأنه يجد صعوبة بالغة في الحصول على موافقة الأغلبية في الكنيست ، ولم يستبعد الدعوة إلى الاستفتاء العام ، وإن كان يستبعد إجراء انتخابات جديدة . هل هذا مجرد توزيع أدوار أم إن هناك رفضا حقيقيا إسرائيليا يهدد السلام ؟

السيد الرئيس : بالتأكيد يوجد أناس رافضون للاتفاق داخل إسرائيل حزب الليكود مثلا يرفض الاتفاق ، وخلال الأشهر التي فاوضت فيها حكومة شامير العرب قبل سقوطها ومجيء حكومة رابين ، كان واضحا أنها تعرقل أية خطوات جدية في اتجاه تحقيق السلام ، وتطرح شعار السلام مقابل السلام أي إن الليكود يريدون السلام مع استمرار الاحتلال إذن تصريحات الليكود ومواقفهم لا تترك مجالا للشك في معارضتهم للاتفاق وللسلام بشكل عام .

يوجد خلاف حقيقي بين حزب العمل وحزب الليكود وأنا أعتقد أن الأكثرية تؤيد الاتفاق الإسرائيلي ـ الفلسطيني . ليس لأن لديهم جميعا تفكيرا واحدا . ولكن لأن هذه الأكثرية بدرجات متفاوتة تعتقد أن لإسرائيل مصلحة في هذا الاتفاق فالليكود يرى أن هذا الاتفاق لا يحقق مصالح إسرائيل كاملة ، خلافا للعمل الذي يرى عكس ذلك .

سؤال : ولكن الجميع يا سيادة الرئيس يتحاشون الحديث عن وضع القدس ، أو يطلبون تأجيل بحث هذا الموضوع وقد ذكر ياسر عرفات أن تصريح رابين حول اعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل إنما يقصد به الجزء الغربي منها .؟

السيد الرئيس : يظهر أنه عقد اتفاقا سريا حول القدس عرفات هو الذي يفسر تصريح رابين على هواه . ورابين غالبا ليس له علم بما يجتهده عرفات . وإذا كان هناك اتفاق سري بهذا المعنى الذي يقصده عرفات فهذا أمر جيد .

سؤال : الإسرائيليون ــ يا سيادة الرئيس لم يصدر عنهم أي كلام بالتفسير الذي ذكره عرفات . فهم يصرون على بقاء القدس موحدة وعاصمة لهم ، بينما يأمل الفلسطينيون أن يوفر لهم الاتفاق فرصة في المستقبل لجعل القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية فكيف سيتم ذلك في رأيكم .. ؟

السيد الرئيس : أتصور أن هذه المشكلة فلسطينية بالأساس ، لكن ضمن أعراف هذا العالم لابد أن يكون هناك كيان فلسطيني بعد أن تولى الفلسطينيون قضيتهم وعموما فإن هناك صعوبات في وضع الدول العربية من النواحي السياسية والقانونية حيال التعامل مع قضية القدس ، لكن ومع وجود هذه الصعوبات فإن للقدس وضعا خاصا ولابد للعرب أن يفعلوا شيئا حيالها ، ولابد من إيجاد حل للقدس حتى لا تبقى مشكلة دائمة .

سؤال : سيادة الرئيس ، أريد أن أسألك بصراحة ما العقبة التي تحول دون تحقيق نوع من الاتفاق بين سورية وإسرائيل ، أو بمعنى آخر من يسبق من ؟ ! الأرض ثم السلام ؟ أم السلام قبل الأرض؟

السيد الرئيس : حقيقة هذا الكلام نسمعه ونقرؤه في كل دول العالم ومن تابع تصريحات موفق العلاف رئيس وفدنا المفاوض في محادثات السلام لابد أنه عرف حقيقة موقفنا ، فنحن مستمرون في الالتزام بعملية السلام وحريصون على إقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط ومستعدون للتعاون من أجل تحقيق هذا الهدف .

ولكن السلام الذي تنشده سورية هو السلام الذي يمكن كل ذي حق حقه ، ويعطي الأمن والطمأنينة للجميع أما أن يكون السلام كما تريده إسرائيل استحواذا على الأرض والسلام معا فهذا ما لن تقبله سورية تحت أي ظرف من الظروف . إن سورية تلتزم بقراري مجلس الأمن الدولي /242/ و /338/ وفي القرارين ما يكفي للتأكيد بإن من يعرقلهما هو الذي يتهرب من استحقاقات السلام .

ورقة العمل التي قدمتها سورية في محادثات السلام قال الأمريكيون وغيرهم عنها بأنها وثيقة تاريخية . هذه هي سياستنا المقررة والثابتة ودعني يا أخ إبراهيم أذكرك بأن سورية هي التي فتحت الطريق إلى السلام بقبولها المبادرة الأمريكية ، التي اعتبرت قراري مجلس الأمن /242/ و /338/ الأساس في التوصل إلى تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة ، ولقد قلت من قبل ، وأعيد الآن أن فرص السلام أصبحت أفضل من ذي قبل بسبب المناخ الدولي الراهن وأيضا بسبب نمو وازدياد عدد الراغبين في السلام حتى داخل إسرائيل ذاتها وكما تعرف فإن النقاش الذي يدور منذ سنتين يتركز حول مقولة مبادلة الأرض بالسلام والانسحاب مقابل السلام ،من يكون أولا ؟ الانسحاب أم السلام ؟ أنا قلت للجانب الأمريكي الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل، ولم تقل إسرائيل شيئا . لقد أكدت سورية مرارا استعدادها الدائم للتعاون لإنجاح عملية السلام في ظل تمسكها بثوابت الحل العادل والشامل ، لأنها حريصة كل الحرص على أن تؤدي مسيرة السلام إلى الأهداف الموضوعة لهذه المسيرة من خلال وثائق وتعهدات وضمانات لأن الحل الشامل هو الذي يضمن نجاح واستمرار عملية السلام والحلول الجزئية والانسحاب المحدود لا يمكن أن يقود إلى سلام دائم .

على كل حال . فإن سورية ترى أن مرجعية السلام تشكل وحدة متكاملة ، وهذه المرجعية هي التي ارتكزت عليها المبادرة الأمريكية التي نادت بعودة الأرض مقابل السلام وإسرائيل أخلت بالشروط التي تأسس عليها مؤتمر مدريد وسخرت كل جهودها لوأد مبادرة الأرض مقابل السلام ورابين يدعي أن سورية هي التي تعرقل مسيرة السلام ، لكن الجميع يعرف ويدرك أنه لو لم تكن الموافقة السورية على مدريد وعلى المبادرة الأمريكية لما بدأت مفاوضات واشنطن ويعلم أن لسورية الدور الأساسي في عملية السلام .

وإذا كان رابين يرى أن تمسك سورية بحقها يعرقل السلام فالكل يعلم أن سورية لن تفرط في ترابها الوطني ، وإسرائيل هي المسؤول عن عدم تحقيق تقدم إيجابي في مباحثات السلام ، وهي المسؤولة عن جمود وركود المباحثات ودورانها في حلقة مفرغة إنها تراوغ ولا تتجاوب مع بند الانسحاب ، وهو البند الذي تضمنته الوثيقة السورية في الجولة السادسة لقد استمر النقاش وتواصل حوله إلى الجولة الحادية عشرة . وكان واضحا أن عدم تخلي إسرائيل عن الجولان وانسحابها الكامل من الأراضي العربية السورية المحتلة ، في إطار سلام عادل وشامل في المنطقة ، يكشف أنها تريد أن تفرض سياسة الأمر الواقع وتجر العرب إلى التسليم بخططها العدوانية والقبول بالحلول الجزئية والصفقات المنفردة والتسويات المرحلية .

أهداف إسرائيل غير خافية على أحد وهي تعرف قبل غيرها أن السلام غير ممكن في ظل استمرار الاحتلال ، وأن السلام لا يأتي بالتقسيط ،ومباحثات واشنطن لن تحقق أهدافها ولن نقذها إلا العودة لقرارات مجلس الأمن /242/ و /338/ ، هي القرارات التي استندت إليها المبادرة الأمريكية التي قامت على مبدأ عودة الأرض مقابل السلام .

إن ورقة المبادئ التي سارت على أساسها المباحثات اختلطت . إنهم يسمون الإعلان الفلسطيني الإسرائيلي اتفاق الشرق الأوسط أو سلام الشرق الأوسط ، وفي الإعلان نسمع عن مبادئ .

ولكنها حسب معلوماتي مبادئ غير واضحة وغير محدودة فضلا عن كونهـا غير كافية، نحن مثلا لا نعرف كيف ستمارس الشرطة مهمتها . حتى المفاهيم اللغوية ضاعت في هذا الاتفاق . في مكان آخر تقرأ تسميته "جدول الأعمال" وجدول الأعمال هذا موضوع في آخر الاتفاق . أما نحن فقد وضعنا مبادئ واضحة ومحددة ، ولهذا تجد إسرائيل تراوغ وتناور تهربا من هذه المبادئ .

سؤال : هل يمكن لإسرائيل أن تقول لا مانع من الانسحاب من أراض في الجولان وليس كل الجولان كما فعلت في القرار /242/ وتضيع وقتا طويلا من النقاش كما حدث عند تفسيرها للقرار /242/ ؟

السيد الرئيس : على كل حال في اللغة الفرنسية مكتوب كل الأراضي بوضوح ، كذلك فإن اللغات الأخرى مثل الإسبانية والصينية ليس فيها أي لبس في التعريف . والذي يحسم المسألة القاعدة الأساسية للقرار . والقاعدة الأساسية للقرار تقول إنه لا يجوز الاستيلاء على الأراضي بالقوة وبالتالي فالقضية محسومة وقبل كل شيء وبعد كل شيء يرجع في الأمر لصاحب الحق . هل يمكن أن يتنازل عن حقه أم لا . والإسرائيليون الآن بالتأكيد يعرفون أنه لا يوجد لهم أي أمل في أن تقدم سورية شبرا واحدا من الأرض . والولايات المتحدة تعرف هذا الأمر جيدا حتى قبل مؤتمر مدريد . يعرفون أن السلام ليس قضية بيع وشراء . ولن يكون أبدا على حساب الأرض ، ويعرفون أن مبادرة السلام الأمريكية وافقنا عليها ، لأنها تنسجم مع قرارات الأمم المتحدة . ولقد أكدت الإدارة الأمريكية في جميع المناقشات التي جرت بيننا وبينها أن المبادرة الأمريكية تستند على القرارين /242/ و /338/ .

وإسرائيل ـ كما قلت ـ تعرف ذلك ، ولذلك عندما تقول أشياء أقل من ذلك ، فهي تعرف مقدما أنها مرفوضة . ولقد قلت من قبل أن سورية لن تتخلى عن شبر من الجولان . وأن الحل الوسط في موضوع الأرض غير وارد ، وأن السلام لا يمكن بحال أن يقوم على حساب أراضي الآخرين .

سؤال : هل تتوقع يا سيادة الرئيس أن نشهد حلا خلال هذا العام كما قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي .؟

السيد الرئيس : إذا قبلت إسرائيل قرارات مجلس الأمن يمكن أن يتحقق ذلك ، ولكن فيما يتعلق باللحظة الراهنة فما نشهده لا يبشر بإمكان تحقيق هذا ، ، ربما قبل هذه الأيام كانت هناك مؤشرات . طبعا البعض يرجع ذلك إلى الظروف الراهنة في إسرائيل وخاصة في علاقة المعارضة بالحكومة . لكن وكما قلت وباعتبارنا أعداء فمن الطبيعي أن يكون الحذر واجبا

سؤال : سورية سباقة دائما إلى نجدة الدول العربية والمشاركة في الدفاع عن أمنها وحدودها حدث هذا أخيرا أثناء أزمة الخليج وتواجد قوات سورية مع القوات المصرية للدفاع عن الخليج وسؤالي هل توافق سورية على المشاركة في تحقيق الأمن في أريحا وقطاع غزة في حالة طلب عرفات ذلك . ؟

السيد الرئيس : إذا كانت إسرائيل لا ترضى أن نعود إلى الجولان ، هل سترضى أن نذهب إلى أريحا . وبافتراض أنها قبلت فمن سيكون قائد قواتنا بموجب الاتفاق عرفات ممنوع عليه أن يشكل جيشا .

سؤال : أقصد يا سيادة الرئيس . وبالنسبة للأمن والشرطة . لقد ذكروا أنه من الجائز أن يستعينوا في هذه المسألة بمصر أو الأردن هل يمكن أن يستعينوا بسورية

أيضا.. ؟

السيد الرئيس : هم لم يقولوا سورية . لو طلبوا ونحن في هذا الوضع فبالتأكيد لن نذهب لأن إسرائيل تسيطر على الحدود الخارجية . فكيف ندخل إذن ؟ والذي يسيطر على الحدود لابد أن يستلم من بداخل الحدود . ولا مجال لهذا الافتراض لأن إسرائيل لا يمكن أن تقبل وعرفات لا يستطيع أن يفرض سيطرته وقراره على إسرائيل .

سؤال : هناك من يقول خاصة في الدوائر الفرنسية إن سورية حقيقة راغبة في السلام ولكنها تطلب ثمنا غاليا وإسرائيل غير قادرة على الوفاء بهذا الثمن ماذا يمكن أن يقنع إسرائيل بالانسحاب من الجولان دون مقابل ..؟

السيد الرئيس : المقابل هو السلام والمباحثات تدور حول قرارات الأمم المتحدة وهذه القرارات تنص على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها ، والمبادرة الأمريكية أيضا تقول بهذا . ولقد دخلنا عملية السلام على هذا الأساس ، وإسرائيل أيضا دخلت عملية السلام على هذا الأساس لأنه لم يكن لكل طرف أساساته الخاصة به . أساس العملية كان واضحا للجميع. ولو لم تكن إسرائيل ترى في هذه العملية ، مقابلا ما لرفضت دخول عملية السلام ولا يعقل أن يكون مقابل السلام بالنسبة لأصحاب الحق هو أن يقدموا جزءا من أراضيهم أو ترابهم الوطني .هذا أمر ، لا يمكن أن تقره المواثيق أو الأعراف التي تعارف عليها الناس في العصور المختلفة .

أن يتنازل شعب من الشعوب عن جزء من أرضه أو كلها من أجل أن يحقق السلام مع طرف آخر ، إلا إذا كان مسموحا كما يجري في الحروب وتستسلم الدول ويفرض عليها المحتل إرادته هذا أمر آخر نحن نتحدث عن سلام وليس عن استسلام إسرائيل ستأخذ المقابل انفتاح تعاملها مع الدول العربية مقابل كبير جدا وكان حلما من الأحلام الإسرائيلية. ولكن مادامت إسرائيل تجد في بعض أوضاع العالم العربي ما يساعدها فإنها ستحاول الحصول على مزيد من الثمن أو مزيد من توسع أحلامها . لأن لديها الرغبة ولديها الطمع.

سؤال : ما رأي الرئيس الأسد في إعلان كريستوفر عن استعداد بلاده لوضع قوات أمريكية في الجولان على نحو ما فعلت في سيناء لكي تشجع إسرائيل على الانسحاب منها ؟

السيد الرئيس : في واقع الأمر لم يبحث أحد هذا الأمر معي أو جرى اتفاق بشأنه مع أحد . نحن نسمع مثل هذا الكلام في تصريحات وربما طرحت أحيانا في سياق مباحثات، لكن لم يناقش هذا الموضوع ، ربما كما قلت طرحت في مباحثات تمهيدية في وقت من الأوقات لكن لم نتفق على أية نقطة بشأن هذا الموضوع .

طبعا نحن قلنا عن إجراءات أمنية متكافئة ومتساوية على الجانبين ، وهذا الأمر تقريبا من البنود التي اتفق عليها في واشنطن كجزء من الورقة السورية . قلنا إننا نقبل بوجود قوات دولية على الحدود لكن لم نتحدث عن جنسية هذه القوات ، تحدثنا عن مبادئ وعلى العموم نحن نناقش كل شيء في وقته وطبعا عندما نصل إلى هذه الحالة فكلا الطرفين سيتمسك بقوى تشكل ضمانا له ويمكن لأي طرف ألا يقبل بالقوات التابعة للطرف الآخر . وفي هذه الحالة نبحث عن حلول يرضى عنها الطرفان .

سؤال : ما هو تفسيركم لهذا الاتفاق الفلسطيني حول الاتفاق الأخير . إنني لا أتحدث عن الفصائل المعروفة بخلافاتها مع منظمة التحرير ، وإنما أشير إلى بعض قادة المنظمة مثلا فاروق قدومي وغيره على نحو ما فعلت في سيناء لكي تشجع إسرائيل على الانسحاب منها؟

السيد الرئيس : في واقع الأمر لم يبحث أحد هذا الأمر معي أو جرى اتفاق بشأنه مع أحد . نحن نسمع مثل هذا الكلام في تصريحات وربما طرحت أحيانا في سياق مباحثات، لكن لم يناقش هذا الموضوع ، ربما كما قلت طرحت في مباحثات تمهيدية في وقت من الأوقات لكن لم نتفق على أية نقطة بشأن هذا الموضوع .

طبعا نحن قلنا عن إجراءات أمنية متكافئة ومتساوية على الجانبين ، وهذا الأمر تقريبا من البنود التي اتفق عليها في واشنطن كجزء من الورقة السورية . قلنا إننا نقبل بوجود قوات دولية على الحدود لكن لم نتحدث عن جنسية هذه القوات ، تحدثنا عن مبادئ وعلى العموم نحن نناقش كل شيء في وقته وطبعا عندما نصل إلى هذه الحالة فكلا الطرفين سيتمسك بقوى تشكل ضمانا له ويمكن لأي طرف ألا يقبل بالقوات التابعة للطرف الآخر . وفي هذه الحالة نبحث عن حلول يرضى عنها الطرفان .

سؤال : ما هو تفسيركم لهذا الاتفاق الفلسطيني حول الاتفاق الأخير . إنني لا أتحدث عن الفصائل المعروفة بخلافاتها مع منظمة التحرير ، وإنما أشير إلى بعض قادة المنظمة مثلا فاروق قدومي وغيره الذين وقفوا فجأة ضد الاتفاق وضد عرفات نفسه .. ؟ وهل يمكن لفاروق قدومي مثلا وهو من أبرز قادة منظمة التحرير أن يجهل ما كان يجري منذ 8 شهور سرا في النرويج .. ؟

السيد الرئيس : يقولون إنهم لم يكونوا يعلمون . ويقولون إن الاتصالات كانت محصورة في عدد بسيط ، وبالتالي كانت المعلومات محصورة في هذا العدد حتى على بعضهم يتخابثون .

سؤال : معلوماتي أن ياسر عرفات كان مصرا على رفض معرفة أية دولة عربية بما يجري من مباحثات سرية ، وأن إسرائيل هي التي أصرت على إحاطة مصر علما بهذه المباحثات دون التطرق إلى التفاصيل .. ؟

السيد الرئيس : هذا ما قيل . طبعا ياسر عرفات أعطى انطباعا من الساحة العربية إن مصر كانت على علم . لقد سمعت له تصريحا بهذا المعنى في مؤتمر صحفي عقده في القاهرة أكد فيه أن بصمات مصر على الاتفاق مؤكدة .

سؤال : الذي لاحظنا أن الرئيس كلينتون في كلمته لم يشر إلى أن مصر لعبت دورا بينما نوه بدور النرويج كذلك فإن ياسر عرفات خلت كلمته في الاحتفال بالبيت الأبيض من أي معنى يشير إلى ما أشار إليه في مؤتمره الصحفي . أما عن حديثه للتلفزيون المصري فقد قال إن مصر شريكة لنا ونحن نشكرها .. ؟

السيد الرئيس : من السابق لآوانه البناء على ما يقوله هذا أو ذاك .

سؤال : أكد عرفات أن الخلاف في الرأي بين القيادات الفلسطينية ظاهرة صحية وأنها من متطلبات الممارسة الديموقراطية وأضاف أنه قادر على جمع الصف الفلسطيني مرة أخرى ما رأي سيادتكم ؟

السيد الرئيس : وهل من الديموقراطية أن تحجب المعلومات عمن يفترض أنهم يشاركونه في اتخاذ القرارات . أو لا يخبرهم بما يفعله ؟ نحن نعرف ماذا تعني الديموقراطية في بعض أجزاء الوطن العربي .

عرفات يقول إنه يمكن أن يصبح مثل الرئيس يلتسين وأنه تعود على معايشة اليهود في طفولته وشبابه وأنه صار صديقا حميما لقادة إسرائيل ، لماذا لم يفصح عن هذه الأمور من قبل ولماذا ظل يحجبها عن أقرب معاونيه .

سؤال : سمعنا عن تهديدات صادرة عن منظمات وجماعات فلسطينية تدعو إلى اغتيال عرفات بتهمة الخيانة واللافت للنظر أن هذه المنظمات تقيم في دمشق وسورية لم تعترض ولم توافق على الاتفاق فكيف يمكن أن يفسر ذلك يا سيادة الرئيس ؟

السيد الرئيس : إنها الديموقراطية أيضا .

على كل حال نحن تعودنا من بعض إخواننا الفلسطينيين عندما تصير بينهم خلافات أن يحاولوا إلصاق التهمة بهذا الطرف أو ذاك ويصدروا تصريحات لا تعبر عن قناعتهم وبعضهم يقول أمامي كلاما وبعيدا عني يقول كلاما مختلفا . أحيانا يتهمنا بعضهم بأننا نحاول أن نفرض وصايتنا عليهم ومرة ثانية يشيدون بالتزامنا القومي تجاه القضية الفلسطينية وهكذا . وهم لم يحسنوا علاقاتهم بالكثيرين بينما كان يفترض فيهم أن يكونوا عامل استقطاب للعرب حولهم لقد تدخل بعضهم في الشؤون الداخلية لبلاد عربية بشكل آخر بهم . بالطبع هم لا يقدرون على ممارسة هذا التدخل في سورية لأن مواقفنا القومية تسبقهم دائما . ولعل ياسر عرفات لا ينكر أن سورية تدخلت أكثر من مرة لحمايته من إصرار بعض أعوانه على اغتياله . ثلاث مرات تدخلنا لحماية عرفات من القتل ، أنقذناه من أقرب أعوانه . ومن الانقلاب الذي كان يعده جيش التحرير الفلسطيني ضده ، علما بأن جيش التحرير الأساسي موجود في سورية . ونحن بخلاف البلاد الأخرى التي يتواجد فيها جيش التحرير الفلسطيني نزود هذا الجيش بكافة الأسلحة التي نزود بها الجيش السوري بينما كان المقرر أن يزود بأسلحة خفيفة كما ورد في قرار إنشائه .

على كل حال الأكثرية الفلسطينية ضد محاولات الإساءة لسورية ، لأنهم يعرفون حجم تضحياتنا بالنسبة للقضية ، وهذا دورنا ومسؤوليتنا ولعلك تعرف أن المسيرة التي قامت للتعبير عن رفضها لاتفاق عرفات من مخيم اليرموك بدمشق كانت مسيرة سلمية ولم يحدث منها ما حدث في مسيرات رافضة في بلاد عربية أخرى . ونحن لو سايرنا العناصر الرافضة لسياسة عرفات لكان الأذى قد لحقه منذ زمن ، وبالتأكيد سورية غير راغبة وغير مستعدة للدخول في عمل لا يخصها .

سؤال : وجه رابين نقدا لسورية لأنها تشارك في مفاوضات السلام وفي نفس الوقت تسمح للمتطرفين الفلسطينيين بإعلان تهديداتهم ومعارضتهم لاتفاق غزة ــ أريحا من دمشق ؟ .

السيد الرئيس : أولا ،عندما وقف هؤلاء الذين يطلق عليهم رابين تسمية المتطرفين الفلسطينيين عندما وقفوا ضدنا لم يمنعهم فكيف يمكن أن نمنعهم إذا وقفوا ضد سياسة إسرائيل في أمر يتعلق بصميم قضيتهم .

ثانيا ، رابين لم يستطع أن يمنع الليكود من معارضة اتفاقية غزة ـ أريحا ، فكيف يطالبنا ـ وطبعا لن نستجيب لطلبه، كيف يطالبنا بإسكات الذين يعارضون الاتفاقية من الفلسطينيين إن شأن هؤلاء بالنسبة لنا كشأن الليكود بالنسبة لرابين .

ولا تنس أن الفلسطينيين في سورية ومنذ عام /1948/ لهم نفس حقوق السوريين والجامعة العربية اتخذت في وقت معين قرارا بأن يكون جيش التحرير الفلسطيني مستقلا وبالمناسبة فإن ياسر عرفات يدفع مرتبات لجيش التحرير الموجود في بعض البلاد العربية ويستثني مـن هؤلاء الذين يتواجدون في سورية ، ولا يقدم لهم أية أسلحة رغم أن قيادة جيش التحرير العامة تاريخيا موجودة في سورية نحن نطبق عليهم الخدمة الإلزامية في الجيش السوري قبل أن يصبح لهم جيش مستقل وفي سورية من أبناء الشعب الفلسطيني وزراء ورؤساء جامعات ويشغلون كافة المهن والقرار العربي كان يرفض أن يحصل هؤلاء على جنسيات البلاد التي يتواجدون فيها حتى يحتفظوا بهويتهم الفلسطينية .

سؤال : الظروف الراهنة يا سيادة الرئيس تجعل من التضامن العربي ضرورة حيوية . ما رأيكم في مبادرة الجامعة العربية لإعادة التضامن العربي . كيف يمكن بلورة إستراتيجية عربية تتعامل مع الواقع الجديد ؟

السيد الرئيس : إتفق تماما معك في أن الظروف التي تمر بها الأمة العربية في الوقت الراهن والتحديات الكبيرة التي تبرز أمامها تجعل من التضامن العربي ضرورة حيوية لاستمرارية الأمة : ولقد قلت كثيرا ولن أمل التكرار بأن خطر ما يهدد كياننا العربي استمرار مظاهر التشتت وإذا أردنا أن نكون في مستوى المسؤولية فلابد من تحقيق التضامن العربي . والرئيس مبارك وأنا نضع على رأس أهدافنا العاجلة تحقيق التضامن العربي انطلاقا من وحدة المصير وبهذه المناسبة أقول إن التحرك المصري السوري النشط تجاه عملية السلام إنما ينطلق من إيضاح ضرورة أن يتضامن الجميع لأن يكون السلام حقيقيا عادلا ، مؤسسا على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ، لأن السلام إذا لم يكن عادلا يتحول إلى بؤرة نزاعات مقبلة وإلى استقرار ويوجد مشاعر مريرة في نفوس المعتدى عليهم وهذا يخلق مناخا خصبا لكافة المحاذير التي يخشى منها المجتمع الدولي .

الوقت الآن ملائم للمصالحة العربية، لا بديل عنها ،المطلوب أن تصدق النوايا . بيننا لغة واحدة وتاريخ واحد وجغرافيا واحدة مصير واحد ولا نتفق ، بينما من لا تجمعهم مثل هذه الراوبط تقفون لأنهم يدركون أهمية التجمع وأهمية توحيد القوى لمواجهة عالم اليوم والذي لن يسمح للكيانات الصغيرة بالبقاء . وعلى أي حال نحن في سورية ومصر والجزائر وليبيا وفي دول الخليج لا نعاني من الاختلاف أو الفرقة .

ويمكن لسورية ومصر أن تضعا استراتيجية وخططا وبرامج لمواجهة ما يهدد الأمن القومي الراهن ومن وضع لبنات استراتيجية التضامن وعلينا في مصر وسورية أن نكافح بكل ما نستطيع لجمع العرب وتوحيدهم حول التضامن العربي وأنا أعتقد أنه مهما طال الوقت فإن التضامن العربي لابد أن يتحقق .

وبالمناسبة فإن معرفتي الوثيقة بالرئيس حسني مبارك تعود إلى زمن الوحدة وقد ازدادت عمقا بعد ذلك وتجمعني به ذكريات كثيرة وصداقتنا تعمقت خلال التحضير لحرب أكتوبر منذ أن كان نائبا لرئيس الجمهورية ، والرئيس مبارك رجل ودود يشعرك بالطمأنينة ويتميز بالوضوح والمباشرة وطيبة القلب وعدم اللجوء إلى اللف أو الدوران وهو يمتلك الحكمة والشجاعة في آن واحد ، كما أنه يحرص أشد الحرص على أن يقدم كل ما يمكن أن يكون في سبيل المصلحة العربية .

سؤال : نحن نعرف أن مصر وشعبها يمثلان في فكركم مساحة كبيرة واهتماما واضحا وأن حرب أكتوبر كانت ثمرة من ثمار التعاون المصري السوري وأن التنسيق المشترك بين الرئيس مبارك وبينكم كان أساس الموقف العربي الذي سمح بتحرير الكويت ؟

السيد الرئيس : هذا صحيح تماما . ونحن نأمل أن تشهد الأيام القادمة مزيدا من التنسيق والتعاون لصالح البلدين ولصالح الأمة العربية كلها والتضامن السوري المصري دائما أضاف قدرة وقوة للعالم العربي وبهذه المناسبة فإن زيارتي لمصر وزيارة الرئيس مبارك لسورية لا تخضع لأية اعتبارات شكلية أو بروتوكولات لأنها انتقال من جزء من الوطن إلى جزء آخر في نفس الوطن . ونحن ندين كل عمليات الإرهاب التي تتعرض لها مصر العزيزة الغالية ونتابع بألم ما يجري وكل عربي يدرك أن إضعاف مصر هدف استعماري قديم ومتجدد وأن قوة مصر هي قوة لكل العرب .

سؤال : وقد تأذن لي يا سيادة الرئيس أن أسألكم : لماذا رفضتم المشاركة في عملية السلام التي انتهت باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ، ولماذا قبلتم التفاوض الآن مع الإسرائيليين .

السيد الرئيس : القصة طويلة وطويلة جدا ، دعني أحدثك أولا عن طبيعة العلاقات المصرية ـ السورية ، لأن فهم هذه الطبيعة يقود بالتأكيد إلى إدراك أعمق لخصوصية هذه العلاقة ومتطلباتها . وبعد ذلك تجيء الإجابة على سؤالك . تعلم يا أخ إبراهيم أننا أقمنا الوحدة عام 1958 . والوحدة بالنسبة لنا كانت حلما داعب مخيلتنا منذ الطفولة .

كذلك فإن الشعور بالانتماء للدولة التي سميت الجمهورية العربية المتحدة خلق في وعينا شعورا بالاعتزاز والعنفوان ليس له مثيل وكان الاقتناع الراسخ لدينا أن الأمن القومي العربي لا يكتمل إلا بجناحيه في مصر وسورية ، وأن مصر وسورية هما جناحا الأمة العربية اللذان تحلق بهما.

وإيماننا بالعلاقات المصرية السورية يأتي من خلال فهم عميق للتاريخ والجغرافية والتاريخ يحكي لنا أن مصر وسورية منذ القدم وطن واحد . وأنه ما من مرة ابتعدت فيها سورية عن مصر أو ابتعدت مصر عن سورية إلا وحاقت بالعرب الكوارث وما من مرة اجتمع فيها شمل الوطن الواحد في سورية ومصر إلا وانتصر العرب وطردوا كل تلك القوى التي جاءت إلى أرضهم لتفرض عليها استعمارا أو سيطرة . باختصار كانت وحدة مصر وسورية تستند إلى ماض من الكفاح الطويل وإلى تاريخ مشترك قد يختلف في بعض تفصيلاته ولكنه متحد في خطواته العريضة ومعالمه البارزة .

كما تعرف أننا أقمنا الوحدة . ولكن وجد تآمر عليها ووجد من حاول أن يدمرها ويحطمها بالطبع المسؤولية تقع على أناس كثيرين ، ولكن ومع أن الشعب السوري كان خلال الوحدة ينتقد الرئيس عبد الناصر بسبب بعض السلبيات ، إلا أنه عندما وقع الانفصال انقلب الشارع السوري تماما . عاد حماسه لعبد الناصر مثلما كان في البداية . لكن صارت هناك عدة أمور سلبية وفي رأيي أن هذه الأمور السلبية ليس لها علاقة بعبد الناصر ، ولكن القاعدة العامة أنه عندما تحدث حادثة في مكان ما في بلد ما يكون المسؤول عنها ـ في نظر الناس ـ رئيس الدولة وعلى سبيل المثال لو صارت حادثة في دير الزور بسورية مثلا فمن الممكن أن يمتدحني الناس ويمكن أن يتهموني . لأن الناس تفترض أن يكون لدى رئيس الدولة علم بكل ما يجري في الدولة وتحمله المسؤولية سلبا أو إيجابا باعتباره رأس السلطة . أعود فأقول حقيقة أنه خلال سنوات الوحدة كان هناك غضب على عبد الناصر وعتاب له من قبل البعض ولكن هذا الغضب والعتاب لم يكن يبرر حدوث انفصال . أو يجعل الوحدة تنفصل والمسؤولية تتوزع على عدد من المسؤولين في مصر وسورية لأنهم كرسوا جهودهم في أمور خاصة واجتهدوا بخيالهم بعيدا عن أرض الواقع . وحتى الذين قاموا بالانفصال ندموا عليه ومازالت الجماهير غاضبة عليهم . وعلى أية حال فلم يتمكنوا الاستقرار أو البقاء . ولو أنك جئت إلى دمشق في ذلك الوقت وجلست في أحد مقاهيها لشاهدت يوميا بل في كل ساعة صور الصراع المختلفة . صراع بين الجيش والعمال . صراع بين الشرطة والطلاب صراع في الأزقة وفي الشوارع الضيقة وأذكر أنني كنت في أحد المقاهي واسمه الهافانا وهو مقهى قديم وتراثي كنت لا أرى إلا الدموع وكانت عمليات ملاحقة المواطنين لا تتوقف وبالمئات ولكنهم لم يتمكنوا من اسكات أفواه الشعب .

والجيش بدوره كانت نقمته على عناصر الانفصال نقمة عارمة ولذلك لم يستطع قادة الانفصال كما قلت البقاء طويلا . وصاروا يبحثون عن الناس الذين يعملون ضدهم في كل مكان وبذعر حقيقي . وبعد مرور سنة حدثت أول حركة عرفت آنذاك باسم حركة حلب والحقيقة أنها لم تكن حركة حلب . ولكنها كانت حركة كل سورية . وكان بها بعض الأخطاء والذين دخلوا السجن دفاعا عن الوحدة كثيرون وأنا واحد منهم . بعض الناس سجنوا بغير محاكمة وآخرون بقوا في السجن بعد المحاكمة .

سؤال : أتذكر يا سيادة الرئيس أنني قابلت جماعة النحلاوي في سويسرا بعد نفيهم إلى هناك وكانوا قد طردوا من سورية وأقاموا في لوزان وأرسلوا رسالة لجمال عبد الناصر تتضمن اعتذارهم عما فعلوه . وقد نشرت في أخبار اليوم حديثا معهم وقد طردوا بعد نشر الحديث من سويسرا وذهبوا إلى ألمانيا .... ؟

السيد الرئيس : بالنسبة لنا كنا وقتئذ في مصر وطبعا وجودنا في القاهرة لها قصة وعندما جئنا إلى هنا في دمشق أعطونا إجازة إجبارية . وكان القادمون من القاهرة يريدون أن يطمئنوا على عائلاتهم فذهبت في إجازة لمدة 6 أيام وعدت لأجد مرسوما بتسريحي مع عدد من ضباط الجيش.

الطريف أنني جئت من السجن في القاهرة إلى السجن في سورية . نعم لقد سجنت في القاهرة بتهمة تعاطي السياسة وكان اتهامي وسجني مرجعه سياسة التخريب لبعض الأجهزة حتى تغطي فشلها تسألني كيف ... ؟ وأقول يوم وقع الانفصال كنت في أنشاص ضمن سرب الطيران الليلي . كنا قبل الوحدة قد ذهبنا إلى روسيا لأخذ دورات . وعدت بعد الوحدة ضمن سرب كبير توجه مباشرة إلى الجمهورية العربية المتحدة وقد جئت إلى القاهرة لأنه كان قد تقرر تقسيم السرب إلى قسمين سرب يتجه للشمال وآخر للجنوب . وقد انتهت الوحدة ولم يقسم هذا السرب . وقد نقلت ضمن ثلاثة من أفراد السرب إلى العريش وكان نقلي دليلا على أخطاء الأجهزة . لأنه لم يكن مجال عملي في العريش وأنا طيار ليلي ونقل زميل آخر إلى القضاء العالي في مقر العمليات …إلخ وأذكر أنني غضبت وقتها وخرجت عن الحدود العسكرية . وكان مبعث غضبي أن وجودي في العريش يخرج عن نطاق تخصصي .ولكن الأجهزة عندما تريد أن تنتقم من شخص تفعل أي شيء . لقد كانت تهمني كما قلت الحديث في السياسة . وكان هذا الاتهام مبعث دهشة فأنا من حزب البعث وجئت بهذه الصفة وكانوا قبل ذلك قد أخذوا مني اعترافات بهذا الشيء فإذن بعثيتي لم تكن سرا الشيء الآخر المعروف أن حزب البعث هو الحزب الذي حقق الوحدة . لأنه كان القوة الوحيدة المنظمة مدنيا وعسكريا في سورية وكان مسيطرا على الشارع السوري وكان عبد الناصر يعرف هذه الحقيقة . كانت السيطرة الفعلية في سورية لحزب البعث . هو الذي يحرك الشارع والجيش لأنه القوة الوحيدة المنظمة كما قلت .

يوم وقع الانفصال كنت في الإسماعيلية وداخل إحدى غرف العمليات باعتباري رئيسا مناوبا للغرفة . وكان معي عدد من الضباط ولم يكن أمامي سوى متابعة الأخبار من القاهرة وحدث خلال تلك الفترة أن تعلمت السباحة في الإسماعيلية رغم أنني من اللاذقية وهي مثل الإسكندرية لابد أن يجيد سكانها السباحة ولكن التقاليد ، لم تكن تشجع ممارسة هذه الرياضة وفي الإسماعيلية جلسنا على الشاطئ وبلشنا نخبط أي بدأنا نتعلم لكن دون التقيد بالقواعد اللازمة لرياضة السباحة . ولكن اللياقة البدنية ساعدتني أعود فأقول يوم وقع الانفصال كنت نقيبا في الشرطة العسكرية وفجأة استدعاني اللواء قائد المنطقة . والطريف أن الضبط والربط صار جيدا ، بعد الانفصال أخذونا بعد ذلك إلى رئاسة القوات الجوية وبعد فترة جاءت سيارة ركبنا فيها . قالوا لنا سنذهب إلى الميس سألت : هذه ليست رئاسة القوات الجوية أنا أعرف رئاسة القوات الجوية . وهذه ليست الرئاسة . عادوا يقولون : سنذهب إلى الميس . وبعد دقائق وجدنا أنفسنا أمام بوابة حديدية كبيرة مكتوب فوقها (السجن تهذيب وتأديب وإصلاح) .

ـ سألت الضابط : هل هذا هو الميس ؟ !

ـ أجاب بسخرية : نعم

ـ قلت : هل سنجد في الميس سجائر ؟

ـ قال : أيوه .

ـ سألته وهل توجد مياه ؟

ـ قال بغضب : آه .

ـ قلت : إذن أسرع بفتح الباب .

ودخلنا السجن وفي السجن وجدت ضباطا بعثيين وعرفت فيما بعد أن إيداعنا السجن سببه كلامنا في السياسة الأمر الذي يتطلب اعتقالنا . وفي داخل السجن تابعنا أخبار الانفصال والواقع أنني تعجبت من هذه التهمة . فالمفترض أن القيادات تعرف هويتنا. وكان مبعث حزن عميق لنا أننا وجدنا أن السجن يضم من هم ضد الوحدة ومن هم مع الوحدة . وبدأ الحديث عن عبد الناصر وقلت بصراحة نحن غاضبون . من عبد الناصر لأنه لم يتحرك لإعادة الوحدة . المهم بعد ذلك خرجنا من السجن وعدنا إلى سورية .

إنك تسأل يا أخ إبراهيم عن قصة الخلاف مع السادات . وأقول بصدق إنني من أكثر الذين تألموا لموت السادات بالطريقة التي مات بها . فقد خططنا معا لحرب أكتوبر وكنت أتمنى أن يظل حيا حتى أتناقش معه في بعض الأخطاء التي وقعت في حرب أكتوبر . أنا لا أريد الدخول في تفصيلات طويلة الآن ومن يدري فقد تسمح الشواغل يوما بكتابتها . الخلاف مع السادات سببه خروجه عن الخطة التي رسمناها معا لخوض الحرب وانفراده باتخاذ قرارات كان ضررها كبيرا وفادحا . مثلا قرر السادات خوض الحرب دون أن تتوافر له بعض ضروراتها من أسلحة وخلافه ، ولم يكن السادات يعطي الحرية لمعاونيه لإبداء آرائهم خاصة في النواحي الفنية . أذكر أنني سألت المشير أحمد إسماعيل عما إذا كانت الذخائر متوافرة لديه فرد بالإيجاب . وعندما كررت السؤال له أمام السادات قال : إنها غير كافية قلت لهما وكيف تجددان القتال في ظل عدم توافر الذخيرة . إنها مخاطرة كبيرة ، قلت لابد من تأمين الذخيرة فورا قال : أنا كتبت للروس ولكنهم لم يردوا ، واستغربت من هذا الرد قلت له: وإذا لم يردوا نقدم على الانتحار إن الانتحار في هذه الحالة ليس انتحار فرد ولكنه انتحار شعب وإذا فشلت ستكون هذه آخر معارك . وهناك سألني : ماذا ترى ؟ قلت : ليس أمامنا سوى إقناع الروس . قال : إنهم لم يردوا علي منذ سنة .

أجبت : اترك لي الموضوع . سأبحث عن طريقة تجنبنا مخاطر المغامر وأضفت صحيح يا أخ أنور أنت وأنا مضغوط علينا من الداخل ولكن لابد من تحمل المسؤولية . قال : سأترك لك الأمر . فكان ذلك في شهر إبريل وعلى الفور استدعيت السفير السوفيتي وطلبت منه مقابلة عاجلة مع القادة السوفييت ، حاول السفير أن يؤجل الموعد على أساس أن الاتحاد السوفييتي دولة كبيرة والزيارات لها لا تتم بهذه السهولة والمواعيد تتقرر أحيانا قبل إتمامها بسنة قلت للسفير وكان رجلا موثوقا جدا فيه من قبل قيادته ومن قبلنا، إذا لم يتم تحديد الموعد قبل نهاية هذا الشهر فلن أذهب أبدا انزعج السفير ووضع قيادته في الصورة فورا .

وفي اليوم التالي قال تفضل . لقد تم تأجيل زيارة رئيس إحدى الدول من أجل سفركم لمقابلة بريجينيف . الواقع أن بريجينيف كان ذهنه متوقدا ومنطقه سليما فضلا عن سرعة بديهته قلت له بغير مقدمات : لقد قررنا مصر وسورية دخول الحرب ونريد مساعدتكم . إننا نعاني من نقص شديد في الذخائر . طبعا طلب التأجيل وطال الحوار معه وسألني : كيف تقول إن الحرب بعد أيام وليس لديكم ذخيرة . قلت له : اتخذوا قرارا بتزويدنا بالذخيرة . وبعد ذلك يمكن أن نؤجل المعركة شهرا أو شهرين . قال : وهو كذلك ، طبعا السادات كان يخشى من بدء الدراسة في الجامعات التي ستبدأ موسمها الجامعي في أكتوبر . المهم عدت من الاتحاد السوفييتي إلى مصر ونقلت للسادات تفاصيل ما جرى . وبعد أيام بدأت البواخر تصل كانت للسادات مواقف ضد الاتحاد السوفييتي ناقشته فيها مؤكدا إنه مازال صديقا للعرب .. وتم عقد اجتماع بعد ذلك مع السادات في سورية وكان معه أشرف مروان ومكث يوما واحدا نسيت أن أقول لو لم أنفرد بأحمد إسماعيل وأحمله المسؤولية ما أخبرني هو أو السادات بنقص الذخيرة وسورية لم تكن تعاني من النقص في الذخائر ... طبعا لا يوجد بلد يستعد للحرب وتتشبع احتياجاته العسكرية ، لكن حاجتنا للذخيرة لم تكن مثل حاجة مصر .. في اجتماع السادات معي في سورية تحدثنا عن المواعيد ... قال : أنا أريد خوض الحرب قبل بدء الدراسة بالجامعات ، حتى لا تحدث مشاكل ... طبعا الحرب لها حساباتها الدقيقة لاسيما إذا لم تكن مضمونة تماما ... أنا أذكر أن آخر زيارة قام بها أحمد إسماعيل لمكتبي عقد اجتماعا مع الخبراء العسكريين سواء من مصر أو سورية للحوار حول _أنسب موعد للحرب ... ولتحديد ساعة البدء بالنسبة للجانب المصري قالوا : إن الأنسب خوض المعركة ليلا لكي يتمكنوا من العبور أما الجبهة السورية فكان الموعد الملائم لها مع الفجر..

ولكل جانب مبرراته الصحيحة ... أحمد إسماعيل قال : ننسق معا لكي ننطلق في وقت واحد وبعد تبادل الآراء تقررت الساعة الثانية ظهرا لتكون بداية التحرك .. وبهذا الموعد يكون الجانب السوري أخذ شيئا مما يريده والجانب المصري أخذ 90% مما يريده ... طبعا تحديد الموعد تم بالتشاور مع الأكاديميين الذين قلبوا الخرائط وقاسوا المسافة بالأمتار ... إلخ وتركوا للقيادة السياسية .

الجيش المصري سينطلق من بعد 250 كيلومتر تقريبا من الحدود المصرية والجيش السوري سينطلق من مسافة تتراوح بين 20 و 30 كيلومترا : الجيش السوري يفترض أن ينفذ مهمته في 48 ساعة أما الجيش المصري فيحتاج إلى زمن أطول . وفي رأيي أن الجيش السوري إذا تحرك في نفس الوقت مع الجيش المصري سيتفرغ الجيش الإسرائيلي للجبهة السورية وسيحاول بكل عزمه القضاء عليها ثم يتجه بعد ذلك لمجابهة الجيش المصري .. وفي هذه الحالة سيكون الجيش المصري واجه كل الجيش الإسرائيلي والجيش الإسرائيلي واجه كل الجيش السوري .

وهذا يربح العدو المعركتين ولذلك لابد أن يتقدم الجيش المصري أولا إلى المضايق كحد أدنى وعند الوصول إلى المضايق ينطلق الجيشان معا لأنه في هذه الحالة لن يتمكن الإسرائيليون من التفرغ للجبهة السورية ثم التفرغ بعد ذلك للجبهة المصرية .. سوف يضطرون إلى الانقسام .

طبعا هذا المنطلق لم يقبل به الجانب المصري وهذا هو أحد الجوانب السلبية البارزة وقد كنت أعلم وأنا أطرح وجهة نظري أن الأخذ بها سيكلفنا الكثير أولا معنويات الجيش المصري لو انطلق وحده لن تكون عالية . وكذلك لو سمع الجيش السوري بأن مصر بدأت القتال بينما مازالت سورية لم تتحرك كان سيستاء ومضي ساعة واحدة على هذه الحالة قد تكلفنا الكثير ونحن كقيادة لن نتحمل الانتظار . وإن كان القائد في مثل هذه الظروف يجب أن يحكم عقله وتقرر الانطلاق في دقيقة واحدة وعند الساعة الثانية ظهرا تحركنا معا .

كنت أتمنى أن يمتد العمر بالرئيس السادات لكي أناقشه في قراراته نحن لسنا ملائكة. نحن بشر نخطئ ونصيب. ولابد من الاستفادة من الخطأ . الخطة كانت مشتركة ومع ذلك . عانينا من القرار المنفرد كان يمكن أن نحقق قفزات في ظل التنسيق وكان يمكن ان يكون نصف الجولان في أيدينا الآن خسائرنا ستكون قليلة وسيكون من الصعب على العدو. أن يعيدنا للخلف وعندما قابلت السادات بعد انتهاء الحرب واجهته بأوجه التقصير . قلت له : لقد أضعت علينا فرصة أن نحرر الأرض دون متاعب لقد أثبت الجيش المصري كفاءة وكان يمكن أن يكمل .

إنه لا يوجد غطاء جوي يمكن الجيش المصري من قطع قناة السويس والطيران الإسرائيلي قوي وإن أمريكا زجت بطائرات قلت له : لقد درسنا كل هذه الأمور ووضعنا خطتنا المشتركة على أساسها والمناقشة بهذا الشكل لا تفيد بعد الحرب .

على كل حال لقد ارتحت عندما أكد العسكريون المصريون صحة رأينا وفي أول خطاب للسادات في البرلمان عقب وقف القتال أشاد بسورية وعندما التقيته قال لي : أنا عارف كل ما حدث في سورية ، عارف الأهداف المدنية والعسكرية التي ضربوها والحقيقة أنه على امتداد المعارك الحربية لم نر قذفا لأهداف مدنية بهذه الكثافة والنوعية كان متوسط طلعات الطائرات اليومي على سورية ألف طلعة طائرة وهذا لم يكن أمرا خارجا عن توقعاتي ومع ضراوة المقاومة ازدادوا شراسة واستدعوا الاحتياطي لحسم الأمور بسرعة . وكما تذكرون أرسل لي السادات أحد المسؤولين المصريين ليقول لي إن السفير السوفييتي بمصر أخبره أن اليوغسلاف طرحوا مشروعا لوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية فورا من الأرض . وأضاف المسؤول المصري أن أمريكا تريد مفاوضات وخلال ستة أشهر تنتهي المشكلة وقال أن الضمان أن قواتنا موجودة ويمكن أن نعود للحرب. طبعا هذه النتيجة لم تكن سارة بالنسبة لنا. كان هناك جو شعبي رائع مؤيد للقتال ولم نعان من النقص في أي مجال. ورغم أن الكهرباء خربت في سورية ، فإن وزارة الداخلية لم تسجل جريمة واحدة في سورية خلال تلك الفترة .

طبعا جمعت الأخوة في الجبهة الوطنية التقدمية واتصلت بالأشقاء العرب وكتبت للأمم المتحدة أننا نوافق على قرار وقف إطلاق النار شريطة الانسحاب الكامل وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني ، ويبدو أنني أطلت ولكني أوجز أسباب خلافي مع السادات في أن نهاية المعارك لم تكن متناسبة من وجهة نظري مع البداية . والطريق الذي سرنا عليه . وفي رأيي أن الهدف لا ينفصل عن الطريق بمعنى الوسيلة والهدف وليست أية وسيلة مناسبة لأي هدف .

الطريق الذي سار فيه السادات لم يكن مناسبا مع كبرياء حرب أكتوبر واختلفنا لهذا السبب وتصورت أن خطابه في مجلس الشعب المصري حول قرار الذهاب إلى إسرائيل مناورة .. والشيء الآخر أن الرواية قالها لي السادات وأنا شريكه في الحرب لا تبعث على التصديق . روى ما حدث في رومانيا ومع تشاوشيسكو .

قال: بالنسبة للجولان لا توجد صعوبة . بالنسبة لمصر وفلسطين هناك صعوبات . وقال أن من الأشياء المطروحة استبدال أراض بأراض أخرى في لبنان . الخ . ومضىيقول : طلعت بالطائرة من رومانيا في اتجاه ايران وفي الطريق فكرت في دعوة الدول الخمس الكبرى لأن تعقد مؤتمرا تحضيريا لمؤتمر السلام . كيف يمكن لدول خمس أن تحضر لمؤتمر سلام ولمن تحضره ! لدول أكبر منها ؟

ومضى يقول : وبعدين وأنا ماشي نزلت في طهران وتساءلت لماذا أبعد المشوار فكرت أن نشوف اليهود ووصلت إلى السعودية فاختمرت الفكرة . وفي الحقيقية أنني سألته : هل اتفقت السعودية معك في الموضوع ؟ فصمت قليلا ثم قال : لا : طبعا ! السؤال لم يكن يحتمل سوى إجابة فورية ، ولكنه أراد أن يرسخ في ذهني أنه متفق مع السعودية وعندما سألت الإخوان في السعودية أنكروا أنه عرض عليهم الموضوع .

ومضى السادات يقول إن شاء الله سأذهب إلى القدس وسأصلي في المسجد الأقصى ومن هناك سأمر على الكنيست حاولت إقناعه بالعدول ولكنه رفض وجرى ما جرى بعد أن قلت للسادات هذه المسألة لا تهضم في سورية وفي اعتباري أنها ليست مهضومة حتى الآن في مصر . طبعا ما فعله السادات كان السبب في تعميق فرقة العرب . واندلاع الحروب في لبنان ولم يتغير الحال إلا بعد تولي الرئيس حسني مبارك ، والرئيس مبارك ليس مسؤولا عما جرى في ذلك الوقت .

عملية السلام لا خلاف عليها ولكن ليس بالطريقة التي جرت تسألني عن شعوري وأنا أرى عرفات في البيت الأبيض يوقع مع رابين الاتفاق وشعوري عندما رأيت السادات في إسرائيل وأقول شعور مختلف لأنني أعتبر سورية ومصر هما الوزن الحقيقي للأمة العربية وكنا قد انتهينا لتونا من حرب أعادت للعرب كرامتهم وأعطت نتائج سياسية وعسكرية واقتصادية باهرة.

أذكر أن أحد حكام العرب قال لي قبل حرب أكتوبر كانت الشركات ترهقنا إذا حاولنا رفع الأسعار .

وبعد الحرب أصبحنا نرفع الأسعار كما نشاء . قلت له الجميع استفاد من الحرب ما عدا الذين خاضوا الحرب وكانوا السبب في ارتفاع أسعار البترول من 3 دولارات للبرميل إلى 30 دولارا بل لقد أضرنا ارتفاع أسعار البترول حيث ارتفعت أسعار النفط والسلع معا علينا .

باختصار السادات لم يسألنا عن البديل .

قال : إذا نجحت خير وإذا لم أنجح سأتحمل المسؤولية قلت له : انتظر ، العالم كله يريد السلام ومؤتمر جنيف الذي انعقد عام 1977 مطروح الآن استئنافه .

تسألني عن مبررات قبولنا لمسعى إحلال السلام الآن وأقول لك إننا ننتمي إلى البلاد التي حملت رسالة إنسانية للعالم كله . رسالة في المحبة والسلام وفي التعاون الذي يرفض التدمير ويرفض احتلال أراضي الغير. في بلادنا كما تعرف عاش الأنبياء المسيح عليه السلام ، وإلى هذه الأرض أيضا جاء الرسول صلى الله عليه السلام ، وكيلا عن السيدة خديجة والتقى بالراهب بحيرا . ومن دمشق انطلق صلاح الدين الأيوبي ليضع حدا للحملة الصليبية . نحن نريد الأرض أرض سلام وصداقة فلا عدوان ولا احتلال ونحن نطرح دائما السلام العادل السلام القائم على العدل والسلام والشامل والدائم ونحن نريد السلام المبني على العدل والذي يحقق الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة ويعطي للشعب الفلسطيني حقوقه. وليس هناك أدنى شك في أن سورية هي التي فتحت طريق السلام عندما وافقت على المبادرة الأمريكية التي تقوم على تنفيذ قراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338 ومبادلة الأرض بالسلام وهو ما يعنيه هذان القراران إن شروطنا ومطالبنا هي هي لم تتغير ولن تتغير لا اليوم ولا غدا ولا إلى الأبد ، ولقد أصبح العالم كله يدرك رؤيتنا للسلام ، فالسلام ليس قضية بيع وشراء ولن يكون أبدا على حساب الأرض . وأقل من ذلك هو استسلام ولن تستطيع قوة في الدنيا أن تفرض علينا الاستسلام أبدا . إن سورية لن تتخلى عن شبر من الجولان ولقد قلنا مرارا إن سورية لن تتخلى عن شبر من الجولان وإن الحل الوسط في موضوع الأرض غير وارد وإسرائيل تعرف أن الجغرافيا لا تحقق الأمن والاتفاقيات المنفردة لا تحقق السلام بقبولنا لمبادرة ومسعى السلام الآن لحقيقة اعتقادنا بأن فرص السلام الآن أفضل مما كانت عليه قبل بضع سنوات بسبب المناخ الدولي وازدياد ونمو عدد الراغبين في السلام داخل إسرائيل ويجب ألا ننسى أن جهودا مضنية سبقت عملية السلام . والإدارة الأمريكية وإسرائيل تعرفان أنه ليس هناك إمكانية لحل وسط في موضوع الأرض وفي سورية لا يستطيع أحد أن يتنازل عن شبر واحد من الأرض وإلا اعتبر خائنا . وفي الاتصال الهاتفي مع الرئيس كلينتون حول عملية السلام أكد لي التزام الولايات المتحدة بالعمل من أجل التقدم على جميع المسارات . ومعروف للقاصي والداني أن حكومة إسرائيل هي التي تتمسك بأساليب المناورة والمراوغة ومعروف أيضا أن سورية تجاوبت بشكل كامل وحقيقي مع متطلبات السلام وأثبتت مصداقيتها السياسية وبذلت كل ما يمكن أن يساعد على صنع السلام .

 

 

 

Google
Web Site

hafez al assad speech