السيد رئيس مجلس الشعب:

السادة أعضاء مجلس الشعب:

أيها السادة :

يحسن بنا أن نتذكر بالحمد والاغتباط أن مسيرة قطرنا قد ختمت بنجاح مرحلة هامة مضت لتبدأ مرحلة جديدة نسعى جاهدين أن نتجاوز خلالها ما حققناه في المرحلة الماضية . وإذا كان التطور السياسي لبلد ما هو أحد أبرز مظاهر تقدمه وقوته فإننا نستطيع أن نقول باطمئنان أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها قطرنا والتي تشكل في جملتها أساس تطورنا السياسي قد حققت في المرحلة التي نختتمها تقدما يبعث على الرضى والارتياح ويشيع في نفوسنا الثقة بإحراز تقدم أكبر وتحقيق مزيد من النجاح على طريق التطور في كل مجال من مجالات الحياة . نقول ذلك ونحن اليوم نحتفل لأول مرة منذ خمس عشرة سنة ، بعيد ثورة آذار احتفالا متميزا من حيث إننا نودع سنة من عمر الثورة كانت حافلة بالعمل الجاد ، لنستقبل ليس فقط سنة جديدة بل لنبدأ أيضا مرحلة زمنية جديدة نرفع فيها البناء الذي بدأناه في السنوات السبع الماضية .

ولعلي أضيف أن مرحلة ما بعد السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970 التي تشكل نصف ما مضى من عمر ثورة آذار كان لها أكثر من طابع مميز في حياة سورية أهمها هو الاستقرار السياسي الذي استطعنا في ظله أن نعزز مسيرة ثورة آذار وأن نحقق انتصارات هامة في مجالات عدة وحين نذكر هذه الإنجازات لابد أن نذكر في مقدمتها انتصارنا العظيم في حرب تشرين وحرب الجولان فضلا عن الإنجازات الكبيرة الاقتصادية منها والثقافية والاجتماعية وهذا الاستقرار الذي نعمنا به وسوف نعززه باستمرار له أصوله وقواعده فلا استقرار في بلد لا تجمع غالبية الشعب فيه على منهاج الحكم ومسيرته و لا يتحقق فيه التفاعل الإيجابي بين الشعب والحكم وبطبيعة الحال فالاستقرار يعني التوفر المستمر لقاعدة النمو والتطور يعني القاعدة الثابتة التي نستند إليها في انطلاقتنا وحركتنا إلى الأمام فلا بد إذا أن يعبر عن التفاعل الإيجابي المستمر بين الشعب والحكم وبالتالي عن حركة فاعلة على طريق النمو والتقدم ولقد أعطى الاستقرار زخما جديدا لمسيرة الثورة ووفر لقطرنا القدرة على تحقيق ما أنجزنا خلال السنوات التي تلت السادس عشر من تشرين الثاني عام19.

ومع الاستقرار كان هناك وضوح الأهداف والتصميم على بلوغها وتجلى هذا الوضوح والتصميم في كل أعمالنا داخليا وعربيا ودوليا مما أكسب سورية مكانة مرموقة واحتراما كبيرا بين شقيقاتها وفي العالم أجمع

 

لقد سلكنا دائما طريق الصدق مهما كانت صعوباته وحافظنا على كرامة الوطن والأمة مهما كلفنا ذلك من ثمن وحرصنا في كل خطوة على الاسترشاد بمشاعر الشعب ورغباته لأنها المرشد الصادق الحق ولن يضل الدرب من يهتدي بمشاعر الشعب ورغباته وبنتيجة ذلك حافظنا على الثقة المتبادلة بين القيادة والجماهير وعززنا هذه الثقة التي برزت أبهى بروز كلما دعت الحاجة إلى بروزها في المواقف والأحداث الكبرى وكانت هي السند والأساس في كل قرار وموقف اتخذناه .

السادة أعضاء مجلس الشعب :

إنني شاكر لكم ترشيحي وإجماعكم على هذا الترشيح لفترة الرئاسة الثانية ومدين لأبناء وطني بالثقة الغالية التي أولوني إياها وبالعواطف الصادقة التي غمروني بها في مناسبة الاستفتاء وبقدر اعتزازي الكبير بهذا الترشيح وبثقة الشعب أشعر شعور اليقين بأن العواطف التي عبر عنها شعبنا بمختلف الأشكال هي تأكيد على صواب المرحلة الماضية وهي في الوقت ذاته مؤشر عمل للمرحلة المقبلة . إن في هذه العواطف الدافقة التي تبارى المواطنون في إظهارها معان كثيرة لكل من يريد أن يدرك معانيها . إنها تعبير عن الوحدة الوطنية ، بمفهومها الشعبي الواسع والرائع ، التي طبعت السنوات السبع الماضية وعبرت عن نفسها بشكل عملي وقوي عند كل هجمة ولدى كل تحد تعرض له هذا القطر . إنها تعبير عن التمسك بالأفكار والقواعد العامة التي نادينا بها بعد السادس عشر من تشرين . إنها تعبير عن إدراك أهمية الاستقرار السياسي وأثره في كل مجالات حياتنا.

إنها تأكيد على خط الصمود كطريق وحيد إلى سلام أساسه العدل وتأكيد على أن السلام يؤخذ ولا يستجدى . إنها تمسك بالإرادة الوطنية المستقلة .

إنها تأكيد على ضرورة استمرار العمل من أجل ترسيخ الحرية في البلاد وتوفير مقومات هذه الحرية .

إنها تأكيد على أن روح التآخي والتآلف بين مختلف قطاعات الشعب هي الأقدر على مواجهة المشاكل التي تعترضنا والسير بنا نحو التقدم والمنعة .

إنها تأكيد على استمرار بناء البلاد سياسيا وثقافيا واقتصاديا وعسكريا .

إنها عزم وتصميم على التضحية من أجل أن نشيد ونرسخ الدعائم القوية لحياة حرة كريمة وطنية وقومية .

كل هذا أكده الاستفتاء الشعبي في الثامن من شباط وعلى أساسه يتحدد خط سيرنا في المستقبل وتتضح المفاهيم التي يتعزز بها هذا الخط .

وأولى الخطا على خط سيرنا هذا مواصلة العمل لتعزيز وحدتنا الوطنية التي كانت وستبقى سندنا الأول وسلاحنا الأمضى بها نواجه كل التحديات ونجتاز كل العقبات ونحقق كل الأهداف

ومن هنا لا بد من البحث في المرحلة المقبلة عما يرسخ هذه الوحدة الوطنية ويجعلها أكثر فاعلية عن طريق تأطيرها وتنظيمها .

وفي هذا النطاق سيتجه عملنا في المستقبل نحو تحقيق الصيغة الجديدة المتطورة لجبهتنا الوطنية لتصبح صيغة أوسع الجماهير .

ولقد كان هذا هدفا واضحا لنا من أهداف الحركة التصحيحية الأمر الذي أشير إليه في مقدمة الدستور الدائم الذي أقره الشعب .

إن إقرار صيغة جديدة للجبهة الوطنية التقدمية تشارك فيها أوسع جماهير المواطنين سيحقق مزيدا من ترسيخ الوحدة الوطنية وزيادة فاعليتها وسيعزز دور الجبهة الوطنية التقدمية في قيادة العمل السياسي والجماهيري في البلاد

وعلى كل حال فإن مثل هذه الصيغة التي سنبحث عنها لا بد وأن تطرح في وقت لاحق ملائم للمناقشة الشعبية على أوسع نطاق

والخطوة الثانية على هذا الطريق هي تعزيز دور المنظمات الشعبية والاستمرار في تطويرها مستهدفين أن يجد كل مواطن سبيلا للانتماء إلى منظمة شعبية أو نقابة مهنية

إن المنظمات الشعبية تؤدي دورا كبيرا في حياتنا من حيث كونها الإطار الملائم والصحيح لتنظيم فئات الشعب والدفاع عن مصالحها وتنظيم مساهمتها في بناء البلاد ورفع مستوى الفئات التي تنتظم فيها وتثقيف أفرادها مهنيا ونقابيا ووطنيا وقوميا

وقد رأينا منظماتنا الشعبية تبذل في السنين الماضية نشاطا ملموسا في هذا الاتجاه وتسهم بدور إيجابي ومسؤول في بناء القاعدة الاقتصادية وترسيخ أسس الوحدة الوطنية وتشجيع العمل التعاوني كما تسهم بقسطها في النضال القومي

ثالثا ، إذا كان قيام المنظمات الشعبية هو جزء من ممارسة الديمقراطية الشعبية فإن قيام مؤسسات الإدارة المحلية هو جزء آخر من ممارستها وقد خطونا في هذا الاتجاه خطوات لا بأس بها ولكنها تحتاج إلى تطوير وتعميق

وسنضع نصب أعيننا أن نعمق هذه الخطوات وننتقل إلى خطوات أخرى للإدارة المحلية وفقا للنضج المتنامي لهذه التجربة لنصل بحركة متزنة مدروسة إلى الشكل المنشود للإدارة المحلية التي هي هدف كبير من أهداف شعبنا وحزبنا وغاية نسعى لها في سعينا لبناء الدولة العصرية

وبدافع من حرصنا على تسهيل شؤون المواطنين وتيسير أمورهم في مناطقهم ومن حرصنا أيضا على توسيع نطاق المشاركة الشعبية في المسؤولية وشؤون الحكم

وفي سعينا لبناء الدولة العصرية لا بد من عمل جاد لتخليص دوائر الدولة من البيروقراطية التي تشكل قيدا يحد من فعالية هذه الدوائر ويتطلب ذلك تبسيط أساليب العمل وتحديثها على نحو ييسر مصالح المواطنين ويجنب جهاز الدولة أخطار الوقوع في دوامة التسيب واللامبالاة :

رابعا ، إن التنمية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حاجة وطنية ملحة ، ويجب أن تستمر بحركة متسارعة ومتصاعدة .

إن حاجات المواطنين في تزايد والحياة لا ترحم المتخلفين عن مواكبة تطورها ولا يمكننا أن نلبي حاجات المواطنين المتزايدة وأن نواكب تطور العصر بدون تنمية كما أن الدفاع عن الوطن والصمود في وجه الأعداء وتحقيق النصر في معارك التحرير تتطلب التنمية في كل مجالاتها وهذا ما يحتم علينا أن نعطي التنمية كل ما تستحقه من اهتمام تخطيطا وتنفيذا وأن نجعل من مردود كل خطة من خططها أساسا لخطة جديدة أكثر طموحا إننا نريد أن نستدرك ما لم نستطع تحقيقه في الماضي وأن نجعل من قطرنا بلدا مزدهرا وفي مصاف البلدان المتقدمة.

ويساعدنا على ذلك أن ثروات بلادنا وإمكانياتها وافرة ، وأن شعبنا شعب نشيط وعلينا بمضاعفة الجهد أن نوفر ما يلزم لاستثمار هذه الثروات ووضعها في خدمة أهدافنا الوطنية والقومية.

إن سياستنا الاقتصادية في المرحلة المقبلة ستنطلق مما يلي :

1 ـ الاستمرار على نهجنا الاقتصادي السابق والعمل على إزالة السلبيات التي تكشفت خلال العمل ، والتي كانت سببا في تقصير هذا النهج عن بلوغ غاياته الكاملة وفق ما كان متوقعا منه.

2 ـ تعميق وتوسيع دور القطاع العام في قيادة الاقتصاد الوطني واستمرار مراجعة قوانينه وأنظمته بما يكفل تحريره من الروتين وزيادة صلاحيات قياداته المباشرة وتعزيز كفاءات هذه القيادات وقدراتها ، ومعالجة كافة الظواهر السلبية التي تبرز خلال الممارسة.

3 ـ تنشيط القطاع الخاص والعمل على إزالة العوائق التي حالت في المرحلة الماضية دون أن يلعب القطاع الخاص كامل الدور الذي خطط له في مختلف القطاعات الاقتصادية وإيجاد الأساليب المختلفة التي تكفل قيام هذا القطاع بالمسؤوليات المسندة إليه ، وضمان الأموال الخاصة المستثمرة في بناء الاقتصاد الوطني وحمايتها من جميع المخاطر ، وضمان ريعية مقبولة لها وعدم محاسبة أي مواطن على ربحه وتملكه المشروعين.

4 ـ إقامة قطاع مشترك بين القطاعين العام والخاص وإيجاد الصيغ والأساليب والمشجعات الكفيلة بزيادة حجم الأموال الخاصة المستثمرة في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

5 ـ الانطلاق في وضع خططنا السنوية والخمسية من الأولويات التالية:

آ ـ التشغيل الأمثل لمشاريعنا الاقتصادية القائمة والعمل الجاد لوضع مشاريعنا التي هي قيد الإنجاز، أو التي سيخطط لإقامتها ، في الاستثمار المنتج بأسرع وقت ممكن

ب ـ تحقيق تنمية واسعة وسريعة في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني ، واعتبار تنمية الريف وتطويره ، المهمة الأولى من مهام خططنا الاقتصادية والاجتماعية.

ج ـ التنقيب عن الثروات الطبيعية في باطن الأرض واستثمار ما يثبت البحث العلمي اقتصادية استثمارية .

وهنا أجد ضروريا أن أقول إن الفنيين والعمال المنتجين والإداريين الذين نفذوا الأعمال الكبيرة في المرحلة الماضية يستحقون شكر الوطن وتقديره على ما بذلوا من جهد وما تحملوا من مسؤوليات . ولا يقلل من حجم جهودهم ومبادراتهم المبدعة أن قلة منهم قصرت أو أهملت أو تهربت من الواجب ، فهذه القلة هي الاستثناء ، وأما القاعدة فهي أنهم كانوا بأكثريتهم المطلقة عند حسن ظن الوطن بهم في العطاء والتضحية وتحمل المسؤولية.

وما ينطبق في هذا المجال على العاملين في الدولة والقطاع العام ، يظهر أيضا في جهد العديد من مواطنينا في القطاع الخاص الذين بذلوا ما وسعهم الجهد في سبيل بناء اقتصادنا الوطني وتدعيم قدراتنا الذاتية في القطر منسجمين في عملهم مع خطط الدولة وأهدافها الاقتصادية العامة .

خامسا ، في الظروف التي تواجهها منطقتنا وأمام التهديد المستمر من عدو طامع في أرضنا العربية ، تبدو التنمية الدفاعية أمرا في غاية الأهمية للدفاع عن وطننا وأمتنا . إن قواتنا المسلحة هي سياج الوطن ، الساهرة دوما على حمايته والدفاع عن مقدساته وكرامته ، وهي موضع فخرنا واعتزازنا بما أظهرت من روعة أداء في القتال ، وما أبدت من بطولات وحققت من انتصارات في المعارك التي خاضتها ، وبما تبذل من جهد مستمر في التدريب والاستعداد ، لتكون دائما على درجة عالية من الكفاءة القتالية ، وقدرة كبيرة على مواجهة كل الاحتمالات . لقد أصبحت قواتنا المسلحة قوة يحسب لها حساب كبير ، بازدياد عددها وتحسين عدتها وارتفاع مستوى أفرادها علميا وثقافيا وعسكريا ، وسوف نستمر في العمل على تنميتها كما ونوعا . وحين نذكر القوات المسلحة نذكر بالإجلال والاعتزاز قوافل الشهداء من أفرادها ، الذين رووا تربة الوطن بدمائهم الزكية ، وبذلوا أرواحهم الطاهرة فداء لعزة الوطن وكرامته ، وجعلوا من شهادتهم قدوة لنا ، ومن تضحيتهم بالذات نبراسا ينير الطريق إلى الحياة الأفضل .

سادسا ، يبدو ضروريا أن نؤكد على الشعور بالمسؤولية أو ما يمكن أن نسميه الشعور بالتضامن الوطني ، وأن نعمل على تنمية هذا الشعور وأن نجسده في سلوكنا اليومي وفي كل أعمالنا ، اتقانا في العمل ، وتنفيذا تاما للمهمات .

يجب أن يدرك المواطن أن عمله بواقعه ونتائجه ، ليس مرتبطا به وحده ، وإنما مرتبط به وبغيره ، وأن من يقصر في عمله إنما يسيء إلى مصالح المواطنين الآخرين .

وعلى ذلك فإن العامل الذي يعمل على زيادة الإنتاج وتحسينه في مصنعه ، هو العامل المتضامن مع الآخرين والفلاح الذي يعطي الأرض الاهتمام الكافي ويجد في حقله هو الفلاح المتضامن مع الآخرين وكذلك الطبيب في عيادته والمهندس في عمله والمعلم في مدرسته والطالب في صفه وكل مواطن في مكانه . وهذا يتطلب من كل فرد ألا يهدر الوقت وأن يملأه بالجهد المثمر ، لأن في ذلك مصلحة له وللآخرين من أبناء الوطن وأنا واثق بأن شعبنا الطيب حريص على أن يجعل من هذا التضامن الوطني منهاجا حقيقيا لحياته لأن نمو الشعور بالمسؤولية الذي أكدت عليه المرة تلو المرة ، يعتبر واحدا من أهم العوامل التي تمكننا من مواجهة المستقبل مواجهة صحيحة وسليمة ، ومن التصدي بنجاح لحمل المسؤوليات والمهمات الملقاة على عاتقنا ومن التغلب بكل تأكيد على مختلف العوائق والعراقيل التي تحاول أن تحد من تقدمنا وتحول بيننا وبين ما نطمح إليه .

سابعا ، لا بد من الاستمرار في تنمية الشخصية الوطنية والقومية للمواطن العربي السوري وخلق الجيل الملتزم بأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية ، لأن في مثل هذه التنمية مزيدا من الإدراك لواقعنا ومستقبلنا ، وعليها بالتالي يتوقف الكثير من القدرة على التقدم والنجاح في تأمين المتعة والرفاه لمواطنينا العرب في هذا القطر وخارج هذا القطر.

وهنا ، أريد أن أذكر بأهمية قيمنا الروحية وتراثنا التاريخي ، فهي أساس في تكوننا السلوكي والأخلاقي ، وتتيح لنا مزيدا من فرض تحصين الذات وإنماء الخصائص النضالية في شخصيتنا وهذا ما لا يمكن أن نقلل من أهميته في مواجهة تحديات الحياة وتطورتها وفي تحقيق ما نصبو إليه من مستقبل مشرق زاهر .

ثامنا ، إن الحرية قيمة كبرى في الحياة وهذا ما أكدناه وباستمرار منذ السادس عشر من تشرين الثاني 1970 .

إن الإنسان الحر هو الإنسان القادر على العطاء ، فالحرية التي يمارسها الإنسان هي التي توفر إمكانات العطاء المتبادل بينه وبين الحياة إن الإنسان يعطي الحياة وتعطيه الحياة وبقدر ما يمارس الإنسان الحرية بقدر ما تزداد وتنمو إمكانيات هذا العطاء المتبادل وبالتالي فإن توفر الحرية يغني الإنسان والحياة معا وينتج عن ذلك أنه فيما عدا تلك الإجراءات التنظيمية التي تستلزمها الحياة ذاتها كالقوانين والأنظمة التي تنسق جهود الإنسان ونشاطاته وتنظمها فإن كل ما يحد من الحرية إنما يعطل جزءا من طاقة الإنسان والحياة ، كان يمكن أن يسهم في إغناء الإنسان وإغناء الحياة ويترتب على هذا أن مزيدا من الحرية يعني مزيدا من مناعة الإنسان وقوته ومناعة الحياة وقوتها . ومن هنا قلت في مناسبة سابقة ، إننا أحرار بقدر ما نملك من قوة ، وأقوياء بقدر ما نملك من حرية . إن هذا يرتب علينا أن نتابع العمل على خلق وتعزيز مناخ الحرية في بلادنا ، وإيجاد وتعزيز الصيغ العملية لتوفير هذا المناخ.

ولست الآن بصدد أن أقول ماذا علينا أن نفعل في هذا المجال ، إذ حققنا في الماضي بعض ما نرى أنه مطلوب ، ولكن ما هو مطلوب كثير ، ومتعدد ، وقد يختلف بين مرحلة زمنية وأخرى ولكنني في هذا الإطار أريد أن أقول الآن إن أحدا في بلادنا لن يسأل بسبب معتقده أو رأيه ما دام يمارس معتقده ويعبر عن رأيه في حدود الدستور والقانون . وأريد في هذا الصدد أن أشير إلى أنه إذا كانت ظروف صراعنا مع العدو ، وما تطلبه أمن المواطن بسبب هذه الظروف قد اقتضت قيام حالة الطوارىء ، فإنه فيما عدا ما يتعلق بأمن الدولة ، كما نصت على ذلك القوانين ، فلا يجوز استخدام الأحكام العرفية . وقد علمت من وفود المحافظات أنه كانت هنالك بعض الحالات استخدمت فيها الأوامر العرفية خارج النطاق الذي أشرت إليه.

وأنا أطلب الآن إلى الجهة المختصة وقف مفعول هذه الأوامر وإن كانت ترى أنها صدرت لأسباب وجيهة.

تاسعا ، الوحدة العربية هدف أسمى ، باعتبارها ضرورة حياتية بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية . وقد قلنا دائما وما نزال نقول بصدق وإيمان إن علينا أن نناضل بكل ما نستطيع من جهد لإزالة كل ما يعترض طريق العمل الوحدوي من مصاعب أو عراقيل ، وألا نسمح بأن يقف في طريق الوحدة أي سبب أقل منها شأنا . وحين نقول إن الوحدة العربية هي الأصل وهي الوضع الطبيعي للأمة العربية فإننا نقرر حقيقة تتطلب ألا يجعل أي نظام عربي من رأيه في مواصفات الأنظمة الأخرى معرقلا لإنجاز أية خطوة وحدوية ممكنة وإذا صح أن نقول إن نظاما ما مؤهل لتحقيق الوحدة لأسباب موضوعية فالأصح من ذلك أن النظام الوحدوي هو النظام الذي يعمل من أجل الوحدة ويحققها فعلا ذلك لأن الوحدة العربية هي غاية بمنطلقاتها ونتائجها فلا يجوز بالتالي ولا مبرر لأن نرهن تحقيقها بطبيعة النظام فالنظام الذي يحقق الوحدة وسيلة صالحة لتحقيق الوحدة . إن الأنظمة التي تعمل من أجل الوحدة العربية وتستطيع تحقيقها هي أنظمة وحدوية ومتماثلة في فهمها للوحدة العربية بغض النظر عن أي تباين في المواصفات بين أحدها والآخر والأنظمة التي تمتنع عن العمل للوحدة وعن تحقيقها فهي ومهما تكن ذريعتها قطرية لا قومية ولا وحدوية ولا يغير من ذلك ما قد تتصف به من صفات . الوحدة هدف قائم بذاته ، من يقبل بتحقيقها ويعمل لها فهو الوحدوي ومن يتحدث عنها ويضع أمامها العراقيل والمصاعب ولو تحت عنوان تحقيق المواصفات اللازمة للوحدة فإنه يضع نفسه بقصد أو بغير قصد في موضع الانعزال والتقوقع حيث الانفصاليون والتجزئيون أعداء الوحدة.

وعندما ينتكس أي عمل وحدوي بعد تحقيقه فلا يدل ذلك على علة في هدف الوحدة و لايجوز ولا يمكن أن يبث في نفوسنا القلق أو اليأس بل إنه يحفزنا على تصعيد الكفاح الوحدوي ومواصلة الجهد لتحقيق الوحدة . نحن سنستمر في نضالنا من أجل الوحدة ولا شروط لنا على من يريد أن يحاورنا في هذا الأمر إلا شرط تحقيق الوحدة . وفي مجمل كلامي هذا لا أقصد جهة معينة ، بقدر ما أقصد أن أقول كيف نرى الوحدة .

عاشرا ، أجد لزاما أن أتحدث مرة أخرى عن المرأة العربية السورية ونضالها ، ومشاركتها الرجل في تحمل أعباء الحياة وفي الكفاح الوطني والقومي وكما قلت سابقا فإن النساء قطاع كبير من شعبنا ، إنهن نصف شعبنا ، وقد وقفن باستمرار وفي كل العهود إلى جانب الرجل ، تحملن معه ما تحمله هو في الظروف العامة ، وتحملن فوق ذلك آلاما خاصة فرضتها الظروف الشاذة القاسية التي عاشتها المرأة في حقب معينة وأؤكد مرة أخرى أن مجتمعنا سيبقى يعاني من ضعف ، وأن جهود التنمية في بلادنا ستظل تعاني من نقص ما لم تأخذ المرأة دورها الكامل في الحياة ومكانها الطبيعي في المجتمع ولا شك في أن ديننا ، وإنسانيتنا ودستورنا وكل ما حولنا يدعونا إلى أن نزيل الضعف والنقص من حياتنا ، وأن نمكن المرأة من أداء دورها الكامل في بناء الوطن وتقدم المجتمع.

السادة أعضاء مجلس الشعب :

لقد كانت سورية عبر التاريخ رمزا للنضال العربي ، ومعبرة عن كرامة العرب وطليعة لصمودهم ، نقول ذلك من أصالة قومية لا من نزعة قطرية ، إنه قدر هذا الوطن ، وكما قام بواجبه الماضي فلابد من أن يقوم بواجبه في الحاضر والمستقبل .

وسورية التي تواجه قدرها بشجاعة وإيمان لن تتخلى عن واجبها ولن تخذل الأمة التي وضعت فيها ثقتها وأملهاوستبقى سورية وفية لهذا الدور وللمبادىء التي تؤمن بها وتتمنى على الذين ينكرون تضحياتها ألا يستمروا في هذا النكران

وسنظل نضحي لتحيا أمتنا العربية لا يرهبنا شيء ولا يحرفنا عن طريقنا تهديد أو ترغيب هكذا كنا عبر تاريخنا وهكذا سنبقى .

لقد صمد شعبنا أمام كل ضغوط القوى الاستعمارية التي حاولت أن تفرض علينا أحلافا عسكرية .

وصمد شعبنا أمام كل الذين أرادوا أن يعاقبوه بسبب دفاعه عن قضية فلسطين ورفعنا في هذا البلد راية فلسطين منذ نشوء قضيتها بدافع من التزامنا القومي وبقيت هذه الراية مرفوعة وستبقى مرفوعة حتى يسترد شعب فلسطين العربي حقوقه كاملة وسنظل نؤكد أن حقوق شعب فلسطين في أرضه ووطنه تحتل من اهتمامنا ونضالنا المرتبة الأولى ، ونؤكد ما قلناه سابقا من أن حقوق شعب فلسطين العربي أولا وأرضنا المحتلة في الجولان ثانيا .

وعلى مدى ثلاثين عاما ، حافظنا على هوية فلسطين ووقفنا في وجه كل الذين حاولوا طمسها ورفضنا كل مساومة عليها . وحين قال أشقاؤنا إنه لولا صمود سورية لما كانت جبهة الصمود والتصدي كانوا بذلك يعبرون عن تقديرهم لموقفنا والتزامنا وتصميمنا على إبقاء القضية مصانة وراية الكفاح من أجلها مرفوعة .

لقد خضنا حرب تشرين وبعدها حرب الاستنزاف في الجولان دفاعا عن قضية فلسطين وعن أرضنا المحتلة وحاربنا بشرف ورجولة وأبلت قواتنا المسلحة البلاء الحسن وصمد شعبنا صمودا عظيما لم نتخاذل في الحرب ولا بعد الحرب ولا رضخنا للضغوط الاستسلامية ، بل قاومنا وما زلنا نقاوم وسنظل نقاوم حتى نحبط كل انجراف في تيار الاستسلام محافظين على كرامة أمتنا وكبريائها مناضلين في سبيل تحرير الأرض العربية واسترداد الحقوق العربية بشرف ورجولة رافضين كل أساليب الاستجداء .

لقد أكدنا منذ عام 1970 على التضامن العربي وأهميته في مواجهة الاحتلال وبذلنا كل جهد ممكن لتحقيق هذا التضامن وجعله فعالا . وإذا كان أعداؤنا قد استطاعوا أن يفتحوا فيه ثغرة ، فإن ذلك لن يمنعنا من العمل من أجله على أساس أن يكون أداة فعالة في النضال ضد العدو و تفشيل كل محاولات الرضوخ والاستسلام .

أيها السادة :

في سياستنا الخارجية سوف نستمر في العمل مع دول عدم الانحياز وسنعمل على تطوير العلاقات معها وسنعزز علاقات الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية وسنعمل على تنمية علاقاتنا مع الدول الإسلامية كما سنطور علاقاتنا مع مجموعة الدول الإفريقية وسنتابع علاقات التعاون مع الدول الأوروبية التي تقوم بيننا وبينها علاقات صداقة وسنعمل حيثما أمكن على بناء علاقات صداقة جديدة وسيظل موقفنا ثابتا في صف الحرية .

نؤيد كل الشعوب المناضلة من أجل حريتها واستقلالها وندعم حركات التحرير التي تقاوم الاستعمار بأشكاله والعنصرية البغيضة والعدوان بأنواعه .

أبناء وطني الأعزاء :

في الرابع عشر من آذار عام 1971 أديت اليمين الدستورية أمام مجلس الشعب ، وبينت كيف أفهم المنصب وكيف أفهم التأييد الشعبي وأكرر اليوم بالتمام ما قلته في ذلك اليوم .

إن ما لمسته منكم في استفتاء الثامن من شباط هذا العام والعواطف الجياشة التي غمرتموني بها والتي برزت في كل بقعة من هذا الوطن في مسيراتكم في احتفالاتكم في اندفاعكم إلى صناديق الاقتراع لا يمكن أن توصف بالكلمات أو تحيط بها عبارات لأنها أبلغ من كل تعبير .

إن ما فعلتموه بمناسبة الاستفتاء يزيدني شعورا بجسامة المسؤولية ولكنه في الوقت ذاته يمنحني القدرة على تحملها وكما قلت سأبقى دائما معتزا بمحبتكم قويا بكم عاملا معكم على تحقيق أهداف شعبنا وأهداف أمتنا وأكرر اليوم ما قلته قبل سبع سنين أني لكم جميعا ولا أفرق بين مواطن ومواطن إلا بقدر حبه لوطنه وخدمته له .

أتمنى لو كان ذلك ممكنا أيها الأخوة والأبناء لو استطعت بعيد الاستفتاء أن ألتقي بكل فرد منكم لأشد على يده وأبثه حبي وتقديري .

إنني أفتح قلبي للجميع وأدعوكم لأن نعمل في المرحلة المقبلة ، كما عملنا في المرحلة الماضية يدا واحدة وقلبا واحدا ملؤه المحبة والثقة .

لنجعل من هذا البلد نموذجا بما يسوده من محبة ومساواة وعدل ، وموطنا يعتز به أبناؤه ويسعدون فيه ، وقدوة يقتدى بها في التقدم والازدهار ، ومصدر قوة وخير لنا و لأشقائنا العرب .

خير ما أختم به كلامي أن أسأل الله أن يهبني الحكمة والسداد والقوة على تحمل أعباء المسؤولية التي ألقيتموها على عاتقي ، لخدمة وطني وأمتي ، وهي مسؤولية أتقبلها برضى المؤمن بربه وشعبه وأمته .

والسلام عليكم