الرفيق ألكسي كوسيغين رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي :

أيها الأصدقاء :

هانحن نلتقي مرة أخرى في نطاق المشاورات السياسية التي درجنا على إجرائها بين القيادتين في بلدينا استنادا إلى أواصر الصداقة والتعاون التي تجمع بيننا .

ولقد اتسمت لقاءاتنا السابقة بالتفاهم المتبادل ، والتقاء وجهات النظر ، وبالحرص المشترك على أن تحقق أهدافها بزيادة تعزيز العلاقات بين الجمهورية العربية السورية والاتحاد السوفييتي وخدمة القضايا التي ندافع عنها ، وفي يقيني أن لقاءنا الحالي سيكون استمرارا لهذا النهج وسيحقق بدوره الأهداف المرجوة منه ، وفي المقدمة منها متابعة تطوير التعاون بين البلدين في مختلف المجالات وتعزيز جهودنا المشتركة لبلوغ هدف السلام العادل في الشرق الأوسط ودعم قضية السلام في العالم .

إن تطوير العلاقات بين سورية والاتحاد السوفييتي وسائر دول المنظومة الاشتراكية على أساس من المساواة والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة يشكل إحدى قواعد سياستنا الخارجية ، ويسرني أن أعرب في هذه المناسبة عن عميق ارتياحنا في سورية لنمو التعاون بين بلدينا ، وأن أعرب أيضا عن وافر تقديرنا للدعم الذي يقدمه الاتحاد السوفييتي لنضال الأمة العربية في سبيل قضيتها العادلة ، وفي مواجهة التآمر الإمبريالي الصهيوني عليها، ولقد برهنت الأيام على أن تعاوننا قائم على الإخلاص والوفاء للمبادئ .

ويأتي لقاؤنا الحالي بينما تقف الأمة العربية في مواجهة مؤامرة حيكت خيوطها في كامب ديفيد بهدف تثبيت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة وبهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر حل هزيل يتمثل في ما يسمونه الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وليس غريبا أن تواجه أمتنا مؤامرة تدبرها الصهيونية بتشجيع ودعم من الإمبريالية ، وإنما الغريب والمؤلم أن يكون نظام عربي طرفا في هذه المؤامرة ، ولقد ظنت أطراف كامب ديفيد أن مشاركة نظام السادات ُتيِّسُر لها إتمام مخططها وتمكنها من جر بلدان عربية أخرى إلى هاوية الذل والاستسلام .

 

فخاب ظنها وانقلبت حساباتها ، فوجدت هذا النظام معزولا بعد أن عمل على سلخ مصر عن جسم الوطن العربي ، وتشكلت جبهة الصمود والتصدي العربية .

كأول عمل إيجابي فعال أنجز في مواجهة كامب ديفيد ، ووقفت أمتنا في مؤتمر القمة العربي التاسع وقفة التضامن التي يمليها واجب التصدي للخطر المحدق بها ، وأعلنت الأمة العربية رفضها القاطع للنهج الاستسلامي الذي اتبعه نظام السادات عبر صلحه المنفرد مع العدو وقبوله بالتسوية الجزئية على حساب مصلحة الأمة العربية .

إن نظام السادات قد وضع نفسه في وضع المستسلم الذي أفلت زمام أمره من يده، فأتاح لإسرائيل أن تنتزع منه التنازل تلو التنازل ، بحيث أجبر على أن يضع ثروة سيناء النفطية بتصرف إسرائيل المعتدية التي ما تزال تحتل أراضيَ عربية تشمل أجزاء من سيناء نفسها ، وخان الأمانة تجاه الأمة العربية بما في ذلك الشعب العربي الفلسطيني ، فانتحل صفة المفاوض باسمه وقبل بالحكم الذاتي حلا في إطار ما تعنيه إسرائيل من تبعية الضفة الغربية وقطاع غزة لها تبعية دائمة ، وتنازل عن القدس العربية واعترف بها عاصمة لإسرائيـــــل.

إن التلاعب بالألفاظ لا يمكن أن يحجب الحقائق ، وإن الذين دبروا مؤامرة كامب ديفيد باسم السلام ، قد جنوا جناية كبرى على قضية السلام ، لأنهم خلقوا تعقيدات على طريقه لم تكن قائمة من قبل ، ولأن نهج كامب ديفيد شجع إسرائيل على التصلب والتمادي في مقاومتها للسلام العادل الذي لم تكن تريده أصلا ولم تسع إليه في أي وقت من الأوقات .

والسلام العادل في الشرق الأوسط له مقوماته الواضحة التي أقرها المجتمع الدولي وأكدتها قرارات الأمم المتحدة ، ولن يتحقق إلا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس العربية ، وبإقرار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني ومن ضمنها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته على أرض وطنه وحقه في العودة.

والسلام العادل لا يتحقق بحل جزئي تصنعه وتتبناه الولايات المتحدة وتحاول فرضه على العرب عن طريق تدعيم القوة العسكرية لإسرائيل ، والرضوخ لكل المطالب الإسرائيلية على حساب الحقوق العربية .

لقد حاولت أطراف كامب ديفيد بالتهديد والإغراء أن تجر أطرافا عربية أخرى إلى مفاوضات الاستسلام . فباءت بالفشل الذريع ، وسعت إلى تكريس مؤامراتها على الأمة العربية بأساليب القهر والقتل والتدمير ، فازدادت شراسة سلطات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية ، وسالت دماء كثيرة في جنوب لبنان ، حيث كانت الغارات الإسرائيلية الهمجية بالأسلحة الأمريكية ثمرة من ثمار كامب ديفيد ، وكان الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان محاولة آثمة لخلق مشكلة جديدة للعرب تلهيهم عن مجابهة مؤامرة كامب ديفيد .

وأؤكد لكم أيها الأصدقاء أن هذه الأساليب لن تزيدنا ألا تمسكا بحقوقنا وإصرارا على الدفاع عنها بكل ما أوتينا من قوة ، ونحن نثق بأننا لن نقف وحيدين في نضالنا ، إن لنا أصدقاء مخلصين يؤيدون نضالنا ويدعمون حقوق أمتنا ، ولقد كان الاتحاد السوفييتي دوما في طليعة هؤلاء الأصدقاء المخلصين .

وفي مؤتمر القمة السابع لبلدان عدم الانحياز وقفت غالبية دول العالم إلى جانب النضال العربي العادل ، ودانت بأشد العبارات سياسة التسوية الجزئية التي انغمس فيها نظام السادات ورعتها الولايات المتحدة الأمريكية ، وأكدت بأوضح عبارة أنه لا حل لمشكلة العدوان الإسرائيلي ولقضية فلسطين إلا باعتبار قضية فلسطين جوهر مشكلة الشرق الأوسط ولب الصراع العربي ــ الإسرائيلي ، واعتبار قضية فلسطين ومشكلة الشرق الأوسط كلا لا يتجزأ في المعالجة أو الحل ، وعلى هذا فلا يمكن تجزئة الحل أو جعله يشمل بعض أطراف النزاع دون جميعها ، أو قصره على بعض أسباب النزاع دون غيرها ، ولابد أن يكون السلام شاملا جميع الأطراف ، مزيلا كل الأسباب ، بالإضافة إلى كونه عادلا .

أيها الأصدقاء :

إن نضالنا في سبيل قضيتنا يعزز اعتقادنا بأن السلام في العالم كل لا يتجزأ ، فلا يمكن أن يستتب السلام العالمي مادامت هناك شعوب تعاني من القهر والاستعمار والاستغلال ، ولا يمكن أن يستتب السلام مادامت عوامل التوتر في العلاقات الدولية مستمرة .

ومن هذا المنطلق فإننا ندعم حركات التحرير ونؤيد نضال شعوب جنوب إفريقيا ونامبيبا وزيمبابوي ضد الأنظمة العنصرية ، كما نؤيد الجهود المبذولة في سبيل الانفراج الدولي ، وفي هذا الصدد فقد رأينا في توقيع اتفاقية ــ سولت 2 ــ خطوة على طريق الانفراج ورأينا في مقترحات الرئيس بريجنيف التي أعلنها في خطابه في برلين تعبيرا عن سياسة الاتحاد السوفييتي السلمية وعن جهوده الصادقة في سبيل توسيع عملية الوفاق ، وتهيئة الأساس لعلاقات دولية جديدة تقوم على احترام حقوق الشعوب .

أيها الأصدقاء :

اسمحوا لي أن أعرب باسمي ونيابة عن الوفد العربي السوري عن خالص الشكر لترحيبكم بنا لقد حظينا كالعادة بحفاوتكم وحرارة استقبالكم وأحطتمونا بمشاعر المودة التي تميز العلاقات العربية السورية ــ السوفييتية .

وإني أحمل إليكم وإلى شعوب الاتحاد السوفييتي أصدق التحيات من شعبنا الذي يحرص على استمرار تعزيز الصداقة معكم .

وأعرب عن ثقتي بأننا سنضيف في هذه الزيارة دعما جديدا للعلاقات المتينة بين بلدينا، ودعما جديدا للقضايا التي نؤمن بها وندافع عنها .

ختاما أحيي الرفيق كوسيغين وأتمنى له الصحة والسعادة .

وأحيي شعوب الاتحاد السوفييتي متمنيا له مزيدا من النجاح في سائر مجالات الحياة .

وأحيي الصداقة العربية السورية ــ السوفييتية .

 

 

 

 

Google
Web Site

hafez al assad speech