الرئيس المحترم جوزيف بروز تيتو :

السادة أعضاء وفد جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية :

أيها السادة :

باسم شعبنا وحزبنا وباسمي شخصيا ، أرحب بكم ترحيبا قلبيا ، وإنه ليسعدنا أن نستقبل في دمشق الرئيس تيتو ، الصديق المخلص لشعبنا وأمتنا الذي يحظى بمكانة عالية في نفوس أبناء الشعب العربي السوري ، وقائد يوغسلافيا البلد الصديق ، وقطب حركة عدم الانحياز البارز ، والمناضل في سبيل قضايا الشعوب .

ولابد لي من التنويه بفضله الكبير في دفع علاقات التعاون بين بلدينا في شتى المجالات إلى مستواها الرفيع الحالي ، وتمتين أواصر الصداقة بين شعبينا ، وقد توطدت هذه الروابط على نحو يبعث على الارتياح ويخدم المصلحة المتبادلة للجمهورية العربية السورية وجمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية ويعزز نضال شعبينا المشترك .

ومع نمو العلاقات الثنائية بين بلدينا فقد جمعت بينهما رابطة الانتماء إلى حركة عدم الانحياز ، التي أسهمت كل من سورية ويوغسلافيا إسهاما كبيرا في دعمها وإنجاحها وتحقيق أهدافها .

ومن حق يوغسلافيا علينا أن نذكر بالشكر والعرفان أنها بقيادة الرئيس تيتو وقفت موقفا مبدئيا من مسألة العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية واغتصاب حقوق الشعب العربي الفلسطيني ، وعبرت باستمرار قولا وعملا ، في الأمم المتحدة وضمن حركة عدم الانحياز ، وفي شتى الظروف والمناسبات عن تأييدها الحازم للحق العربي .

وقد كانت يوغسلافيا في ثباتها على هذا الموقف ، منسجمة مع المبادئ التي تؤمن بها ، ومع قرار حركة عدم الانحياز التي أسهمت يوغسلافيا إسهاما كبيرا في اتخاذها، والتي أكدت على مفهوم واضح للسلام في الشرق الأوسط ، مفهوم يقوم على وضع حد للعدوان بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وإقرار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني .

وإننا لنذكر بتقدير تأكيد الرئيس تيتو في زيارته الأخيرة لدمشق في شباط 1974 أن الشرط الأساسي لحل دائم وعادل في هذه المنطقة يتمثل في انسحاب إسرائيل الفوري والعاجل من جميع الأراضي العربية التي احتلت في حرب 1967 ، وكذلك في تأمين الحقوق الوطنية المشروعة لشعب فلسطين العربي والتي تتضمن حق إقامة دولة خاصة به ، وإنه بدون الاشتراك المباشر والمتكافئ في الحقوق لممثلي شعب فلسطين العربي ، لا يمكن التوصل إلى الحل الشامل والعادل لأزمة الشرق الأوسط ـ .

 

إن هذا الموقف المبدئي الواضح يشكل في نظرنا الأساس السليم الذي يمكن أن يبنى عليه السلام العادل .

وتعرفون أن ما حال دون تحقيق هذا السلام هو استمرار عدوان إسرائيل مجسدا بالاحتلال واغتصاب الحقوق وتشريد المواطنين العرب . وما دامت إسرائيل مصرة على مواصلة عدوانها فإن أي حديث من جانبها عن السلام يصبح كلاما يخفي وراءه غايات هي أبعد ما تكون عن السلام .

وتذكرون أيها السيد الرئيس أنه كانت هنالك عقب حرب تشرين مساع جادة لإحلال السلام في منطقتنا استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة ، وبمباركة دولية شبه إجماعية ، وكانت تأخذ في الاعتبار المقومات الحقيقية للسلام . ولكن إسرائيل ظلت طيلة تلك المساعي تراوغ وتتهرب من السلام ، لأن لها مأربا ثابتا هو التوسع في الأرض العربية وعلى حساب الحقوق العربية إلى أن حانت لها فرصة محاولة تحقيق مأربها عن طريق اتفاقات كامب ديفيد .

وإذا كانت أطراف اتفاقات كامب ديفيد تسمي هذه الاتفاقات إطارا للسلام، فإن العبرة ليست في هذه التسمية وإنما العبرة هي في ما تتضمنه هذه الاتفاقات من شروط تشكل استسلاما لإرادة التوسع والعدوان . وهذه حقيقة يؤكدها ما نراه ونسمعه كل يوم من مواقف إسرائيل وما يصدر عن زعمائها من تصريحات وتصرفات تعني الإصرار على عدم الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وعلى تجاهل حقوق شعب فلسطين واستمرار إقامة المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة .

إن إسرائيل تتمسك بأساليب المناورة وطرق الخداع ، ولكننا لن نقبل بأن نكون ضحية الخداع ، ولذلك نقول إن هذه الاتفاقات أبعدت المنطقة عن السلام وخلقت على طريقه حواجز وعقبات جديدة بدلا من أن تذلل ما كان قائما من صعوبات، وهي تكاد أن توصد كليا أبواب العمل السياسي من أجل السلام بدلا من أن تفتح ما كان موصدا منها.

إننا نؤكد بدون تردد تصميمنا على استعادة حقوقنا وتصميمنا على مقاومة العدوان وصولا إلى دحره ، ومن يتصور غير هذا فهو واهم . على أننا ونحن نقاوم العدوان نبين بدون لبس أن السلام بغيتنا ، ولكنه سلام العدل السلام الذي يؤكد لأصحاب الحقوق حقوقهم ، السلام الذي يحفظ الكرامة ويستطيع أن يصمد ويستمر .

مثل هذا السلام لا يمكن أن يتحقق عن طريق الاستجداء ، لأن هذه الطريق تحقق استسلاما برداء السلام ، ومثل هذا السلام لا يأتي عبر أساليب المناورة وطرق الخداع ، وإنما سبيله هو الطريق القويم الواضح المؤدي إلى إزالة العدوان ومظاهره .

إن جدية العمل من أجل السلام تستوجب حل التعقيدات لا زيادتها ، ومن الواضح أنه بعد كل ما طرأ على الوضع من تعقيدات جديدة ، فإن السبيل لعدم قطع الطريق على العمل السياسي من أجل السلام ، هو إعادة القضية إلى الإطار الأصلح لمعالجتها ، إلى الأمم المتحدة لأن الأمم المتحدة هي الأكثر قدرة وكفاءة على معالجة القضية ، وهي صاحبة السلطة في إصدار القرارات وتفسير قراراتها . أما أن تستمر الأمور تتحرك كما تتحرك الآن فهذا يعني إغلاق الأبواب إغلاقا محكما أمام فرص السلام .

إننا في نضالنا من أجل قضيتنا العادلة نعتمد على قدرتنا الذاتية التي نسعى إلى تعزيزها بحشد ما أمكن من طاقات أمتنا وتوحيد مواقف أبنائها وتعزيز تضامنهم ، على أساس مكافحة العدوان ومقاومة كل محاولات التصفية والاستسلام .

كما نعتمد على دعم أصدقائنا الذين يقفون إلى جانبنا انطلاقا من روابط نضالية تشدنا معا للكفاح المستمر والمشترك ضد الظلم والاستغلال والعدوان ، ومن أجل تحقيق الحرية والعدالة لنا ولهم ولشعوب العالم أجمع .

وهنا لابد من التأكيد على أهمية بلدان عدم الانحياز وعلى المساندة التي نلقاها منها في نضالنا العادل .

إننا نتطلع ونسعى إلى دور أكبر تؤديه حركة عدم الانحياز ليس بالنسبة للسلام في هذه المنطقة فحسب ، وإنما بالنسبة للسلام في كل مكان وعلى كامل الساحة الدولية ، لأن في تنامي الدور الذي تؤديه مصلحة للبشرية جمعاء .

وبديهي أن تنامي هذا الدور ونجاحه يتوقفان إلى حد بعيد على احترام البلدان الأعضاء لمبادئ الحركة والالتزام بقرارات مؤتمراتها ، إذ أن الخروج على هذه المبادئ والقرارات عائق أكيد أمام تنامي دور الحركة ونجاحه ، بل هو عامل شد إلى الوراء يلعب دورا تخريبيا خطيرا ما دام من داخل الحركة .  

أيها السيد الرئيس المحترم :

إن لقاءاتنا الشخصية والمشاورات المستمرة بين حكومتينا قد أثبتت دائما أهميتها وجدواها، ولا شك في أن لقاءنا الحالي سيكون تأكيدا جديدا لهذه الحقيقة ، وأنا واثق من أن هذا اللقاء سيزيد العلاقات السورية اليوغسلافية متانة .

وإنني لأرجو أن تحملوا تحية شعبنا وتحيتي شخصيا إلى شعوب يوغسلافيا التي نعتز بصداقتها ونتابع نجاحاتها على طريق التقدم والازدهار .

أكرر ترحيبي الحار بالصديق المحترم الرئيس جوزيف بروز تيتو متمنيا له الصحة والعمر المديد .

وأرحب مرة أخرى بأعضاء الوفد اليوغسلافي وأعبر عن تمنيات الصحة والسعادة لهم .

وشكرا

 

 

 

Google
Web Site

hafez al assad speech