جولة أُفق في تطورات المنطقة والعالم. عبارة تختصر أجواء الجلسة التي أجراها الصحافي الفرنسي /آلان غريش/ مع السيد الرئيس /بشار الأسد/. الرئيس مرتاح ومتشائم وقلق، لكنه شديد الواقعية حيال معظم الملفات التي تطرّق إليها، من /لبنان/ إلى العلاقة مع /أميركا/ و/تركيا/ و/أوروبا/.

نفهم أن يجري الرئيس /الأسد/ فحص سلوك لإدارة /أوباما/ عندما نستوضحه في وضع العلاقات بين /سورية/ و/الولايات المتحدة/: "لا أستطيع الحديث عن علاقات ثنائية ما دام الحصار مفروضاً. لا يمكننا الحديث عن علاقات طبيعية عندما تعاقبنا /الولايات المتحدة/". فـ"قانون محاسبة سوريا"، الذي اعتمده /الكونغرس/ في عام /2003/، لا يزال ساري المفعول، وقد مدّد /أوباما/، في /تموز/ /2009/، العمل به وبمجموعة من الإجراءات العقابية الأخرى التي سبق للرئيس السابق /جورج بوش/ أن اتخذها منذ عام /2007/. يبدو الرئيس /الأسد/ محتاراً إزاء الإدارة الجديدة، هو يحيّي التغيير في خطابها، لكنه لا يزال ينتظر تغيير سلوكها، وتسمية سفير أميركي جديد في دمشق.

يستقبلنا الرئيس السوري بعد مؤتمره الصحافي الذي عقده صباحاً مع (رئيس الحكومة اللبنانية) /سعد الحريري/. وقد وُضعَت هذه الزيارة الاستثنائية من الصحافة الإقليمية في خانة الزيارات التاريخية، وهي الزيارة الأولى لرئيس حكومة لبنانية منذ عام /2005/، تاريخ اغتيال الرئيس /رفيق الحريري/ ومغادرة القوات السورية الأراضي اللبنانية. وبتعابير /الأسد/، "لم تكن صفحة جديدة فحسب، بل مرحلة جديدة، عودة إلى الوضع الطبيعي. زيارة لا تتعلق بالماضي، بل بالمستقبل، بما يجب أن نفعله معاً". زيارة تؤكّد أيضاً الواقعية السورية: من جهة، لن تكون هناك عودة إلى وضع ما قبل /2005/، حين كان أساس السياسة اللبنانية يُحدَّد في /دمشق/.

نجد هذه الواقعية في العلاقات السورية مع /تركيا/ التي كان رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان يزور دمشق في 23 كانون الأول لرئاسة مجلس التعاون الاستراتيجي التركي - السوري. يشرح الرئيس /الأسد/ أنّه "بعد حرب عام /2003/ على /العراق/، رأينا أن النار تقترب منّا. دفعتنا هذه النيران إلى أن نطوّر هذه العلاقات لحماية أنفسنا، واكتشفنا أنّ لدينا الكثير من الأمور والمصالح المشتركة مع /تركيا/. ولدينا اليوم مشهد إقليمي مختلف؛ أصبحنا لاعبين إقليميين. وفي جميع المشاريع الكبيرة، في تطوير النفط والغاز، وفي شق الطرق والسكك الحديد وفي جميع المشاريع بين /بحر قزوين/ و/البحر الأحمر/ و/الخليج/ و/البحر المتوسط/، نحن بحاجة إلى هذا التعاون الإقليمي. وسيكون هذا التعاون مستحيلاً من دون علاقات سياسية بين بلدينا (سوريا وتركيا)".

وماذا عن دور الوساطة التركية في المفاوضات /السورية ـ الإسرائيلية/؟ ينفجر الرئيس /الأسد/ ضاحكاً: "نحن بحاجة إلى وسيط بين /تركيا/ و/إسرائيل/". ثمّ يستعيد جديته ويضيف: "سمعنا عن جهود تؤدّيها مختلف الأطراف لإعادة ترتيب العلاقات بين /تركيا/ و/إسرائيل/ لكي تتمكن أنقرة من تأدية دورها في إعادة إطلاق المفاوضات".

وهل يمكن /فرنسا/ أن تساعد؟ يجيب /الأسد/ بتحفّظ: "/فرنسا/ لاعب دولي، و/تركيا/ لاعب إقليمي، يمكنهما أن يؤديا دوراً تكاملياً، لكن علينا أولاً إعادة إطلاق الدور التركي، وعندها يمكن /فرنسا/ دعمه والمساهمة فيه". بكلّ الأحوال، لا يخفي /الأسد/ تشكّكه، فهو لا يعتقد أنّ هناك محاوِراً إسرائيلياً مستعدّاً لصنع السلام. ويرفق /الأسد/ موقفه هذا برفض خوض "مفاوضات غير مشروطة".

ومن بين الملفات الإقليمية، هناك الموضوع الإيراني النووي، إحدى القضايا الأكثر حساسية؛ يهمّ /دمشق/ من ناحية أنّ جزءاً من إدارة /أوباما/ يضع أمام /دمشق/ المعادلة الآتية: التخلّي عن العلاقات /السورية ـ الإيرانية/ في مقابل لفتات أميركية تجاه /دمشق/. وإذا كان الوضع كذلك، فلا شيء يشير إلى أن الرئيس /الأسد/ مستعد للتخلي عن /إيران/. يضع /الأسد/ موقفه من الملف النووي بصيغة استفهامية: "هل نريد حلاً مع /إيران/؟، أم مشكلة معها؟ إذا كنّا نبحث عن مشكل، فمن الأجدى ممارسة الضغوط، وفرض حصار، وشنّ حرب عليها حتى. أما إذا كان المطلوب إيجاد حلّ، يجب الخوض في حوار مباشر مع /طهران/ مبني على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وعلى حق /إيران/ في تخصيب اليورانيوم. على الأميركيين محاورة /إيران/ بشأن كمية اليورانيوم التي ستخصّب خارج الأراضي الإيرانية (نسبة 20%). إنّ /طهران/ تُظهر مرونة من خلال موافقتها على تخصيب جزء من اليورانيوم الخاص بها خارج أراضيها. ويقول الأوروبيون إنه يجب إرسال كامل اليورانيوم الإيراني إلى الخارج دفعة واحدة، لكن ليس هناك ضمانة بأن يُعاد هذا اليورانيوم إلى /إيران/. غير أن /أوروبا/ تصرّ على أن ترسل /طهران/ كل اليورانيوم دفعة واحدة. وقلتُ للرئيس /نيكولا ساركوزي/ إنني لو كنتُ (الرئيس الإيراني محمود) أحمدي نجاد، لما وافقت على هذا العرض».

ويثير مستقبل هذه المنطقة قلق الرئيس السوري مع تصاعد الأصولية والتوترات الطائفية، بينما تستمر النزاعات الرئيسية. وفي هذا السياق، تبدو /أوروبا/ غائبة. وعلى حدّ تعبير /الأسد/، "كانت /أوروبا/ أكثر موضوعية في أعوام السبعينيات والثمانينيات ممّا هي عليه اليوم، رغم أنّ دول هذه القارة كانت في تلك الحقبة حليفة /واشنطن/ في الحرب الباردة. وفي ما يتعلق بمنطقتنا، كان الأوروبيون يتمتعون باستقلالية أكبر، وهم يسيرون اليوم في الوجهة الخاطئة. لا أعرف لماذا، وهذا ما على الأوروبيين أن يجيبوا عنه". ويتابع: "إذا كان للأوروبيين سيّد (أميركي بطبيعة الحال)، فلماذا عليّ أن أتعاطى معهم؟ عليّ التوجّه مباشرة إلى سيّدهم".

وعند الحديث عن التعاون الاقتصادي مع /الاتحاد الأوروبي/، يعود /الأسد/ إلى قضية طائرات الـ"آير باص": "يقولون إننا شركاء، لكنهم عاجزون عن إرسال طائرات نحن بحاجة إليها، وذلك بسبب الحصار الأميركي. أيّ نوع من الشركاء أنتم؟". وماذا عن اتفاق الشراكة بين /سورية/ و/الاتحاد الأوروبي/؟ ببساطة ليس جاهزاً للتوقيع بعد. ويشير /الأسد/ إلى أنّ "أياً من الطرفين لم ينضج بعد لشراكة كهذه. بالنسبة إلينا، نحن بحاجة إلى إصلاحات إدارية واقتصادية للتخفيف من الآثار السلبية لهذا الاتفاق. أما /الاتحاد الأوروبي/، فقد تعرض للخطف من /الولايات المتحدة/ و(الرئيس الفرنسي السابق) /جاك شيراك/؛ فخلال السنوات الصعبة، وقف الاتحاد إلى جانب /الولايات المتحدة/ ضدنا. إذا كنتم تريدون أن تكونوا أصدقاءنا، فعليكم إثبات أنكم تريدون ذلك حقاً". حتى إن /الأسد/ يكشف أنّه لا أحد من قادة الدول العربية التي زارها، والتي سبق أن وقّعت اتفاق شراكة مماثل مع /الاتحاد الأوروبي/، راضٍ عنه.

في الخلاصة، يرى الرئيس السوري أن /واشنطن/ لم تعد بحاجة إلى /أوروبا/ منذ نهاية الحرب الباردة. بات بإمكان الأميركيين إصدار الأوامر إلى دول /الشرق الأوسط/ والدول المنتجة للنفط، ولديهم كذلك علاقات مباشرة مع الجمهوريات السوفياتية السابقة. إنهم يحيّدون /أوروبا/، إلا عندما يحتاجون إلى دعم ما يُسمّى "المجموعة الدولية". إنها رؤية متشائمة، لكنها واقعية جداً في ما يتعلق بالمشاكل التي تعانيها /أوروبا/ لإيجاد مكان لها في الهندسة الدولية التي تُرسَم.

 

Google
Web Site

hafez al assad speech