ألقى السيد الرئيس /بشار الأسد/ كلمة في الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة السادسة والثلاثين لمجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية، قال فيها: 

أرحب بكم أجمل ترحيب في /دمشق/ عاصمة الأمويين إخوة كراماً وضيوفاً أعزاء. ويسعدنا أن تحتضن /سورية/ الدورة السادسة والثلاثين لاجتماعات مجلسكم، التي اخترتم أن يكون عنوانها "نحو تعزيز التضامن الإسلامي"، في وقت تتعرض فيه الدول الإسلامية لتحديات سياسية وثقافية كبرى تفرض عليها البحث في كيفية تنسيق جهودها لمواجهتها، ولتحقيق حضور فاعل على الساحة الدولية يمكنها من حماية مصالحها وصيانة هويتها. اجتماعكم وحواركم في هذه المرحلة الحرجة التي يشهدها العالم بشأن تفعيل تضامن دولنا في مواجهة التطورات السياسية والاقتصادية الراهنة يشير إلى حيوية منظمة /المؤتمر الإسلامي/ ووعيها للتحديات التي تواجه دولها، وبالعلاقة غير المرضية التي تقوم بين بعض بلدانها. كما يشير إلى إدراكنا لأهمية الروابط التاريخية التي تجمعنا والتي توفر لنا أرضية مناسبة لتحقيق المزيد من التعاون والتكامل في شتى الميادين، وخاصة أن السنوات القليلة الماضية حفلت بتطورات سياسية واقتصادية واسعة أصابت العالم وزعزعت استقراره كانت الدول الإسلامية في مواجهة مباشرة لتداعياتها إما كطرف أو كهدف.

لقد ترافقت هذه التطورات بحملة محمومة على الإسلام بهدف تشويه صورته كمرجعية حضارية وعقائدية لشعوبنا وعلى المسلمين بهدف عزلهم والحط من شأنهم، وكأنهم حالة شاذة على الساحة الدولية، أو جسم طارئ على المسرح الحضاري والإنساني. كما ترافقت بالتجاهل الإرادي لحقوقهم المشروعة، وممارسة الضغوط على البعض من دولهم لإرغامها على التخلي عن تمسكها باستقلالها وسيادتها ورفضها التدخل في شؤونها الداخلية. وتم استخدام المؤسسات الدولية لإضفاء الشرعية على تلك التوجهات، أو تعطيلها عندما يتعلق الأمر بحقوقها المشروعة ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط. وكان أخطر ما ثار الحديث فيه هو المقولات التي تنفخ في نار الحقد والكراهية بين الشعوب، كمقولة صراع الحضارات، ومحور الخير والشر، التي كانت ترجمتها العملية إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين، واعتبارها حقيقة لا جدال فيها واعتمادها كمسلمة في رسم السياسات، من فرض العزلة إلى إحكام الحصار، إلى الحرب الاستباقية بالإضافة إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومحاولات تقسيمها. وكان من الطبيعي أن تترك هذه الحالة آثارا عميقة من الإحباط في نفوس المسلمين، وهم يواجهون الأزمة تلو الأخرى ويرون عجزهم أمام إساءات متكررة لرموزهم واعتداءات مستمرة على سيادتهم، وأن تثير موجات واسعة من ردود الأفعال تتراوح بين العزلة والنقمة والتمرد. نتساءل اليوم عن أسباب ما وصلنا إليه من تراجع وضعف أغرى الآخرين باستضعافنا واستغلالنا. وهذا التساؤل ليس جديدا، إلا أنه يبدو اليوم أكثر إلحاحاً، بسبب تراكم الخسائر وزيادة الوعي بفداحتها.

 إذا كنا اعتدنا أن نحمل الآخرين مسؤولية ما نحن فيه من انحطاط، وهو صحيح في جانب منه، بسبب السياسات معدومة الأفق. فلاشك بأنه من الضروري أن نقف مع ذواتنا في مراجعة صادقة  لكي نكتشف مباشرة بأننا المسؤولون عما نحن فيه في المقام الأول. واقتصارنا على لوم الآخرين هو مجرد هروب من واقع لا نراه أو لا نريد رؤيته، وهو تعبير عن ضعف يجر ضعفا، وعن هروب من المسؤولية يستتبع ثمناً باهظاً. فإذا كان ديننا يعامل بالإساءة أو بالازدراء فلأننا ببساطة سلمنا الغير قرارنا، وبالتالي مصيرنا وسمعتنا وصورتنا الخارجية، وبالتالي هو من سيحدد العقيدة التي تناسبنا.  فإذا تحدثت تعاليم هذه العقيدة عن مقاومة المحتل واستعادة الأرض فهو إرهاب! وإذا تحدثت عن قول الحق فهو خروج عن الإجماع الدولي! وإذا تمسكنا بتعاليمها فنحن منعزلون نعيش خارج عصرنا! وكان رد فعلنا الطبيعي هو الدفاع عنها، ولكننا ،ومن دون أن ندري أو نشعر، عزلناها عما حولها وعن واقعها، فكان الدفاع عن الشكل أكثر أهمية من الدفاع عن المضمون. فكيف ندافع عن عقيدتنا، ونحن غير قادرين على الدفاع عن رأينا أو قرارنا أو أوطاننا؟ وكيف لا نهاجم في ديننا، ونحن نهاجم في كل شيء آخر؟ على المستوى المادي والمعنوي. بل كيف ندافع عن عقيدة لا نطبق ما تندبنا إليه، من وحدة الصف ووحدة الموقف من قول كلمة الحق في وجه متغطرس، أو في الدفاع عن الشرف والكرامة في وجه الغاصب؟ ذلك أن هناك بديهيات لا جدال فيها.

 

 عندما تدعونا عقيدتنا لكي نتوحد، ولكننا في الواقع نتفرقو وأحياناً نتعادى! وإذا كانت تدعونا كي نكون أكثر انفتاحاً، ولكن نتحول للانغلاق على أنفسنا.. فعلينا أن نبحث المشكلة فينا وفي ممارساتنا. وقد يكون هذا، في بعض الأحيان، كرد فعل على انغلاق البعض تجاهنا. ولكن الانغلاق هو علامة ضعف، وهو مخالف لتراثنا. لذلك علينا أن نتعامل معهم بقوة الانفتاح وليس بضعف الانغلاق. وأن نبادر تجاههم بثقة وأن نحاورهم بصبر كي نصل معهم إلى قواسم مشتركة تكمن فيها مصلحتنا،من خلال شرح قضايانا وتخفيف التعقيدات وبالتالي التوتر في منطقتنا. وتكمن فيه مصلحتهم بتحويل فشلهم المتكرر إلى نجاح، حده الأدنى إيجاد أصدقاء على مساحة يقطنها مليار وثلاثمئة مليون إنسان، لا يمكن لعاقل أن يتجاهل تأثيرهم على حاضر ومستقبل العالم. إذن لا يمكن الفصل بين الواقع والعقيدة، إذا أردنا النجاح. لذلك علينا التركيز على تطوير هذا الواقع لأن لغة الشكوى والاستجداء والتوسل لن تحقق لنا شيئاً. فنحن نعيش اليوم في عالم الأقوياء، حيث لا مكان فيه للضعفاء. والقوة لا توهب بل تكتسب. ونستطيع اكتسابها بتمتين علاقاتنا الاقتصادية، وكسر الحواجز الموجودة في هذا المجال، كذلك في امتلاك ناصية العلم والمعرفة لاستحالة التقاء الجهل بالقوة. والبحث العلمي هو المؤشر الرئيس في هذا المجال. وطبعاً بالتعاون السياسي والدعم المتبادل للقضايا الوطنية، بالإضافة إلى السياسات الحكيمة الواعية التي تتجنب الركض هروباً أمام العاصفة، أو عكساً في مواجهة العاصفة. وإنما تتحصن بالمصالح الوطنية كملجأ وحيد يحمي أي وطن ويجلب دعم أي شعب.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: علينا ألا نسمح بانتهاك سيادتنا واستقلالنا. والاستقلال يبدأ من منطقتنا لا من الخارج، ومن خلال مواجهة التحديات التي تفرض علينا، اعتماداً على أنفسنا. وإيجاد الحلول التي تناسبنا وتحقق مصالحنا. وهذا لا يعني انعزالاً عن التعاون مع الآخرين، ولا قفزاً فوق الواقع. فنحن بحاجة للدعم من الأشقاء والأصدقاء في كل العالم، ولكن هؤلاء بحاجة إلى معرفة رؤيتنا واختبار قوة إرادتنا لكي يساعدونا. وفي المقابل، فنحن نرفض، بكل تأكيد، أن تفصل الحلول في الخارج لكي تطرح علينا جاهزة، وما علينا سوى التنفيذ. فهذا النوع من التفصيل لن يناسب مقاسنا ولا ذوق شعوبنا. ولذلك فالفشل مصيره. وبغض النظر عمن يفشل، فنحن من سيدفع الثمن في المحصلة، وأقله المزيد من الإحباط والاضطراب. وبالتالي المزيد من المصاعب والتعقيدات، والدخول في حلقة مفرغة تكبر ككرة الثلج وتدمر كل شيء في طريقها. بطبيعة الحال، البعض منا يلوم الظروف التي نعيشها حاضراً أو عشناها ماضياً. ولا شك في صحة هذا الكلام، ولكن هذا جانب من المشكلة. أما الجانب الأكبر فيكمن في امتلاك الإرادة. والواقع يؤكد هذا القول، فلو نظرنا لدول أخرى مرت بالظروف نفسها في فترة زمنية متقاربة، ولكن مكانتها اليوم أفضل منا بكثير،علمياً واقتصادياً وسياسياً، لعرفنا أن الفرق بيننا هو قوة الإرادة. هذه الإرادة وحدتها أولاً، وحررتها من عقد النقص تجاه الآخرين ثانياً، ومهدت لها طريق التطور وإثبات الذات ثالثاً. ولا ينقصنا شيء للقيام بالأمر نفسه، فإثبات الذات يكون من خلال العمل للمستقبل، وليس من خلال الغرق في الماضي المجيد الذي نفتقده، أو نحن إليه من حين لآخر، وخاصة عندما نشعر بضعفنا. وعقد النقص نتحرر منها عندما نرى نتائج عملنا، بدلاً من أن نعوضها بالغرور أو التكبر على الآخرين لكي نشعر بتفوق مزيف. وتبقى الإرادة الشرط الأساسي للنجاح في كل ذلك.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: فلنحم أنفسنا وشعوبنا ومنطقتنا من خلال حل مشاكلنا بأيدينا . فمنظمتنا تتألف من /57 / دولة ، لا بد أن تكون قادرة على وضع رؤى وخطط تنفيذية للقضايا المعقدة في منطقتنا. وعندما نتفق فلا خيار أمام الآخرين إلا أن يقفوا إلى جانبنا، أو يعزلوا أنفسهم عن المنطقة، وهذا لا يتوافق مع مصالحهم. لقد ثبت للجميع،من خلال تجربة السنوات الماضية، وما أفرزته من اضطراب على المستوى العالمي، أن نهج الحرب واستخدام القوة في تحقيق الأغراض السياسية، لم يجلب سوى الضرر لكل من اعتمدها أو أسهم فيها، ناهيك عمن كان ضحيتها. وإذا كان الكثيرون على امتداد العالم قد أيقنوا أن مثل هذا النهج وصل إلى طريق مسدود، وأصبحوا على قناعة بضرورة البدء مع عهد جديد، قائم على أسس من التعاون لمواجهة المشكلات العالمية. فإن هذا ليس كافياً كي نكون مطمئنين إلى المستقبل، طالما أن هناك أطرافاً لم تستطع الإفادة من تجارب الماضي البعيد والقريب، بل ما زالت تراهن على إمكانية الاستمرار في الاحتكام إلى القوة والاحتلال، وسلب الحقوق وقهر الشعوب. وهذا هو حال /إسرائيل/ اليوم. وعندما نقول اليوم، فنحن لا نتحدث عن ستة عقود من الاحتلال فقط، بل أيضاً عن سبعة عشر عاماً منذ بدء مفاوضات السلام في /مدريد/ لم تؤد إلا إلى الإضرار بالسلام وجعله أبعد ما يكون عن التحقيق. وإذا كانت هناك نقطة إيجابية واحدة تسجل لعملية السلام، فهي أنها عرت /إسرائيل/، وفضحت حقيقتها أمام العالم. فهذه الدولة عدوانية المنشأ والنوايا. كانت تصور لعقود مضت على أنها الحمل الوديع الراغب في السلام مع الذئاب المحيطة به، بمن فيهم أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين. ولكن فشل هذه العملية حتى اليوم، أظهر بشكل صارخ حقيقة أن /إسرائيل/ هي العقبة الأكبر في وجه ذلك السلام المنشود.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: اليوم، أيضا وبعد تجربة أخرى مع /إسرائيل/ من خلال المفاوضات غير المباشرة،عبر /تركيا/، تثبت هذه الحقيقة مرة أخرى. والتي تؤدي بالمحصلة إلى حقيقة أخرى، وهي أن فشل العمل السياسي في استعادة الحقوق الشرعية لأصحابها، سيعطي الحق للمقاومة في القيام بواجبها من أجل استعادتها. ونحن في /سورية/، بشكل خاص، وكدول عربية بشكل عام، لم نغير موقفنا تجاه السلام كهدف استراتيجي يجب الوصول إليه في يوم من الأيام، طبعاً مع ما يعنيه ذلك من عودة الحقوق كاملة، وفي مقدمتها عودة الأراضي المحتلة دون نقصان. ولكن صفاء نوايانا وصدقها تجاه السلام لا يجعلنا نغفل الحقائق والتساؤلات المشروعة والمنطقية من أجل استقراء المستقبل بشكل دقيق. هل يمكن لدولة قامت على الاحتلال غير الشرعي وقتل السكان الأصليين من الفلسطينيين والمستمر حتى هذه اللحظة، وارتكبت المجازر في /لبنان/ و/الضفة الغربية/ و/غزة/ عبر عقود، أن تعمل من أجل السلام؟ هل يمكن لدولة أعاقت حكوماتها علناً وسراً إمكانية التوصل لأي اتفاق خلال العملية السلمية منذ انطلاقه، وهي اليوم تختار على قمة هرمها أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخها، أن تكون شريكاً لنا في عملية السلام؟ لا أعتقد أن أحداً منا لا يعرف عن جدار الفصل العنصري في /الضفة الغربية/، أو عن الموت البطيء لغزة بحصارها، وتخريب حقولها، أو عن عملية تهويد /القدس/ الممنهجة بهدف الوصول إلى تهويد الدولة، وما يعنيه ذلك من عملية طرد نهائي لما يقارب مليوني فلسطيني في عملية تطهير عرقي جديدة وربما أخيرة. هذا يعني بأنه علينا توقع المزيد من الاضطراب في ساحتنا السياسية، وبعض الدول الغربية تتحمل مسؤولية في ذلك. عندما ظلت ولسنوات تتنكر للحقائق الموجودة على الأرض، حيث كانت تقلب المفاهيم من خلال اتهام المقاومين بالإرهاب، وتصويرهم وكأنهم عصابات خارجة عن القانون،.لا تمت بصلة إلى شعوبها، ولا تمثلها في كفاحها ضد الاحتلال. كما استخدمت المعايير المزدوجة في أسوأ أشكالها، فكانت تعطي العالم عظات عن حقوق الإنسان. وعندما يكون هذا الإنسان عربيا أو مسلماً، يصبح الموت حقه الوحيد الذي يدافعون عنه أو يعملون لأجله.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: اليوم بدأت هذه الدول تدرك متأخرة خطأها لأنها لم تعد قادرة على التغاضي عن الواقع شديد الوضوح. لكنها ما زالت أيضاً غير قادرة على التحرك في الطريق الصحيح من خلال التعامل مع هذه الحقائق. وفي مقدمتها الدعم الشعبي الكبير الذي تحظى به قوى المقاومة في منطقتنا. والذي يجعلها العنصر الأساسي الذي يمر عبره أي حل، والضامن الأهم لعودة الحقوق إلى أصحابها. وبما أن الأحداث لن تنتظر اكتمال رؤيتهم، ولا تأخرنا في المبادرة، فعلينا أن نتحرك نحن باتجاهها. وفي مقدمتها رفع الحصار عن /غزة/. وكذلك السعي في مختلف الأوساط إلى تقديم المقاومة بصورتها الحقيقية، كحركة تحرر لها قضيتها العادلة والتي تعبر عن إرادة أي شعب احتلت أرضه. كما يجب الوقوف في وجه عملية تهويد /القدس/، والتي تهدف إلى إلغاء الطابع التاريخي والروحي المتنوع لهذه المدينة. ويجب، قبل هذا وبعده، عدم مكافأة /إسرائيل/ على جرائمها، بل التأكيد على ربط أي تطور للعلاقات، إذا كانت موجودة أصلاً، بمدى ما تعبر عنه، وبصورة ملموسة، من التزام بالسلام العادل والشامل، وعودة الحقوق المشروعة، وانسحابها من الأراضي المحتلة في /فلسطين/ و/الجولان/ وجنوب /لبنان/. أما الإبقاء على الوضع الحالي فلن يؤدي إلا إلى تشكيل تربة خصبة من التوتر والتطرف، ينمو داخلها الإرهاب. والذي يعتبر الملهم الأساسي لأصحاب النظريات الأمنية الذين استخدموه كعدو يبررون من خلاله سياساتهم تحت عنوان الأمن في مواجهة الإرهاب.

 الحقيقة أن الإرهاب ليس حالة أمنية، بل هو حالة فكرية لها مظاهرها السياسية والأمنية وحتى الثقافية. وهي لا تكافح بالتالي من خلال مكافحة المظاهر، بل المضمون والأسباب. والنجاح في مكافحتها غير ممكن في مطاردة أو اصطياد شخص إرهابي، بدلاؤه هم العشرات من الإرهابيين في مكان آخر. وإنما يكمن في تصفية الفكر الذي يقوده إلى ذلك. فالأمن الذي تتحدث عنه معظم الدول، بالمعنى المادي للكلمةو ليس في حقيقة الأمر سوى أمن العقل والفكر من الإصابة بالخلل أو الانحراف، هو أمن ثقافي يتحقق بتكريس العقيدة الصحيحة والأخلاق القويمة، وبتعميم ثقافة الانفتاح. هو أمن سياسي نصل إليه عندما نحل القضايا السياسية العالقة التي تؤدي للإحباط ومن ثم التطرف الذي يقود إلى الإرهاب. كذلك هناك أمن يتحقق عندما نعبر بمواقفنا السياسية عن المواقف الحقيقية لشعوبنا. فالعوامل الداخلية أشد تأثيراً من العوامل الخارجية،سلبية كانت في تأثيرها أم إيجابية. ولاشك أن القيام بكل ذلك يتطلب التعاون فيما بيننا ومع الآخرين. ولكن كون الإرهاب اليوم ظاهرة عالمية خطيرة تحتاج لتضافر جميع الجهود لمكافحتها، لا يعني أن نسمح باستغلالها وجعلها مجالاً مفتوحاً لخلط الأوراق واستبدال الإرهاب بإرهاب أشد سوءاً من خلال التهويل والترهيب، أو الاعتداء على شعوب واحتلال دول. ومن البديهي هنا أن نرفض إلقاء صفة الإرهاب على دين أو ثقافة محددة، كما يحصل اليوم مع الإسلام والمسلمين. ولكني لا أعطي هذا الأمر صفة الأولوية، بمقدار ما أعطيها لواقع الأمور. فهذه التهمة لن تغير من جوهر الإسلام كدين سماوي سمح. واتهام المسلمين بالتخلف لن يلغي حقيقة حضارتهم وما قدمته للإنسانية من فكر وقيم واحترام للإنسان. وإذا كان هناك ثمة جاهل فسيعرف الحقيقة يوماً..وإذا أصر على جهله فسيكون هو الخاسر الأكبر. لكن ما يهمنا بشكل أساسي، هو ألا يخلط البعض من المسلمين بين الدفاع عن الدين والدفاع عن الإرهاب، أو بين الالتزام بالدين والتزمت والتعصب. فخلطنا في شؤوننا يبرر للآخرين خلطهم في شؤوننا. كأن يقول بعضهم الإرهاب الإسلامي! والذي يوحي وكأن الإرهاب بند أساسي في الإسلام! لذلك علينا إعطاء الأولوية لحماية شبابنا من عوامل الانحراف، ومساعدتهم على رؤية دينهم من الزاوية الصحيحة لكي نتمكن من مساعدة الآخرين على ذلك أيضاً.

 إن الإسلام هو دين الانفتاح والتواصل الحضاري، واستمد قوته واستمراره من انفتاحه على الجميع، بكل ما لكلمة الانفتاح والتواصل من أوجه ومضامين. ولقد عاش الإسلام ولا يزال مع الشرائع الأخرى جنباً إلى جنب في فضاء جغرافي وإنساني واحد. واستطاع أن يستوعب القوميات والأعراق التي تشربته دون أن يلغي ثقافاتها وخصوصياتها بل عززها. ولذلك، فعندما نتحدث عن عالم إسلامي، فإننا لا نقصد المسلمين فحسب، بل جميع مكونات ذلك التنوع الغني الذي يعبر بوجوده عن حقيقة الانفتاح الذي يحمله الإسلام. كذلك منظمتنا التي تدافع عن مصالح كل من يعيش في هذه المنطقة الواسعة بغض النظر عن دينه أو عرقه. فكل من يعيش فيها هو أخ للآخر ولديه واجب كامل تجاهه. والوحدة بينهم هي واجب في الدين والعرق الواحد. كما هي واجب بين الأديان والأعراق المختلفة. لذلك فإن أي دعوة للانغلاق منافية لجوهر الدين، ومدمرة لغاياته النبيلة. وكل محاولة لبث الفرقة والانقسام داخل مجتمعاتنا، وبين مكوناتها، تتنكر لجوهر رسالته الإنسانية. من هنا نؤكد بأنه لا بد لنا من التصدي للمحاولات التي ترمي إلى خلق التباين والتنافر بين شعوبنا وثقافاتنا. لا بد لنا أن نكون واعين لمنطق الحرب الإعلامية والثقافية، حرب المصطلحات والمفاهيم التي تصدر إليناو ومن ثم تتحول إلى واقع ثقافي وسياسي لا يمت إلى واقعنا بأي صلة، بحيث يتحول الصديق إلى عدو، والأخ إلى خصم، ويتحول الخلاف الوهمي غير الموجود داخل ثقافاتنا أو فيما بينها إلى حرب حقيقية. وتصبح دماؤنا الوقود الضروري للتدخل الخارجي في شؤوننا ولإضعاف بلداننا. وهذه الحروب الكبيرة تبدأ صغيرة بمصطلح سياسي ضيق الأفق أو بمفهوم خاطئ يعبر عن انعزال وانغلاق فكري، أو قد تنجم عن أداء سياسي قصير النظر. فالقنبلة الكبيرة يفجرها صاعق صغير، ونزع هذا الصاعق يحولها إلى كتلة من دون تأثير. وهذه الصواعق تتكاثر في مجتمعاتنا اليوم، فعلينا نزعها قبل أن تنفجر فينا.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: من هنا تبرز أهمية تنسيق سياساتنا الثقافية والإعلامية لمواجهة هذا الوضع القلق، من خلال توسيع دائرة الحوار فيما بيننا لتدعيم الجسور الطبيعية القائمة بين شعوبنا، وردم الفجوات المصطنعة لكي نسير سوية باتجاه المستقبل، قوة متضامنة متآزرة. والتربية مكملة للإعلام والثقافة في عملية حماية الأجيال المقبلة من خلال بناء سياسات تربوية تبصرهم بحقيقة الإسلام وجوهر دعوته من أجل الخير والإعمار، واستخدام العقل لتحقيق التقدم ورفض التكاسل والتواكل ونشدان قيم الحق والعدل والكرامة الإنسانية. أما الاقتصاد فكان ولا يزال الطريق الطبيعي للتواصل والتعارف بين الشعوب كما لتحقيق التنمية. ومن الطبيعي أن نسعى كبقية دول العالم ليكون لنا تكتل اقتصادي يعزز مصالحنا ويتفاعل إيجابياً مع مصالح الآخرين.

 واختتم الرئيس /الأسد/ كلمته بالقول: أرجو لمؤتمركم النجاح في الوصول إلى الصيغ المناسبة لتفعيل منظمتنا وتمتين تضامننا بما يليق ومتانة الروابط التي تجمعنا، مبتعدين في مقارباتنا وأدائنا عن الشعور بالمهانة والإقصاء، مميزين بدقة بين العدو الحقيقي والوهمي، محددين من يكون الصديق ومن يكون الشقيق، منطلقين من الثقة بالمستقبل الذي تضمنه شعوبنا بامتلاكها كل العناصر والوسائل والموارد الضرورية لصناعته وتوجيهه. وما يتبقى علينا كدول وحكومات هو امتلاك الرؤية والقرار والمعرفة لاستخدامها في المكان الصحيح وفي الوقت المناسب.

مرة أخرى أرحب بكم وأتمنى لكم كل النجاح والتوفيق.

والسلام عليكم.

 

 

 

 

Google
Web Site

hafez al assad speech