ألقى السيد الرئيس /بشار الأسد/ كلمة في افتتاح أعمال الدورة العادية الثانية للبرلمان العربي الانتقالي في /دمشق/، وجه في مستهلها التحية إلى البرلمانيين العرب وقال: أحييكم وأرحب بكم في بلدكم /سورية/، باسمي وباسم أشقائكم أبناء الشعب العربي السوري الذين يسعدون دوماً بلقائكم.  إنه لمن دواعي الاعتزاز أن تستضيف /دمشق/ مقر /البرلمان العربي/، الذي نطمح أن يكون مركز إشعاع للعمل العربي المشترك، ومنبراً للحوار البناء بين الأشقاء في شؤون أمتنا، حاضرها ومستقبلها، وأن تحتضن اليوم دورة اجتماعاتكم، وهي التي استضافت بالأمس القريب المؤتمر العشرين للقمة العربية الذي حرصت على أن يكون مؤتمراً للتضامن العربي. نأمل أن يمر الطريق إليه عبر برلمانكم الذي كان تأسيسه تجسيداً لإرادة مشتركة من الدول العربية، والذي يمثل أحد أبرز مؤسسات العمل العربي المشترك، التي نعول عليها أهمية خاصة في تدعيم علاقاتنا العربية، وتعزيز التواصل والحوار البناء بين قياداتنا الشعبية. في الوطن العربي برلمانات عديدة، وفي العالم ككل برلمانات كثيرة، ولكن هناك برلمان عربي واحد. فإذا ميزته تسميته عن غيره فهذا حتماً يعني بأن تأسيسه لم يأت لكي يضيف عددا إلى أعداد، أو لكي يقلد تجارب موجودة في أمكنة أخرى، بل من أجل هدف واضح ومحدد يتحدد من خلال اسمه، فالجزء الأول منه أي البرلمان وجد من أجل خدمة الجزء الثاني أي العربي ومضمونه العروبة، مشيرا إلى أن هذا المصطلح الذي يربط بين المواطنين العرب بروابط عديدة ومتينة متجذرة في عمق التاريخ، والذي نقل من مجرد عواطف ومشاعر وأحاسيس إلى فكر ونظريات من قبل المفكرين والمنظرين القوميين خاصة في القرن الماضي، لم يسعفه الواقع لكي يترجم فكره إلى تطبيق عملي يتوافق مع أساسه أي مشاعر وتوجهات المواطنين، أو لكي يتوافق مع ازدياد قوة هذه الرابطة المتنامية، بفعل الزمن أو الأحداث، سواء لأسباب دولية وإقليمية، أو لأسباب عربية محلية، أو لأسباب مؤسساتية عندما كانت تتوفر النية وتقام المؤسسات على المستوى العربي الشامل والثنائي، مؤكدا سيادته انه و انطلاقاً من ذلك كان لا بد من التركيز على الجانب المؤسساتي للعلاقات العربية-العربية، وكان لا بد من دعم الخطوات والبنى المختلفة التي أنجزت سابقاً بمؤسسة من هذا المستوى والنوع، نأمل بأن تحقق الكثير ولو على مراحل، آخذين بعين الاعتبار الفروقات بين الدول العربية في هذا المجال. 

وأضاف الرئيس /الأسد/ إذا كانت فاعلية برلمانكم تتأثر طرداً بعملية التطوير الداخلية في كل قطر على حدة، ففاعليتكم بالمقابل ستكون عاملاً مؤثراً في دفع عملية التطوير بشكل شامل في دولنا. لذلك نتطلع جميعاً، حكومات وشعوباً عربية أن يكون البرلمان العربي صيغة متقدمة في عملنا العربي المشترك، نريد له أن يتعزز تجربة وحضوراً في حياتنا السياسية ليكون منبراً للحوار البناء بين البرلمانيين، وليكون أحد مؤسسات القرار التي تعمل على رفد المؤسسات القائمة بالعون والمساندة، وبما يعزز من توسيع دائرة القرار السياسي العربي المشترك. كما نريد للبرلمان العربي، وهو الذي يضم ممثلي القوى الاجتماعية والسياسية على الساحة العربية أن يجسد العروبة بكل معانيها كرد مباشر وجواب واضح واف على حملات التشكيك التي أخذت تبثها بعض المؤسسات السياسية والثقافية والإعلامية في واقع الأمة ومستقبلها ومدى قدرتها على تجاوز مصاعبها مستغلة حالة الإحباط التي تركتها الأحداث الأخيرة وما رافقها من انكسارات خاصة في بداية التسعينيات، وتحت عنوان سقوط عصر الإيديولوجيات، في الوقت الذي كانوا يصنعون أخطر الإيديولوجيات على البشرية، المتمثلة بالحرب الاستباقية وملحقاتها من سياسات تهدف لزعزعة استقرار العالم بأسره، ولم يكن البعض منا نحن العرب في منأى عن السقوط في فخ المفاهيم المزيفة تلك، فعمل على تسويقها ودافع عنها عن غير معرفة.  لو تساءلنا أين يكمن الفرق بين الإنسان وبقية المخلوقات على الأرض فهو حتماً ليس في الغرائز الأساسية بل في العقيدة. وسلب العقائد يعني سلب الإنسانية وهذا ما أرادوه لنا ولغيرنا في هذا العالم ولكن وكما تثبت الوقائع فإن هذه المحاولات لم تفشل فحسب، بل انقلبت على أصحابها وأصبح الشعب العربي مع غيره من الشعوب أكثر تنبها لما يخطط له وأكثر تمسكا بمبادئه وعقائده ومصالحه وحقوقه واستقلال قراره. وإذا كنا فعلاً نمثل هذا الشعب فعلينا أن نكون الطليعة المدافعة عن العروبة التي تختصر كل الأسس التي تشكل في محصلتها الضمانة الأساسية لنا أفرادا ومجتمعات من أجل الوصول للأفضل، وليكون لنا مكاننا اللائق بين الأمم الذي نستحقه عن جدارة ونفرضه مع احترامنا على الآخرين وليس ذلك المكان الذي يقدم لنا كجائزة ترضية مقابل تنازلات مخزية. عند ذلك فقط نستطيع تحمل مسؤولياتنا كمؤسسات قومية، والقيام بواجباتنا كقوى اجتماعية وثقافية وسياسية تجاه شعبنا على أكمل وجه، وعند ذلك أيضاً نكون قد تخلصنا من عقد النقص الكثيرة التي زرعت في أذهاننا وعقولنا خلال العقود المنصرمة، والتي أصبحت العقبة الحقيقية في وجه التطوير والتنمية وسمحت للآخرين بقيادتنا نيابة عن أنفسنا وحولت مؤسساتنا القومية إلى بنى شكلية مشلولة غير فاعلة، وهذا ما لا نريده لهذه المؤسسة الناشئة والتي تشكل باعتقادي أهم خطوة جادة تمت حتى الآن على طريق العمل العربي المشترك، مشيرا إلى أنه على الرغم من الأحداث الأليمة التي شهدناها في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من المشاريع والمبادرات التي تهدف إلى طمس معالم الصراع الحقيقي فيها، وتضييع الحدود والمفاهيم بين العدو والصديق، بين من يحتل الأرض ومن يدافع عن حرية وسيادة بلده، فإن الجماهير العربية بقيت متمسكة بخياراتها القومية، وبقيت معالم الصراع الحقيقي واضحة في ذهن المواطن. بل إن الوقائع التي لا تقبل الجدل، تبرهن بوضوح بأن الأجيال العربية الشابة، أكثر تمسكاً بحقوقها، وأكثر صلابة في الدفاع عن حريتها، ومقاومتها للاحتلال الأجنبي، وهذا يناقض الكثير من التحليلات التي كانت تتوقع أن نصل إلى حالة النسيان أو التساهل مع تقدم الزمن ومع تعاقب الأجيال.

 

 

وأضاف الرئيس /الأسد/: كما أظهرت الوقائع أن المواطن العربي، من المحيط إلى الخليج، يعيش الهم العربي، ويتألم من الجرح العربي كجسد واحد من /فلسطين/ إلى /العراق/ و/السودان/، وإلى غيرها من أقطارنا العربية. وهذا ما يؤكد أن ما يعاني منه التضامن العربي من مصاعب عديدة لا علاقة له بالحالة الشعبية، بل هو مرتبط بالحالة الرسمية والتي تتناقض إلى حد كبير مع العلاقة التي تجمع بين شعوبنا والتي يربطها رباط العروبة المتين.الأمر الذي يدعونا إلى بذل المزيد من الجهود لتعزيز الثقة لدى مواطننا العربي بقدرتنا كدول على حل مشكلاتنا دون الاستعانة بالأطراف الخارجية، وأن نرسم أدوارنا الإقليمية والدولية بأنفسنا ، مؤكدا أن علينا أن نعمل باستمرار على حل خلافاتنا، خاصة وأن التباين في المواقف الرسمية العربية لا يعكس تناقضاً في المصالح، وإنما هو عائد بالدرجة الأولى إلى تباين التقديرات للدوافع الحقيقية التي تكمن وراء التطورات السياسية خاصة الإقليمية ولأبعاد المخاطر المرتبطة بها، أو للقراءات بمعايير متباينة للمشاريع الأجنبية المطروحة على المنطقة وكيفية التعامل معها و أنه  في أحيان أخرى نتفق حول الأهداف ولكن نختلف حول المقاربات. وهذا التباين أو التنافر كله ناتج عن غياب التواصل والحوار والتفاعل الإيجابي بين قياداتنا ومؤسساتنا، التي تجعل كلا منا يحلل ويقرر، ثم يواجه مشكلاته بمعزل عن أشقائه الآخرين، مؤكدا أن /سورية/ حرصت في ما اتخذته من مواقف، وفي ما واجهته من خيارات سياسية مفتوحة على مختلف الاحتمالات، أن تعتمد سياسة واضحة بناءة في تعاملها مع القضايا التي أفرزتها الصراعات القائمة في محيطنا الإقليمي، تستند إلى التوافق مع الأشقاء العرب على أرضية الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من التضامن بيننا وسط هجمة معادية شرسة تستهدفنا جميعا هوية ومصالح، ولكن دون التسليم بالأمر الواقع كما يسعى الآخرون إلى فرضه، أو إلى الانسياق إلى أوهام القفز فوق معطيات هذا الواقع مهما تكن الشعارات المؤسسة له، ودون أن يعني هذا التوافق أو التضامن المس بالثوابت والأسس لسياساتنا. 

وقال الرئيس /الأسد/:  لقد واجهنا في ذلك تحديات كبيرة خلال السنوات الماضية، ولكنها وعلى الرغم من كل التهديدات والإغراءات لم تفقدنا البوصلة أو الاتجاه الذي يحدد العناوين الأساسية للمصلحة القومية. في وقت تعرضت فيه /سورية/ لحملات منظمة واضحة الأهداف من جانب أوساط معادية ردد أصداءها البعض من الأصوات العربية بهدف التشكيك في مواقفنا والتعريض بدوافعنا تحت عناوين الواقعية والمرونة والعقلانية. وعلى الرغم من كل المصاعب والضغوطات، لم يتزعزع إيماننا بقدرة العرب جميعاً على استعادة زمام المبادرة والتأثير الفعلي في مجرى الأحداث. عندما نمتلك الإرادة، وعندما نعي بأنه لا يمكن لأحد أن يضمن أمنه بمعزل عن أمن الأشقاء، ولا أن يحقق مصالحه بمنأى عنهم. عندما ندرك أن مفهوم الأمن القومي الذي لم يأت من فراغ يعني أن ما يصيب بلدا من بلداننا هو حتماً سيصيب البلدان الأخرى. أي أن المخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي هي مخاطر واحدة للجميع دون استثناء. وبقينا متمسكين بمواقفنا. وكان علينا أن نبرهن في كل مرة بأن الانكفاء ليس قدراً محتوماً على العرب، وأن الانكسار ليس خيارهم الأخير، وأن المقاومة بمعناها الشامل والمتكامل هي التي تمنح الأمان في وجه العدوان، وتضمن تحقيق السلام الذي هو للأقوياء فقط، أما الضعفاء فلا سلام ولا أمان واطمئنان لهم، فهم في الحرب خاسرون وفي السلم واهمون.

 وأضاف الرئيس /الأسد/: كان في طليعة التحديات القديمة الجديدة الصراع العربي-الإسرائيلي، ومسألة السلام الذي يبقى البند الأساسي في ذهن أي مواطن عربي. لذلك فإن إيجاد حل عادل وشامل لهذا الصراع وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وما يعنيه ذلك من إنهاء للحروب التي فرضت على بلداننا وشعوبنا، وإعادة الأمن والاستقرار لهذه البلدان والمنطقة بشكل عام، تبقى لها الأهمية القصوى في استراتيجيتنا السياسية. ولكن في إطار استعداد الطرف الإسرائيلي لإقامة السلام، وإدراك ما يريده فعلاً من الحديث عن السلام، وتبين مفهوم السلام الذي ينادي به أو يقبل به. حتى هذه اللحظة مازلنا نرى شعار السلام يستخدم كجزء من مفردات اللعبة السياسية الداخلية في /إسرائيل/، ويدخل عنصراً أساسياً في دوامة المناورات السياسية الخارجية التي تخفي من الحقائق أكثر مما تظهر. ولا ننكر أن مثل هذه المناورات قد انطلت على قطاع واسع من الرأي العام الدولي، وبحيث ظهر الإسرائيليون مندفعين باتجاه السلام، والعرب رافضين له، أو أن السلام مفهوم محوري في سياستهم، بينما العرب غير معنيين به. الحقيقة الواضحة كل الوضوح بأن السلام لم يكن الهاجس الأساسي للإسرائيليين، بل هاجسهم هو الأمن بالمعنى الضيق، أمنهم هم، الذي لا يتحقق في رؤيتهم إلا على حساب أمننا وحقوقنا نحن العرب! لذلك فإنه لمن الضروري في هذه المرحلة إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. فمن غير المنطقي أو المقبول بعد الآن أن يكون مطلوباً منا نحن العرب أن نستمر في تقديم البراهين والدلائل عن رغبتنا في السلام، التي أعلناها وعبرنا عنها في مختلف المناسبات، ومنذ عقود طويلة، وبصورة خاصة منذ انعقاد مؤتمر/ مدريد/ عام /1991/، بل على الإسرائيليين أن يقدموا البراهين على ذلك، وأن يعبروا بالأفعال عن استعدادهم للسلام، وأن يعملوا على إقناعنا نحن العرب بذلك، فهم الذين يحتلون أرضنا ويعتدون على شعبنا، ويشردون الملايين من أهلنا وليس العكس. وهم يقومون بكل تلك الأفعال ومن ثم يطلبون الحماية والضمانة ويضعونها كقناع بهدف الحصول على المزيد من التنازلات. أؤكد اليوم بأنهم لن يحصلوا على أي منها من قبل /سورية/، أما ممارساتهم تجاه العرب وخاصة شعبنا الفلسطيني، ورفضهم الاستجابة للحد الأدنى من المطالب الفلسطينية المشروعة، وعدم استجابتهم حتى الآن لمتطلبات السلام على المسار السوري، فتدل على أن السلام بالنسبة لهم هو عمل تكتيكي وليس خياراً استراتيجياً. إذا كنا قد قررنا مواصلة عملية السلام من خلال المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط التركي، انطلاقاً من حرصنا الصادق على تحقيق السلام العادل والشامل، واستناداً إلى حقوقنا الثابتة غير القابلة للمساومة تحت أي ظرف، وفي مقدمتها العودة إلى خط الرابع من /حزيران/ عام /1967/ دون أي نقصان، فإن هذا كله لا يجعلنا نغفل عن رؤية الحقائق في منطقتنا وما يتصل بها خارجها، وفي مقدمتها أن /إسرائيل/ لم تلغ في يوم من الأيام فكرة العدوان من سياساتها والتي يؤدي إليها خوف الإسرائيليين الفطري من السلام، خاصة في هذا الوقت الذي نشهد فيه تنامياً سافراً لنزعات التطرف الديني والعنصري لدى الإسرائيليين، بل إن مفاهيم مثل طرد العرب والتعابير العنصرية الأخرى باتت أكثر حضوراً في خطابهم السياسي. الحقيقة الثانية فهي وجود /إدارة أمريكية/ راحلة، كان يفترض أن تهتم بالسلام، لكنها لم تعرف شيئاً عن الحضارات الإنسانية، سوى قعقعة السيوف، ولم تقدم للإنسان من حقوقه التي وضعتها شعاراً زائفا سوى حقه في العيش خائفاً في أحسن الأحوال وميتاً في أسوئها. بمعنى آخر إيماننا بالسلام وتفاؤلنا بتحقيقه لا يدفعانا للوقوع في الأوهام أو أحلام اليقظة، أو للوقوع في فخ اللعب على المسارات، بل يدفعانا للمزيد من التمسك بحقوقنا ولبناء المزيد من قوتنا. و أضاف الرئيس /الأسد/: في إطار حديثنا عن السلام العادل والشامل، فإننا نؤكد دعمنا لنضال أشقائنا الفلسطينيين في استعادة حقوقهم المتمثلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها /القدس/، وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين. كما نؤكد بأن تحقيق هذا الهدف مرهون بوحدة الموقف الفلسطيني، لذلك نجدد دعمنا للحوار بين الفصائل الفلسطينية واستعدادنا لبذل كل الجهود الممكنة لتهيئة الظروف المناسبة لإنجاح الحوار الذي تتحقق فيه وحده مصلحة الشعب الفلسطيني.

 وقال الرئيس /الأسد/: أما /العراق/، فإن استقراره مسألة حيوية لاستقرار المنطقة، وهذا لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال الأجنبي، ومن خلال إنجاز المصالحة الوطنية بين أبنائه بمختلف انتماءاتهم، بما يكفل وحدة /العراق/ واستقلاله، بعيداً عن التبعية أو الارتهان للإرادة الخارجية. لذلك فإننا نجدد مساندتنا لكل الجهود المبذولة لإنجاز الحوار الوطني، واستعدادنا لتقديم كل عون ممكن لإنجاز هذه الغاية، مؤكدا أن مسألة تعزيز الحضور العربي في /العراق/ هي مسؤوليتنا جميعاً، سواء من خلال تدعيم العلاقات الثنائية، أو من خلال مؤسسات /الجامعة العربية/. ولابد أن يكون الموقف العربي واضحاً موحداً في التأكيد على ضرورة إنهاء الاحتلال والتصدي لأي محاولة لفرض اتفاقات تصادر سيادة /العراق/ وأمنه وتسيء إلى الأمن القومي العربي بكليته، وقال الرئيس /الأسد/: إن العدوان الأمريكي الأخير على الأراضي السورية يدلل على أن وجود قوات الاحتلال الأمريكي يشكل مصدر تهديد مستمر لأمن الدول المجاورة للعراق. كما يشكل عامل عدم استقرار للمنطقة، ويؤكد بأن الاتفاقية الأمنية تهدف لتحويل /العراق/ إلى قاعدة لضرب الجوار، بدلاً من أن يكون سنداً لهم، وبالتالي فإن إنهاء هذا الاحتلال في أسرع وقت هو ضرورة لاستقلال /العراق/ الشقيق، كما هو ضرورة لاستقرار المنطقة. أما قول الأميركيين بأن الانسحاب يخلق الفوضى، فجوابه من خلال منطقهم، ما هو الفرق بين انسحابكم وبقائكم، إذا كان الانسحاب يخلق الفوضى، فماذا يخلق البقاء، وهل هناك شيء أسوأ مما نراه الآن في أي مكان في العالم. أما بمنطقنا نحن وليس بمنطقهم، فنقول بكل بساطة هذا كلام حق يراد به باطل، يرمي للإيحاء بأن الشعب العراقي غير قادر على حكم نفسه وإدارة شؤونه، ويهدف بالنتيجة لإبقاء الاحتلال. 

وأشار الرئيس /الأسد/ إلى أن ما يتعرض له /السودان/ الشقيق منذ عقود من هجمة شرسة تستهدف وحدته وتماسكه الوطني بدءاً من الجنوب وانتهاء بدارفور، فهو أكثر من مجرد تدخل في شؤونه الداخلية، بل هي محاولات تقسيم حقيقية توازي نتائجها خطورة ما حصل في /فلسطين/ عام /1948/، فعلينا كعرب أن نقف إلى جانب /السودان/ وقفة حازمة غير مترددة، وأن ندين التدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية مهما اتخذت من مبررات، ونؤيد ما تقوم به الحكومة السودانية لإيجاد حل للمعاناة الإنسانية في إقليم /دارفور/ في إطار وحدة السودان الوطنية. أما التردد من قبل البعض بذريعة وجود قرارات دولية، فأنا أؤكد أن دولنا وقعت على ميثاق /الأمم المتحدة/ والذي يضمن الأمن والاستقرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. أما عندما تعكس القرارات هيمنة مجموعة من الدول على مؤسسات دولية تؤدي إلى صدور قرارات تخرق هذا الميثاق، وتلحق الضرر بمصالحنا، فلابد أن نضع مصالحنا الوطنية والقومية أولاً وفوق كل اعتبار. 

وأضاف الرئيس /الأسد/، وفي الشأن اللبناني أننا نعبر عن ارتياحنا للأجواء الإيجابية التي تلت مؤتمر /الدوحة/ الذي وضع العناوين الأساسية للتوافق الوطني، وهيأ الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار في لبنان وتفويت الفرصة على المحاولات التي يبذلها البعض لضرب وحدته. 

ورأى الرئيس /الأسد/ أنه على الرغم من الصورة القاتمة للوضع الدولي المعاصر التي انطبعت في أذهان الرأي العام على امتداد العالم بفعل سيطرة القطب الواحد، وسياسات الهيمنة التي أسست لنهج /الولايات المتحدة الأمريكية/ في السياسة الدولية، فإن بوسعنا أن نلاحظ أن ثمة ما يشبه الإجماع الدولي على فشل هذا النهج الذي لم يأت للعالم إلا بويلات الحروب وتغذية عوامل العنف والإرهاب بدلاً من أن يساهم في معالجتها، وقال الرئيس /الأسد/: لقد بدأ العالم اليوم يفكر بجد بأسس مختلفة للعلاقات الدولية، حيث أثبتت العولمة التي تتجاهل حضارات ومصائر الشعوب فشلها، وبدأت العودة للوطن والإقليم والمنطقة الجغرافية الواحدة وما يعنيه ذلك من عودة لتعدد الأقطاب على مستوى العالم، مؤكدا  أن هذه المرحلة تشكل فرصة تاريخية للعرب إذا ما استطاعوا أن ينسقوا مواقفهم، ويوحدوا جهودهم لكي يصبحوا إحدى هذه القوى الإقليمية، خاصة في ضوء ما يتمتعون به من إمكانات اقتصادية وعوامل تاريخية وثقافية مشتركة تيسر فرص إقامة تكتل عربي إذا ما أحسن استخدامها ،فنحن في قارب واحد ومن الواضح اليوم أن الدول التي لا يجمعها قارب واحد تحاول صناعته، وآن الأوان أن لا نترك قاربنا مهجوراً دون استخدام كي لا تفوتنا فرصة استخدامه أو يسبقنا إليه الآخرون. وقال الرئيس /الأسد/: إذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة، بما حملته من مخاطر على المجتمعات المعاصرة لاسيما النامية منها، قد دفعت الكثيرين للمبادرة إلى وضع أسس لنظام اقتصادي دولي جديد يجنب الأجيال القادمة مفاعيل الأزمات الاقتصادية والانهيارات المالية، فإن الحاجة تدعو في الوقت نفسه إلى بناء نظام سياسي دولي قائم على أسس التفاهم والحوار بين شعوب العالم ، مشيرا إلى أنه مهماً يكن شكل العالم المستقبلي، والقواعد التي ستحكم علاقاته الدولية، ومع أملنا الكبير في تشكيل نظام سياسي واقتصادي جديد أكثر عدلاً وأماناً، فإن مكانتنا ومستقبلنا يبقيان مرهونين بمدى قدرتنا على الحضور ككتلة سياسية واقتصادية، متناسقة ومتجانسة لكي تكون مؤثرة. 

وأوضح الرئيس /الأسد/ أن التحديات كبيرة ومواجهتها مرهونة بتضامننا، وإذا كان أخطر العقبات هي التفرقة والتجزئة بيننا، والتي تحققت في مفاصل عديدة عندما سمحنا للقوى الخارجية باستخدامنا كوقود لخلافاتها على الساحتين الإقليمية والدولية، فإن زرع الخلاف بيننا وبين الشعوب الأخرى في منطقتنا لا يقل خطورةً عنها، وإذا كان التضامن العربي هو الوسيلة لاستعادة الوضع العربي الطبيعي، فإنه لا يكتمل من دون علاقات عربية سليمة منفتحة مع دول وشعوب وثقافات المنطقة، خاصة المجاورة لنا جغرافيا والتي تداخل تاريخها مع تاريخنا وتمازجنا معها بشرياً وثقافياً لقرون طويلة. وإذا كان الانفتاح على الآخر هو نقطة القوة الأهم التي حققت للعرب في الماضي مكانتهم العالمية، فعلينا اليوم ونحن في مستهل القرن الحادي والعشرين أن نكون أكثر انفتاحا، وأن نتجنب الانغلاق على أنفسنا أو الانعزال عن الآخرين في أي ظرف وتحت أي عنوان بالعكس تماماً، فاختلاف وجهات النظر هو الدافع الأكبر للانفتاح على الغير والتواصل معه لكي نبني معه حواراً صادقاً تراكمياً يعيد التوافق التاريخي بديلاً عن التنافر المصطنع، عدا عن ذلك فسندخل في مستقبل تحكمه الأوهام يستبدل فيه العدو الحقيقي الذي يعتدي علينا ويقتلنا بعدو وهمي قد يكون شقيقاً أو صديقاً يقف إلى جانبنا في الملمات ، ودعا سيادته إلى الحذر من المصطلحات البراقة ذات المضامين المشوهة وإلى تصحيحها، وقال: فالسرب العربي قيادته حتماً عربية وقراره يصنع هنا في بلداننا من قناعاتنا، ولمصالحنا، أما الفلك العربي، فلا يمكن لشمسه أن تكون إسرائيلية ونحن كواكب تدور حولها، وإلا التصادم، فالفناء. وخاطب الرئيس /الأسد/ البرلمانيين العرب: في كل تلك المجالات يبرز دوركم،وإني إذ أتمنى لكم كل النجاح في مهامكم الكبرى، فإني أؤكد على أن نجاحنا هو في وحدتنا التي تمنحنا القوة. ونحن نعيش في ظروف دولية تتميز سياساتها بانعدام المبادئ والأخلاق. ومن يمتلك الذكاء من دون امتلاكه القوة قادر على القيام ببعض التكتيكات البارعة، ولكنه في المحصلة النهائية، غير قادر على تجاوز أو الخروج عن استراتيجيات الآخرين، والتي قد تكون في تعارض مع المصالح الوطنية. أما من يمتلك القوة المبنية على العقل، فهو من يصنع الاستراتيجيات ويفرض موقفه ويصنع التاريخ. فعلينا أن نسعى، ومن دون تردد كأمة عربية لامتلاك القوة الضرورية التي تبدأ بتضامننا المعنوي، وتمر عبر تعاوننا العملي، وتنتهي بقدرتنا على فرض وجودنا وحماية حدودنا واستعادة حقوقنا. التاريخ البشري، وتاريخنا جزء منه، لم يكن يوماً ذا لون أو شكل واحد، ولنا أن نختار من تاريخنا ما نشاء، ولنتحمل مسؤولية اختيارنا. فلنختر منه التضامن والقوة والانفتاح لكي نحصد الأمان والازدهار.